
شفا – على ضفاف الحبر الساخن: تيام الشافعي ينبش جمر العامية ويفك أسرار الوجع المصري
حوار: عطا درغام
حين يمتزج صرامة القانون برقة الشعر، تولد تجربة استثنائية لا تشبه السائد، تجربة يقودها قلم الشاعر والباحث المصري تيام الشافعي. من قلب المحلة الكبرى، ينسج الشافعي من خيوط العامية المصرية أثوابًا تتسع لتباريح الروح، وتئن بوجع الوجوه العابرة في شوارع المحروسة. لم يكن الشعر عنده مجرد ترف لغوي، بل رصد حي ونبش مستمر في التجلي البشري بأفراحه وانكساراته. نلتقي به في هذا الحوار الصحفي المعمق، لنغوص في عوالم دواوينه الثلاثة، ونعبر معه إلى إشكاليات النشر الإقليمي والجوائز، ونسأله عن مشهد القصيدة المعاصرة التي تتأرجح بين ذائقة الجمهور وتحولات الواقع الثقافي الراهن.
المحور الأول: “تباريح القمر” (ديوان 2013)
س1: بدأت رحلتك المطبوعة بهذا الديوان في عام 2013؛ كيف ترى اليوم جرأة البدايات وصوتك الشعري الأول بعد مرور سنوات طويلة؟
أنظر إليها على أنها كانت بدايات طيبة في هذه المرحلة، خاصة وأنها تحمل قصائد لازلت أتذكرها وأقف أمامها. وقتها كنت قد استقبلت وجعي الأكبر بفقدان والدي رحمة الله عليه في هذا الوقت المبكر، مما أثر على حياتي وتجربتي وكل شيء.
س2: يحمل العنوان لفظة “تباريح”، وهي دلالة على الشوق الشديد والوجع؛ ما الذي كان يؤرق الشاعر الشاب آنذاك ليفرغه في هذه القصائد؟
وقتها كنت قد استقبلت وجعي الأكبر بفقدان والدي رحمة الله عليه في هذا الوقت المبكر مما أثر على حياتي وتجربتي وكل شيء
س3: كيف استقبل الجمهور والنقاد خطوتك الأولى في النشر، وهل شعرت وقتها أن الديوان أخذ حقه من الاهتمام؟
حقيقة لم يأخذ حقه وقته كما ينبغي؛ نظرًا لأنني كنت وقتها لا علاقة لي بقصور الثقافة أو بدائرة الثقافة، ولا أعرف منها إلا القليل.
س4: تميز هذا الديوان بمسحة رومانسية واضحة؛ هل ترى أن الشعر الرومانسي بالعامية ما زال قادرًا على جذب قارئ اليوم؟
نعم، لازال هذا النوع من الشعر يجذب الكثير من الناس، وأعتقد أنه سيستمر هكذا.
س5: إذا عدت لقراءة قصائد هذا الديوان الآن، ما هو الإحساس أو الفكرة التي تتمنى لو أنك كتبتها بنضجك الحالي؟
رغم أنني قد تعرضت لفكرة فقدان أبي فيه، لكنني كنت أتمنى أن أكتبها بالنضج الحالي، وقد فعلتها في الدواوين الأخرى بالفعل.
المحور الثاني: ديوان “ضريح الشوق”
س1: فاز هذا العمل بالمركز الأول في النشر الإقليمي بـ “قصور الثقافة”؛ ما القيمة التي أضافها هذا الاعتراف الرسمي لاسمك؟
كان هذا العمل هو رسالتي الأولى التي ذهبت بها إلى قصور الثقافة، كأول تعامل معهم. وحقيقة عندما أرسلته وجدت الاحتفاء من الكل عندما تم قراءة الديوان، وكأنهم كانوا ينتظرون شابًا يكتب بهذا العمق.
س2: يجمع عنوان الديوان بين الموت (الضريح) والحياة المتدفقة (الشوق)؛ كيف تفاعلت هذه الثنائية داخل نصوص العمل؟
بعض النور في الضريح يرسل أيضًا رسائل حياة وشوق وحب، والديوان تتحكم فيه النزعة الصوفية في الحب بكل درجاته وأنواعه، وتسخير كل جمال أيضًا في خدمة هذا الضريح.
س3: النشر الإقليمي يواجه دائمًا اتهامات بضعف التوزيع ومحدودية الوصول؛ كيف تغلبت قصائدك على جغرافيا الإقليم لتصل للقاهرة؟
والله حقيقة، طُلب مني الديوان من الإذاعة والقنوات والنقاد، وكُتبت عنه دراسات كثيرة -بفضل الله-.
س4: ما هي الملامح الفنية المحددة التي أجمع عليها المحكمون والنقاد واعتبروها نقطة تميز هذا الديوان عن بقية الأعمال المنافسة؟
أنه ينتهج صوفية جديدة بفلسفته الخاصة، وطوّر من طريقة المدح التي كان متعارفًا عليها وتناولها بطريقة جديدة لها فلسفتها الخاصة.
س5: كيف تحولت لغة الشوق في هذا العمل من مجرد حالة عاطفية فردية إلى قضايا إنسانية واجتماعية أوسع؟
بفضل الله أولًا، توغلت الحالة التي تسيطر على الديوان في مناجاة الخالق الكريم، وفي حالة الحب بصفة عامة، وفي حالات أخرى إنسانية واجتماعية ووطنية، وحالات يتخيل القارئ أنها رومانسية لكنها أكبر وأعمق من ذلك بكثير.
المحور الثالث: ديوان “لحن التجلي في الوجع”
س1: يظهر “الوجع” كعنصر مشترك ومستمر في عناوينك؛ لماذا يبدو الألم هو الوقود الأساسي والمحرك الأكبر لقصيدتك؟
أعتقد أن الإبداع أو الشعر كله في الألم والوجع. لا أقصد بالطبع النفي لأشياء أخرى غير الوجع، ولكن حالة الألم تخلق إبداعًا حقيقيًّا يشعر به القلب ويتفاعل معه سريعًا.
س2: فكرة “التجلي” تحمل أبعادًا صوفية وروحانية؛ كيف وظفت هذه الروح في التعبير عن الواقع اليومي للإنسان البسيط؟
الواقع اليومي للإنسان البسيط فيه من الوجع والروحانية والصوفية ما يجعله قصيدة تمشي على الأرض، وتنتظر فقط من يلتقطها ويسترسل في كتابتها.
س3: الموسيقى والشعر صنوان، وهنا اخترت لفظ “لحن”؛ كيف تعاملت مع الأوزان والقوافي لتعطي الألم نغمًا يطرب القارئ?
كل قصيدة تحن إلى موسيقاها وتكتبها بسلاستها المحببة لديها، فالقصيدة تكتبني وتجذبني إليها وتأخذني إلى عالمها.
س4: يرى البعض أن هذا الديوان يمثل قمة نضجك اللغوي؛ كيف تطورت مفرداتك العامية لتصبح أكثر عمقًا في هذا العمل؟
الاجتهاد ثم العمل والعمل، وهضم تجارب من سبقونا والرد عليها بأسلوب وطريقة جديدة، واتخاذ كتاب الله الكريم صديقًا أكلمه ويكلمني كل يوم، ويرد علي بمفرداته العظيمة البليغة ويعطيني من الجمال والنور.
س5: هل تعمدت في هذا الديوان أن تخرج من دائرة الذاتية لتعبر عن الوجع الجماعي والهموم المشتركة للناس؟
عندما تصل إلى مرحلة النضج الكافية، ستدرك أن الهم الإنساني بيت صغير تتفرع منه قصائدك وتذهب بها إلى كل مدينة وقرية وقلب.
المحور الرابع: كواليس الجوائز والتكريمات (اتحاد الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة)
س1: حصدت جائزة اتحاد كتاب مصر لعام 2024 وجائزة المجلس الأعلى للثقافة؛ ما الذي يغيره التكريم الرسمي في نفس الشاعر؟
لا شك أن التكريم أو التقدير لمن يستحق يشعر المبدع أنه ينال التتقدير الذي يستحقه من وطنه ومؤسسات الدولة المختلفة، لكن ليس معنى هذا أن كل مبدع حقيقي لم يأخذ هذا التكريم ينقص منه شيء، بالعكس إبداعه الحقيقي هو أجمل وأعظم جائزة.
س2: يُقال أحياناً إن الجوائز تصنع هالة مؤقتة حول الكاتب لكنها لا تصنع خلوداً للنص؛ كيف ترى هذه الجدلية؟
هذا حقيقي بالفعل، هالة الجوائز لا تدوم ولكن الخلود بقصيدته هو. الكلمة والإبداع الحقيقي يعيش مهما مر الزمن عليه.
س3: حصلت على منحة التفرغ من وزارة الثقافة؛ كيف استثمرت هذا الوقت، وهل ينجح التفرغ فعليًّا في زيادة تدفق الإبداع؟
المنحة تجبرك على الكتابة، وهنا يتضح الفرق بين المبدع الحقيقي والسطحية؛ فالمبدع عندما يجبر نفسه على الكتابة تلبي أدواته ولغته وبلاغته النداء على أكمل وجه.
س4: فوزك بجائزة الأديب عماد قطري يعكس تقديراً من المؤسسات المستقلة؛ ما الفرق في نظرك بين لجان تحكيم الدولة واللجان الأهلية?
أعتقد أن لجنة التحكيم القوية تأتي بنتائج قوية، سواء كانت في القطاع الخاص أو المؤسسات الحكومية.
س5: هل تضع شروط الجوائز ومعاييرها في حسبانك أثناء الكتابة، أم أن النص يفرض شروطه الخاصة أولاً وأخيراً؟
بالطبع النص هو من يفرض شروطه وحالته وروحانيته والحالة التي يطلبها، فنحن نمشي وراء الفكرة وهي التي تجذبنا وليس العكس، تأتي فنسلم أدواتنا لها ونستمر في قراءة الفيض.
المحور الخامس: مشهد شعر العامية والواقع الثقافي الراهن
س1: تشارك بكثافة في نوادي الأدب والمؤتمرات الإقليمية؛ ما هي الأزمة الحقيقية التي تواجه العمل الثقافي في المحافظات حاليًّا؟
الأزمة التي تواجه الثقافة بشكل عام هو بعدها عن الجمهور العادي؛ فنظرًا للظروف الاقتصادية وانغماس الناس في البحث عن لقمة العيش جعلهم يبتعدون عن الثقافة، وكذلك أيضًا المؤسسات الثقافية فعلت أشياء كثيرة جعلت الجمهور يعزف عن الحضور.
س2: تواجه قصيدة العامية اتهامات مستمرة بالسطحية والاستسهال من بعض حراس الفصحى؛ كيف ترد على هذه النظرة؟
أعتقد بل أؤمن أن العامية قادرة على الدخول في مناطق لم تدخلها الفصحى، وهذا ليس تحيزًا فأنا أكتب الفصحى أيضًا، لكن سلاسة العامية ودخولها في الصورة البلاغية يكون بشكل أوسع وأرحب وأكثر إتقانًا في وصف الحالة الإنسانية، فهي قادرة وستظل قادرة على أشياء كثيرة.
س3: السوشيال ميديا صنعت نجوماً في شعر العامية يعتمدون على الأداء الصوتي لا جودة النص؛ كيف ترى تأثير هذه الظاهرة؟
للأسف بالفعل السوشيال ميديا ساعدت في انتشار السطحية والتفاهة أكثر، وتجد الآن كلمات لا ترقى أن تصنف كإبداع عليها تفاعلات كثيرة جدًّا وهي لا تستحق ولن تستمر، وأعتقد أيضًا أنها لن تعيش طويلًا.
س4: بصفتك باحثاً قانونياً وشاعراً؛ كيف يتقاطع الانضباط القانوني مع جموح وخيال الشاعر داخل وعيك؟
الشعر والإبداع يتغلب على كل شيء، وينحي الكل جانباً ويتقدم هو.
س5: كيف تقيم علاقة الجيل الجديد من القراء بالدواوين المطبوعة في ظل انتشار الكتب الإلكترونية والمنصات الرقمية؟
للأسف أصبح الكل يتجه إلى الكتب الإلكترونية، لكنني أرى أن الكتب الورقية هي الأفضل في كل شيء؛ في المتعة، والتأني، والقراءة باستمتاع، وتفقد مواطن الجمال.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.