
فلسطين… من زمن الأمل إلى زمن الأسئلة: كيف كنا، وكيف أصبحنا؟ بقلم : عبدالله كميل
نبكي على زمن مضى ولكن لا نفقد الامل
هناك أشياء في حياة الشعوب لا تقاس بالسنوات، بل بما تختزنه الذاكرة من أحلام، وما يتركه الزمن في الوجدان من أفراح وانكسارات، وما يبقى في النفس من إيمان بمستقبل كان يبدو، ذات يوم، أقرب مما هو عليه اليوم.
كلما عدنا بذاكرتنا إلى سنوات النضال الفلسطيني، شعرنا أن شيئاً مختلفاً كان يسكن أرواحنا. لم تكن أيامنا سهلة، ولم يكن الطريق إلى الحرية معبّداً، فقد كان الاحتلال حاضراً بكل قسوته، وكانت السجون والمنافي والملاحقات والاغتيالات جزءاً من حياتنا اليومية. لكن الأمل كان حاضراً بقوة، والإيمان بالمستقبل كان أكبر من كل أشكال الألم.
كان الأسير الفلسطيني خلف القضبان يحمل وطناً كاملاً في قلبه، ويعدّ أيام سجنه على أمل أن يرى فجر الحرية. وكان الثائر في الميدان يرى في تضحياته جسراً تعبر عليه الأجيال نحو الاستقلال. وكانت الأمهات يودعن أبناءهن بقلوب موجوعة، لكنهن يحملن في أعماقهن يقيناً بأن هذه التضحيات لن تذهب سدى.
كنا، رغم اختلاف مواقعنا وانتماءاتنا وتوجهاتنا، نشعر أننا ننتمي إلى حكاية وطنية واحدة. كان هناك مشروع وطني يجمعنا، وبوصلة تشير إلى هدف واضح: تحرير الأرض، وعودة الحقوق، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
لم نكن متفقين على كل شيء وتحديدا في اطر منطمة التحرير،لكننا كنا أكثر قدرة على الاختلاف دون أن نفقد الإحساس بأننا شركاء في المصير. كانت فلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من القيادات، وأكبر من الحسابات الشخصية والتنظيمية. وكان الانتماء الوطني مساحة تجمع الجميع، لا ساحة يتصارعون فيها على احتكار الحقيقة والشرعية.
فماذا حدث؟ وكيف انتقلنا من زمن كان الأمل فيه أكبر من الألم، إلى واقع أصبح فيه الألم أكبر من قدرتنا على تفسيره؟
لا يمكن فهم ما وصلنا إليه دون التوقف طويلاً أمام المشروع الإسرائيلي وسياساته المتواصلة في تقويض الوجود الفلسطيني. فالاحتلال لم يتوقف عند حدود السيطرة العسكرية، بل مضى في مشروعه الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات، وفرض الوقائع بالقوة، واستهداف الإنسان الفلسطيني في أرضه ومصدر رزقه وحقه في الحياة.
وما نشهده اليوم من قتل وتدمير وتهجير، واستهداف للمخيمات والقرى والمدن، وتوسّع غير مسبوق في الاستيطان، ليس مجرد أحداث متفرقة، بل يعكس خطورة مشروع يستهدف الأرض والإنسان والهوية، ويسعى إلى جعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً بالغ الصعوبة.
لقد أصبح الفلسطيني يواجه، إلى جانب الاحتلال، واقعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً شديد القسوة. مدن محاصرة، ومخيمات مدمرة، وعائلات مشرّدة، وشباب فقدوا الأمل بفرصة عمل أو مستقبل مستقر، وأجيال تكبر في ظل الخوف والقلق وعدم اليقين.
ومع ذلك، فإن الصدق مع الذات يفرض علينا ألا نكتفي بتفسير كل ما أصابنا من خلال سياسات الاحتلال وحدها، على أهمية مسؤوليته الأساسية والمباشرة عن استمرار الاحتلال وجرائمه. فهناك أيضاً أسئلة فلسطينية داخلية لا يجوز الهروب منها، وأخطاء تراكمت حتى أصبح بعضها جزءاً من واقعنا السياسي.
لقد استنزف الانقسام طاقاتنا، وأضعف حضورنا، وأربك خطابنا السياسي، وفتح مساحات واسعة أمام التدخلات الخارجية. وتحول الاختلاف في بعض محطاته من ظاهرة طبيعية في الحياة السياسية إلى حالة من العداء والإقصاء وتبادل الاتهامات والتخوين كثقافه دخيله لم تكن في الزمن الوطني الجميل.
وأصبحنا أحياناً نستهلك من طاقتنا في محاكمة بعضنا أكثر مما نستهلكه في مواجهة التحديات التي تستهدف وجودنا الوطني.
بل إن بعض كتاباتنا وخطاباتنا الإعلامية والسياسية ساهمت، بقصد أو دون قصد، في تعميق الانقسام، وفي تحويل النقاش الوطني إلى سجالات شخصية وفئوية، بدلاً من أن يكون مساحة لمراجعة التجربة والبحث عن مخارج للأزمة.
فالكلمة مسؤولية، والكاتب الوطني ليس مطلوباً منه أن يبرر الأخطاء أو أن يجامل القوى السياسية، لكنه مطالب بأن يدرك أن النقد يجب أن يكون جسراً للإصلاح، لا أداة للهدم، وأن الاختلاف ينبغي أن يفتح أبواب الحوار، لا أن يغلقها.
ومن جهة أخرى، فإن بعض القوى التي ترفع شعار المقاومة مطالبة هي أيضاً بمراجعة جادة لتجربتها وخياراتها، ليس من باب التشكيك في حق شعبنا المشروع في مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي، وإنما من باب السؤال عن العلاقة بين الوسيلة والغاية، وبين القرار الوطني وثمنه، وبين الشعارات والنتائج السياسية والإنسانية ،وكذلك ضرورة استحضار ميزان الربح والخساره عند اتخاذ اي قرار وخاصه عندما يتعلق الامر بارواح الناس وممتلكاتهم ودخلهم.
فالمقاومة ليست شعاراً يُرفع، ولا سباقاً في المواقف، ولا وسيلة لاحتكار الوطنية. إنها، في جوهرها، فعل تحرر وطني غايته إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال وحماية حقوق الشعب وكرامته.
ولا يجوز أن تنفصل أي خيارات نضالية عن المسؤولية تجاه الشعب، أو أن يصبح المواطن الفلسطيني مجرد من يتحمل نتائج القرارات، دون أن يكون شريكاً في تحديد الأولويات والخيارات والمصير.
إن التضحيات التي قدمها شعبنا تستحق أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية واضحة، تحمي الإنسان والأرض، وتعزز الصمود، وتراكم الإنجازات السياسية والقانونية والدبلوماسية، وتفتح أفقاً حقيقياً لإنهاء الاحتلال.
ففلسطين ليست ملكاً لفصيل، ولا حكراً على تيار، ولا مشروعاً خاصاً بجماعة أو قيادة. فلسطين أكبر من الجميع، وحق شعبها في الحرية والاستقلال أكبر من كل الحسابات الفئوية.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يصبح الانقسام أمراً طبيعياً، وأن يتحول اليأس إلى ثقافة، وأن يفقد الشباب ثقتهم بإمكانية التغيير، وأن تصبح القضية الفلسطينية حاضرة في خطاباتنا أكثر مما هي حاضرة في قدرتنا على الفعل والتأثير.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا نفعل؟ وكيف نعود إلى المسار الذي يجعل من فلسطين قضية أمل ومشروع مستقبل، لا مجرد عنوان للألم والخسارات؟
أولاً، لا بد من استعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة الحقيقية، لا الوحدة الشكلية أو المؤقتة. وحدة تقوم على الاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية، واحترام الاختلاف، والاتفاق على استراتيجية وطنية جامعة.
ثانياً، لا بد من إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوطني الجامع لشعبنا، وتجديد مؤسساتها على أسس ديمقراطية، وبمشاركة جميع القوى والتيارات، بما يضمن تمثيل مختلف مكونات شعبنا في الوطن والشتات والالتزام بالتزاماتها القانونيه والوطنيه والسياسيه.
ثالثاً، نحتاج إلى مراجعة سياسية ووطنية شجاعة، لا تستثني أحداً ولا تستهدف أحداً، مراجعة تعترف بالأخطاء وتتعلم من التجارب، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية. فليس عيباً أن نراجع أنفسنا، بل العيب أن نكرر الأخطاء ثم نطالب الناس بالصمت عنها.
رابعاً، علينا إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته وقياداته، وبين السياسة والشارع، وبين الخطاب الوطني واحتياجات الناس. فالمواطن الذي يواجه الفقر والبطالة والحصار والتهجير يحتاج إلى من يحمي كرامته وحقوقه، لا إلى من يطالبه بالصبر دون أن يمنحه أفقاً للأمل.
خامساً، لا بد من بلورة استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين الصمود الشعبي، والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، وتوسيع دائرة التضامن العالمي مع حقوق شعبنا، والاستناد إلى القانون الدولي والقرارات والمرجعيات الدولية ذات الصلة.
سادساً، علينا إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني باعتباره جوهر المشروع الوطني وهدفه. فالوطن ليس أرضاً فقط، بل هو إنسان يريد أن يعيش بحرية وكرامة، وأن يتعلم ويعمل ويبني أسرة ويحلم بمستقبل آمن لأبنائه. إن حماية حياة الناس وصون كرامتهم وتعزيز قدرتهم على البقاء فوق أرضهم ليست قضايا ثانوية، بل هي في صميم معركة التحرر الوطني.
وسابعاً، نحتاج إلى خطاب فلسطيني جديد، خطاب لا يزايد على تضحيات الشهداء والأسرى، ولا يحتكر الوطنية، ولا يوزع شهادات الانتماء على الناس. خطاب يعيد الاعتبار للحكمة والمسؤولية والحوار، ويجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية والقدرة على قراءة المتغيرات والتعامل معها بواقعية وشجاعة.
إننا لا نحتاج إلى جيل يكرر شعارات الجيل الذي سبقه فحسب، بل إلى جيل يمتلك الوعي والإرادة والقدرة على تجديد أدوات النضال، ويحمل فلسطين في عقله وقلبه، ويؤمن بأن بناء الدولة والمؤسسات وصيانة المجتمع وحماية الإنسان جزء لا يتجزأ من معركة الحرية والاستقلال.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه المرحلة أن نتذكر أولئك الأسرى الذين قضوا سنوات طويلة خلف القضبان، وأولئك الشهداء الذين رحلوا وهم يحلمون بفلسطين التي لم نصل إليها بعد. ماذا نقول لهم اليوم؟ وكيف نشرح للأجيال التي قدمت أعمارها أن الحلم الذي جمعنا أصبح مثقلاً بكل هذه الأسئلة والانقسامات؟
إن الوفاء لهؤلاء لا يكون باستحضار أسمائهم في المناسبات فقط، ولا بتكرار كلمات المجد والتضحية، بل بأن نحمي المعنى الذي ناضلوا من أجله، وأن نواصل الطريق نحو الحرية والكرامة والاستقلال، وأن لا نسمح للتضحيات بأن تضيع في متاهات الانقسام والحسابات الضيقة.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن سؤال بعضنا: من الأكثر وطنية؟ ومن الأكثر تضحية؟ ومن يمتلك الحق الحصري في تمثيل فلسطين؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر أهمية: ماذا فعلنا لفلسطين؟ وماذا بقي من المشروع الذي ضحى من أجله آلاف الشهداء والأسرى والمناضلين؟
لسنا مطالبين بالعودة إلى الماضي كما كان، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، لكننا مطالبون باستعادة أجمل ما كان فيه: وحدة الهدف، ونقاء الفكرة الوطنية، والإيمان بالناس، والقدرة على الاختلاف دون عداوة، والثقة بأن فلسطين تستحق أن نرتقي إلى مستوى تضحيات أبنائها.
أكتب هذه الكلمات لا من باب الحنين إلى زمن مضى فحسب، ولا من باب جلد الذات أو توزيع المسؤوليات، بل من باب الخوف على زمن قادم. فمن حق الأجيال الفلسطينية أن ترث حلماً وطنياً واضحاً، لا وطناً مثقلاً بالانقسام، وقضية تتنازعها الشعارات، ومستقبلاً تضيّقه الوقائع التي يفرضها الاحتلال.
فلسطين تستحق منا أكثر من الخلاف، وأكثر من الشعارات، وأكثر من المواقف الموسمية. تستحق شجاعة الاعتراف، وشجاعة التغيير، وشجاعة إعادة بناء المشروع الوطني.
لا نريد استعادة الماضي لأن الزمن لا يعود، بل نريد استعادة الإيمان الذي صنع ذلك الماضي؛ إيمان الفلسطيني بأن له وطناً يستحق التضحية، ومستقبلاً يستحق النضال، وقضية لا يجوز أن تضيع بين جرائم الاحتلال وأخطاء أبنائها.
فهل نمتلك شجاعة العودة إلى أنفسنا، قبل أن نفقد ما تبقى من الأمل؟
لقد كان لنا حلم اسمه فلسطين، وكان لنا أسرى يحملونه في زنازينهم، وثوار يحملونه في قلوبهم، وأمهات يودعن أبناءهن وهن يؤمنّ بأن الفجر سيأتي.
فلا يجوز أن نكون نحن الجيل الذي يترك هذا الحلم يتراجع أو يفقد بوصلته.
ما زال في فلسطين ما يستحق أن نحلم من أجله، وما زال في شعبنا ما يستحق أن نؤمن به، وما زال الأمل ممكناً… إذا امتلكنا شجاعة المراجعة، وإرادة الوحدة، والقدرة على البدء من جديد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.