1:32 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

‏الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة ، عازفة السرد البصري: ميرفت الخزاعي وتحليل الواقع بلغة الحكاية

‏الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة ، عازفة السرد البصري: ميرفت الخزاعي وتحليل الواقع بلغة الحكاية

‏شفا – الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة ، عازفة السرد البصري: ميرفت الخزاعي وتحليل الواقع بلغة الحكاية


حوار:عطا درغام


في المشهد الثقافي العراقي المعاصر، تبرز الأديبة ميرفت الخزاعي كإحدى الأصوات السردية التي ترفض البقاء في قوالب الحكاية التقليدية. هي ابنة البصرة التي زاوجت بين دقة الحاسوب ورقّة الكلمة، لتصنع لنفسها مساراً قصصياً يجمع بين المشهدية البصرية والتكثيف اللغوي. في هذا الحوار، نبتعد عن الأسئلة المكررة عن البدايات والمؤثرات، لنغوص مباشرة في جوهر ورشتها الإبداعية، ونحاورها حول خياراتها الفنية، والقضايا الإنسانية التي تحرك قلمها، وكيف واجهت عين النقد الأدبي.م
المحور الأول: الإبداع (فلسفة الخلق السردي
1- في مجموعتكِ «بين السبابة والإبهام»، تبدو المسافة بين الإصبعين هي مسافة التقاط الأشياء الصغيرة؛ كيف تحوّلين التفاصيل اليومية العابرة، التي قد لا يلتفت إليها الشخص العادي، إلى حدث محوري داخل القصة؟
من خصائص الفن القصصي قدرته على تحويل الأشياء العادية إلى أشياء مميزة. فقد تبدو بعض الأحداث عابرة، ولا تعني لكثير من الناس شيئًا يُذكر، لكنها ما إن تقع بيد فنان حاذق حتى تتحول إلى كنز ثمين. يكمن الأمر في القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، أو اكتشاف ما يمرّون به دون أن يتوقفوا عنده.
أليس الله هو الصانع والسارد الأول، العليم بحكايات الخلق الأولى؟ وما نحن سوى تلاميذ نحاول، ربما، محاكاته بصنع عوالم جديدة من ابتكارنا نحن البشر.
لا أظنني أقوم بشيء خارق؛ فأنا أعيد تشكيل الحروف الأولى، وأرصّها بطرق بدائية، ثم أُدخلها فرن الحياة ومطبخها، لتَنضج على مهل، وتغدو أطباقًا نثرية شهية.
2- توازنين في حياتكِ بين العمل التربوي مع الأطفال وكتابة القصص الموجّهة للكبار؛ كيف يغذّي عالم الطفولة، ببراءته وتلقائيته، مخيلتكِ الإبداعية عند صياغة نصوص للكبار تتسم بالتعقيد؟
عالم الطفولة هو المنبع الأول للحكايات، وفي طفولتي تكوّنت لديّ القدرة على سردها. ربما لم أزل _ لا أقول حبيسة تلك المرحلة _ لكنني احتفظ بجزء كبير منها في روحي، وكثيرًا ما أزورها بين الحين والآخر، لأتفقد تلك الطفلة التي ما تزال تحاول النمو كشجرة وارفة.
الطفولة ميدانٌ خصب للخيال، ومنها تنطلق الأسئلة الوجودية الأولى عن الحب واليأس والفقد والموت والحياة. ومنها أستمد الوقود الذي يجعل ذاكرتي متقدة، كلما داهمتها رياح التقدم في العمر. ولا شيخوخة ما دامت الروح طفلة.
ثمة حدّ فاصل بين المراحل العمرية، خيط رفيع قد لا يظهر بوضوح دائمًا. وما إن أغادر تلك المنطقة بتفكيري حتى أجد نفسي فراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى، ترتشف الرحيق وتصوغ منه الحكايات.
الموازنة بين عالمي الطفولة والنضج ليست سهلة دائمًا؛ فقد تطغى الروح الطفولية أحيانًا على بعض النصوص. لكنني كلما ابتعدت عن تلك المنطقة، وجدت تفكيري أكثر نضجًا وعقلانية.
إن الانتقال بين العوالم المتوازية يتطلب تقنية خاصة للعبور؛ فلا التحليق بعيدًا عن أرض الواقع والمنطق، ولا البقاء بخطوات ملتصقة بها، يحققان التوازن المطلوب. إنها المسافة المناسبة للطيران حين نشتاق إلى ذلك العلو الذي يمنح عين الكاتب رؤية أوضح، فيما تبقى قدماه على الأرض وتحلّق عيناه بعيدًا. إنها معادلة صعبة، تحتاج إلى تمارين التوازن التي تعلّمنا إياها حكاية النورس جوناثان.
3- يتطلب الانتقال بين كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا مرونة عالية؛ كيف تضبطين تدفق الفكرة لتعرفي أن هذه اللقطة تكفيها أسطر قليلة، بينما تحتاج تلك إلى فضاء أوسع؟
النص كائن حي، يختار الطريقة والكيفية اللتين تناسبانه في السرد. فبعض النصوص قد تكفيها جملة واحدة لتعبّر عن فكرتها وترويها، فيما تحتاج نصوص أخرى إلى الابتعاد عن السطح والغوص أكثر في العمق.
ولا يعني ذلك أن القصة القصيرة جدًا أو الومضة القصصية تفتقر إلى المعنى العميق والدقيق؛ فالفكرة وغاية النص هما ما يحددان الشكل الذي يتخذه. ليست العبرة بعدد الأسطر، بل بما يحتاج إليه النص ليقول ما يريد، من دون زيادة أو نقصان.
4- شاركتِ في ورشة «كتابة الشعر من أجل الحياة» مع معهد غوته رغم أنكِ معروفة كقاصة؛ ما الذي أضافته عين الشاعرة الكامنة في داخلكِ إلى لغتكِ السردية؟
ربما لا يعرف الكثيرون أن بدايتي كانت مع الشعر؛ فأول مقطوعة ألّفتها في طفولتي كانت أغنية لحّنتها أيضًا. ومن أولى محاولاتي الناضجة في الكتابة قصيدة
“لوحة بصرية” عن مدينة الفاو.
أؤمن بأن روح الشعر تسكنني؛ فأنا من مدينة يولد فوق كل شبر فيها شاعر.
كانت هذه الورشة الأولى التي أشارك فيها، وقد أسهمت في صقل لغتي. فالشعر يجعلك تبحث أكثر، وتستكشف ما بين السطور وما وراء المعنى، كما يمنحك ذلك القيد الجميل في الالتزام؛ إن لم يكن بالوزن والقافية، فبالإيجاز والتكثيف.
5- درستِ فن كتابة السيناريو؛ إلى أي مدى ساهمت قواعد كتابة المشهد السينمائي في رسم ملامح الحركة الإبداعية وتصاعدها داخل نصوصكِ المكتوبة؟
حياتنا سلسلة من المشاهد الدرامية، تتصاعد حبكتها على نحو متواتر في فيلمنا الأوحد، أومسرحيتنا.ولطالما شدّني المسرح، لا بأجوائه فحسب؛ وأذكر جيدًا مسرح إعدادية المعقل للبنات.
برأيي، لا يرتبط المسرح ببقعة محددة، أو خشبة وستارة حمراء، بقدر ارتباطه بالأحداث وكيفية تمثيلها. أميل إلى قراءة النصوص المسرحية وكتابتها أيضًا؛ فالمشهد، سواء كُتب للمسرح أم للسينما أم للقصة، يحتاج إلى حركة وتوتر وتحوّل يمنحه الحياة.
المحور الثاني: الأسلوب (أدوات الصياغة والتشكيل)
1- يتميز أسلوبكِ بالاعتماد المكثف على الصورة؛ كيف تبنين جملاً قصيرة قادرة على ترك أثر بصري ثابت في مخيلة القارئ دون الاستعانة بالوصف المطوّل؟
أظن أن الأمر يعود إلى الخبرة التي اكتسبتها وتمارين السرد المستمرة، وإلى قدرتي على التقاط التفاصيل الصغيرة وإعادة تشكيلها لغويًا. فالصورة لا تحتاج دائمًا إلى وصف مطوّل كي تترك أثرها؛ أحيانًا تكفي كلمة واحدة في مكانها الصحيح، أو جملة قصيرة تفتح بابًا واسعًا في مخيلة القارئ. أميل إلى التكثيف، وأترك للصورة أن تقول ما لا تقوله الكلمات، ولخيال القارئ أن يكمل ما تركته الحكاية مفتوحًا.
2- في مجموعتكِ البِكر «حرير فراشة الحكايات»، اخترتِ تقديم 66 نصًا؛ كيف استطعتِ الحفاظ على نبرة أسلوبية خاصة ومستقلة لكل نص دون أن تذوب القصص في بعضها؟
لكل حكاية روحها الخاصة، وهي التي تفرض عليّ طريقتها في السرد. لا أتعامل مع النصوص بوصفها قوالب متشابهة أملؤها بالأحداث، بل أترك لكل نص أن يختار لغته ومساحته ونهايته. قد تتقارب النصوص في بعض ملامحها، لكنها تختلف في الفكرة والجوّ والتفاصيل التي تمنح كل واحدة منها هويتها. وما يجمعها في النهاية هو صوتي الذي يمرّ عبرها، لا تشابهها أو ذوبانها في بعضها.
3- تعتمد القصة القصيرة جدًا على المفارقة ونهاية الصدمة؛ كيف تتجنبين في أسلوبكِ الوقوع في فخ «النهاية المفتعلة» التي قد تفسد البناء التلقائي للحكاية؟
التصاعد التلقائي، لكن المدروس، لأحداث القصة ومجرياتها هو ما يجنّبنا النهايات المفتعلة ويُبعدنا عنها. فالقصة القصيرة جدًا عمل فني تُصاغ خيوطه بدقة، وتُبنى غالبًا على ومضة خاطفة، أو شعلة تضيء عتمة يوم عادي، فتغيّر نظرتنا إليه.
لا ينبغي أن تأتي النهاية غريبة لمجرد إحداث الصدمة؛ بل أن تنبع من داخل الحكاية، حتى وإن باغتت القارئ. فالمفاجأة الحقيقية ليست في غرابة ما يحدث، بل في قدرتنا على اكتشاف ما كان مختبئًا في التفاصيل منذ البداية.
4- تجمع خلفيتكِ الدراسية بين الدبلوم العالي في الحاسوب والأدب؛ كيف ينعكس هذا المزيج بين دقة التكنولوجيا وعاطفة الأدب على تنظيمكِ الداخلي للعبارات والكلمات؟
يتغلغل الأدب في حياتي ويخيّم على جميع مفاصلها؛ فهو الناشئ مع بذرتي، والمرافق والمصاحب لها، كلبلابٍ يلتف حولها، غير أن لا سمّ فيه.
أما الحاسوب وتقنياته، فهو المجال الذي اخترت أن ألج من خلاله بوابة الحياة العملية، بيد أن جذوره تمتد أيضًا إلى طفولتي. فأخي الأكبر كان من أوائل من استقدموا الحواسيب وأدخلوها إلى منازلهم، واظن هذا أحد أسباب تعلّقي بها.
قد يخيل للبعض أن الأدب ولغة الحواسيب، بما فيها من خوارزميات وأرقام ونبضات إلكترونية، لا تجمعهما علاقة؛ فالأول تعبّر عنه اللغة الشاعرية والحسية، فيما يتعامل الثاني مع الأدوات الحسابية والمنطقية. لكنني استطعت الجمع بينهما في قصة قصيرة عنوانها «الخاتمة»، ضمن مجموعتي القصصية الأولى “حرير فراشة الحكايات”.
5- نبرة السرد في قصصكِ تميل أحيانًا إلى الهدوء المبطن بالقلق؛ كيف تختارين الكلمة المناسبة التي تنقل هذا الشعور للمتلقي بسلاسة ودون مبالغة لغوية؟
اللغة وسيلة وليست غاية، وهي قارب نجاة تندفع به الحكاية إلى الضفة الأخرى.
أميل إلى الكلمات البسيطة، لكن القوية في معناها، وأترك النص يبحر بي نحو ضفافه المورقة. فكلما كانت اللغة سلسة، دقيقة، وجزلة الألفاظ، كانت أقدر على الوصول إلى المتلقي. لا أحب فرض الشعور على القارئ أو أشرح له ما ينبغي أن يحسّه؛ أفضّل أن أهيئ له ما يجعله يكتشف القلق الكامن خلف هدوء الحكاية، وأن أترك للكلمة أثرها دون أن أثقلها بالمبالغة.
المحور الثالث: القضايا (المضامين والهمّ الإنساني)
1- ركزتِ في كتاباتكِ على قضايا المرأة العربية والعراقية وشاركتِ في مهرجان «صوتي قلمي» بتونس؛ ما الزاوية غير المستهلكة التي تحاولين من خلالها طرح معاناة المرأة دون السقوط في الشعارات الجاهزة؟
يتجاوز «صوت المرأة» معناه المتعارف عليه بوصفه وسيلة للإلقاء والتحدث والكلام؛ فهو الأداة التي تعبّر من خلالها عن نفسها وأحلامها وتطلعاتها وآلامها وأفراحها وأحزانها. والنساء اللواتي فقدن أصواتهن أو جُرّدن منها يتحولن إلى أشباح آدمية، تتحدث همسًا أو تصرخ أحيانًا؛ فهن لا يفقدن القدرة على الكلام فحسب، بل قد يفقدن القدرة على مواصلة الحياة كما يردنها.
من هنا، قد تلجأ المرأة إلى أداة أخرى تحلّ محل الصوت، وتضاهيه قوةً وفاعلية، إن لم تتجاوزه؛ فيصبح القلم وسيلتها للتعبير. وإذا كان اللسان عضوًا عضليًا، فإن اليد وما تحمله بين أصابعها تضاهيه قدرةً وتأثيرًا.
أنظر إلى بنات جنسي بوصفهن قوة فاعلة، يمتلكن مهارات الأنوثة، ويؤدين دورًا مؤثرًا في المجتمع، كونهن شريكات في بنائه ودعمه. لكن الظروف قد تضعهن في مواجهات غير متكافئة، وعندها يصبح عليهن تعديل طرف المعادلة حتى يستعدن التوازن؛ وما تزال الرياضيات والحساب في دمي! لدى النساء الكثير ليقلنه ويفعلنه، وما أحاول الاقتراب منه في الكتابة هو ما وراء الشعارات: الإنسانة بما تحمله من رغبات وتناقضات وقدرة على الفعل والمقاومة.

2- تعيش البصرة تحولات اجتماعية وثقافية مستمرة؛ كيف تحضر المدينة وأهلها وهمومهم في نصوصكِ دون أن تتحول القصة إلى مجرد توثيق اجتماعي؟
تحضر البصرة في نصوصي من خلال أثرها في الإنسان، لا بوصفها مكانًا تجري فيه الأحداث فحسب. فالمدينة ليست شوارع وبيوتًا وملامح مألوفة، بل ذاكرة وعلاقات وتحولات تترك أثرها في النفوس. وما يشغلني ليس توثيق الحدث كما وقع، بقدر ما يشغلني ما يتركه في الإنسان، وكيف يغيّر نظرته إلى نفسه والآخرين والعالم من حوله. فالقصة ليست سجلًا للواقع، بل محاولة لإعادة اكتشافه فنيًا، والتقاط ما قد يمرّ عابرًا في الحياة اليومية، لكنه يكشف شيئًا أعمق عن الإنسان.
3- يناقش كتابكِ «العرض الأخير» فكرة النهايات واللقطات الختامية في حياة البشر؛ ما القضية الوجودية الإنسانية التي تشغلكِ وتجدين نفسكِ مدفوعة دائمًا لإثارتها؟
تشغلني أسئلة الحب واليأس والموت والحياة، وفكرة الانتماء والهوية، وما يتصل بها من جدل بين الجبرية والقدرية. أجدني أعود إلى الإنسان وهو يحاول فهم موقعه في هذا العالم: هل تقوده اختياراته، أم تدفعه أقداره إلى نهايات لم يخترها؟ وربما لهذا تستوقفني النهايات؛ لأنها لا تكشف ما انتهى فحسب، بل تضيء أحيانًا ما عاشه الإنسان، وما ظلّ عاجزًا عن فهمه أو التصالح معه.
4- في القصص المشتركة مثل «وساوس قارئ البريد»، ما طبيعة الهموم الجماعية المشتركة التي تتقاطعين فيها مع بقية الكتاب لتقديمها للجمهور؟
هموم البحث عن الهوية الضائعة واستعادتها، وليس بالضرورة أن تكون الهوية شخصية؛ فقد تكون هوية شعب بأكمله. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن نفسه منفردًا، بل قد يجد أسئلته معلّقة بذاكرة جماعية أو وطن أو تاريخ مهدّد بالنسيان. وما يجمع الكتّاب في مثل هذه التجارب هو قدرتهم على مقاربة الهمّ المشترك من زوايا مختلفة، ليصبح النص مساحةً يتعرّف فيها القارئ إلى شيء من ذاته وذاكرة جماعته.

5- كيف يمكن للقصة القصيرة، بوصفها فنًا شديد التكثيف، أن تحمل قضية كبرى مثل الحرب أو الاغتراب وتوصلها بصدق دون التضحية بالجمال الفني للنص؟
لا يعني الإيجاز أن تكون القصة قصيرة الكلمات فحسب، بل أن تؤدي كل جملة وظيفة، سواء في تحريك الحدث، أو كشف الشخصية، أو بناء الجو، أو تعميق المعنى. فالاختزال لا يعني تقليص الكلمات والمعنى معًا، بل الوصول إلى جوهر التجربة بأقل قدر من الحشو، مع الاحتفاظ بعمقها وأثرها.
وتستطيع القصة القصيرة أن تحافظ على جمالها الفني وهي تتناول قضايا كبرى؛ فالإسهاب والإطالة لا يعنيان بالضرورة قدرة النص على نقل الحدث أو استيعابه بعمق، مثلما لا يضمن الإيجاز وحده نجاحه. المهم أن يجد الموضوع شكله الفني المناسب، وأن تنبع التفاصيل من صميم التجربة الإنسانية، لا أن تُقحم لخدمة قضية أو إيصال رسالة جاهزة. فحين يصدق النص فنيًا وإنسانيًا، يستطيع تفصيل صغير أن يحمل ثقل حرب كاملة، أو أن يكشف اغترابًا لا تكفي صفحات لوصفه.
المحور الرابع: النقد (المواجهة مع القراءة الفاحصة)
1- حظيت مجموعاتكِ القصصية بقراءات نقدية في الساحة العراقية؛ ما النقد أو الملاحظة التي وُجّهت إلى أعمالكِ وشعرتِ أنها لامست بالفعل نقطة الضعف التي كنتِ تحاولين إخفاءها؟
لطالما سعيتُ إلى مقصلة النقد، كما أسميها؛ فلا أتهيبها ولا أتهرب منها. وقد حظيت تجربتي وكتاباتي بقراءات نقدية فاحصة وشاملة ومنصفة، أعتز بأصحابها وبما قدموه. فالناقد، في نظري، كالجراح الذي يستكشف مواطن الخلل في النص، ويتتبع نقاط الضعف والترهل؛ لذا أراه صديقًا للكاتب، لا عدوًا له.
ولدينا عدد من النقاد الذين تركوا بصماتهم في قراءة منجزاتي، منهم الأديب الراحل جاسم عايف، والأستاذ مقداد مسعود، والأديب الفاضل جميل الشبيبي. وأرى أن قيمة النقد لا تكمن في مجاملته للكاتب أو قسوته عليه، بل في قدرته على إضاءة ما قد لا يراه الكاتب في نصه، ومساعدته على النظر إلى تجربته بعين أخرى.
2- يرى بعض النقاد أن القصة القصيرة جدًا تقترب كثيرًا من قصيدة النثر؛ كيف تدافع ميرفت الخزاعي عن «قصصية» نصوصها أمام من يتهمها بأنها مجرد خواطر شعرية؟
لكل من قصيدة النثر والقصة القصيرة جدًا شكلها الخاص وسماتها التي تميزها. وقد تقتربان أحيانًا في الصياغة، ولا سيما حين تتخذ لغة القصة منحًى شعريًا، لكنهما يظلان جنسين أدبيين مختلفين. فالشاعرية وحدها لا تجعل النص قصيدة، كما أن قِصر النص لا يجعله قصة قصيرة جدًا؛ إذ لا بد من وجود ما يمنحه قصصيته، سواء أكان حدثًا أم تحوّلًا أم مفارقة تنبثق من بنائه.
وأعتقد أن القارئ الحصيف والمتفحص يستطيع التمييز بينهما. لم أشعر يومًا بأنني مضطرة للدفاع عن نصوصي؛ فالنص، في النهاية، يفرض نفسه بما يمتلكه من مقومات فنية.
3- بصفتكِ مسؤولة العلاقات في اتحاد أدباء البصرة، أنتِ قريبة من الحراك النقدي؛ كيف تفصلين بين شهادات المجاملة الإخوانية والنقد الحقيقي الذي يطوّر تجربة الكاتب؟
أعتقد أن الفارق يظهر في طبيعة ما يُقال عن النص؛ فالمجاملة غالبًا ما تكتفي بالثناء العام، بينما يتوقف النقد الحقيقي عند التفاصيل، ويكشف مواطن القوة والضعف، ويمنح الكاتب ما يستحق التأمل والمراجعة. لا أرفض المجاملة الطيبة، لكنها لا يمكن أن تحل محل القراءة الفاحصة. فالكاتب يحتاج إلى من يشاركه فرحة المنجز، لكنه يحتاج أيضًا إلى من يلفت نظره إلى ما غاب عنه. وأرى أن العلاقة الإنسانية لا تتعارض مع النقد الموضوعي، ما دام الناقد يقرأ النص لا صاحبه، ويحتكم إلى العمل لا إلى طبيعة علاقته بكاتبه.
4- هل تعتقدين أن النقد الأدبي في العراق أنصف تجربة الكاتبات من جيلكِ، أم أن القراءة النقدية لا تزال تتأثر بأسماء وتصنيفات معينة؟
لا يمكنني إصدار حكم مطلق على تجربة النقد العراقي، ففيه أصوات نقدية جادة أنصفت تجارب أدبية مختلفة، ومنها تجارب الكاتبات. لكنني أعتقد أن الإنصاف يقتضي قراءة المنجز بعيدًا عن جنس صاحبه أو شهرته أو موقعه في المشهد الثقافي. فالعمل الأدبي ينبغي أن يحظى بالاهتمام وفق ما يقدمه فنيًا وفكريًا، لا وفق اسم كاتبه أو التصنيفات المسبقة التي قد تحاصره. وما أتمناه أن تتسع مساحة القراءة النقدية الجادة، وأن تصل إلى التجارب التي تستحق التوقف عندها.
5- متى تشعرين أن القارئ العادي قدّم لكِ نقدًا أو فهمًا لنصكِ يتجاوز في عمقه ما كتبه النقاد الأكاديميون؟
لكل من القارئ والناقد الأكاديمي زاوية رؤيته الخاصة للنص، ومنطق فهمه وتأويله. وقد يلتقي بعض القراء مع النقاد في طرائق قراءتهم وفهمهم، وقد يذهب قارئ بسيط إلى معنى لم يتوقف عنده الناقد، أو يلتقط تفصيلًا يفتح بابًا جديدًا للتأويل. لا أضع القارئ في مواجهة الناقد، فلكل منهما أدواته وتجربته؛ وما يعنيني هو أن يصل النص إلى قارئه، وأن يترك فيه أثرًا يدفعه إلى التفكير والشعور وإعادة اكتشاف الحكاية من زاويته الخاصة.
المحور الخامس: الأعمال (المنتج الأدبي وشواهده)
1- “حرير فراشة الحكايات” كانت انطلاقتكِ المطبوعة الأولى عام 2016؛ لو أتيحت لكِ الفرصة لإعادة تحرير هذه المجموعة اليوم، ما الذي ستغيرينه أو تحذفينه منها؟
لم يسبق لي أن تلاعبت بنص بعد إصداره ونشره؛ فالنصوص أعدّها أبنائي. قد يولد بعضها بأتمّ خِلقة، وقد تهذّب الأيام هيئته. أترك للأيام وتجاربها هذه المهمة العتيدة، فالنص، كالمولود حديثًا، لا يولد مكتملًا تمامًا. وربما تمنحنا التجربة مع الزمن عينًا مختلفة نرى بها ما كتبناه، لكنني لا أتعامل مع النص المنشور بوصفه شيئًا ينبغي أن أعود لتغييره كلما تغيرتُ أنا.
2- صدرت مجموعتكِ «العرض الأخير» بمنحة من اتحاد أدباء البصرة؛ إلى أي مدى تدعم هذه المؤسسات نتاج الكاتب، وهل يفرض هذا الدعم نوعًا من الرقابة الذاتية على محتوى العمل؟
لطالما سعت المؤسسات الرسمية التي ننتمي إليها إلى رعاية الكتّاب وتوفير الدعم لهم، لكنها، بحسب تجربتي، لم تمارس سلطة الرقيب على نصوص مجموعتي الثانية. وبلا شك، فالكاتب هو أول ناقد لنصه ومراقب له، إذ يراجع اختياراته ويختبر قدرته على التعبير عما يريد. لكن هذه المبادرات تشكل دعمًا معنويًا بقدر ما تمثل دعمًا ماديًا، وربما يتجاوز أثرها الجانب المادي حين تمنح الكاتب شعورًا بأن تجربته تحظى بالاهتمام والرعاية.
3- جاءت مجموعة «بين السبابة والإبهام»، الصادرة عن الاتحاد المركزي، لتمثل مرحلة نضج جديدة؛ ما الذي يميز هذه المحطة الإبداعية عن إصداراتكِ القصصية السابقة؟
تمثل المجموعة حصاد سنوات شاقة ومضنية من التعب والسهر في حقول السرد؛ مشيًا تحت أشعة الشمس الحارقة، وحرصًا على ريّ النصوص ورعايتها حتى تشتدّ وتثمر. لكل مرحلة فرحتها الخاصة، لكن مع كل عمل يصدر يزداد قلق الكاتب، وربما يتضخم خوفه أيضًا. فكل إصدار جديد يضع تجربته أمام قراءة جديدة، ويفتح له بابًا آخر من الأسئلة، ويجعله أكثر وعيًا بما أنجزه وما لا يزال يطمح إلى بلوغه.
4- شاركتِ في مجموعات قصصية مشتركة مثل «جداريات» و«آن لنا أن نروي»؛ كيف تختلف تجربة تقديم عمل مستقل يحمل اسمكِ وحده عن تجربة الانصهار في كتاب جماعي؟
للتجربة الفردية إحساس لا يضاهيه شيء؛ فهي تمثل تجربة الكاتب الذاتية، بكل ما تحمله من خصوصية، ويعود إليه وحده ما فيها من نجاح أو إخفاق. أما المشاركة مع الآخرين، فتمنح الكاتب فرصة للالتقاء بتجارب مختلفة، والتجاور مع أصوات متعددة في فضاء واحد. لكل تجربة متعتها وخصوصيتها؛ ففي العمل الفردي يقف الكاتب أمام نصه وحده، أما في العمل الجماعي فيكتشف كيف يمكن للأصوات المختلفة أن تتجاور دون أن تفقد كلٌّ منها ملامحها. ومع ذلك، يظل لكل نص هويته، سواء حمل اسم كاتب واحد أم جاء ضمن مجموعة مشتركة.
5- عند مراجعة عناوين أعمالكِ الثلاثة، نلاحظ انتقالًا من الرقة
(الحرير والفراشة) إلى السينمائية (العرض) ثم إلى الحركية (الأصابع)؛ كيف تلخصين هذه العناوين تطور شكل وحجم نتاجكِ الأدبي؟

يُعزى هذا التطور الزمني إلى مسيرة نضج الحرف واختمار النص وانتقاله من هيئة إلى أخرى. وليس التحول في الشكل وحده ما أحاول التركيز عليه، بل التحول في المضمون أيضًا. ولو تتبعتَ مساري السردي، لوجدتَ أنه انتقل من فضاء الرقة وما يحمله من خفة وضعف أحيانًا، ورغبة لا تكلّ في التحليق، إلى ساحة العرض ومسرح الحياة، ومنها إلى دراماتيكية اليد وما تعنيه.
لم يكن الانتقال مفاجئًا، بل تدرّج عبر متاهات؛ فأمسك بخيط الحرير ليدلّني إلى مسرح الحياة، لأشاهد عرضها الأخير، ثم أعود إلى الكف التي تنسج الحكايات. إنها حكاية يرقة تصوغ القصص في شرنقتها الخادرة، وتترك للزمن مهمة التحول، وللحكايات أن تكشف عن أجنحتها حين يحين أوانها.

القاصة ميرفت الخزاعي

شاهد أيضاً

عمران الخطيب

الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917.. ذكرى وعد بلفور المشؤوم ، بقلم : عمران الخطيب

الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917.. ذكرى وعد بلفور المشؤوم ، بقلم : عمران الخطيب يُعتبر …