
الصوت العربي يعيد رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية: هل أسقطت المشاركة الانتخابية المرتفعة أغلبية نتنياهو؟ بقلم : د. رمزي عودة
لم تكن انتخابات الكنيست الإسرائيلي في السابع والعشرين من أكتوبر/ 2026 انتخابات عادية؛ فقد حملت نتائجها تحولات سياسية لافتة، أبرزها فشل بنيامين نتنياهو في تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لمواصلة الحكم، مقابل تقدم واضح للقوائم العربية التي أصبحت رقماً صعباً في معادلة تشكيل الحكومة.
وبحسب النتائج النهائية، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة، فيما حصدت القوائم العربية مجتمعة 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست. وبذلك لم يتمكن أي من المعسكرين الوصول إلى عتبة 61 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة، الأمر الذي جعل الأحزاب العربية طرفاً لا يمكن تجاهله في الحسابات السياسية المقبلة.
في الواقع، لا تكمن أهمية هذه الانتخابات في توزيع المقاعد وحده، بل في التحول الذي طرأ على المشاركة العربية. فقد بلغت نسبة المشاركة العامة 77.9%، وهي نسبة مرتفعة، رافقها صعود ملحوظ في التصويت العربي، بما يعكس إدراكاً متزايداً لدى قطاعات واسعة من المجتمع العربي بأن الامتناع عن التصويت لا يغير الواقع، بل يترك المجال للقوى الأكثر تنظيماً لتحديد مستقبل السلطة والسياسات العامة.
تكشف المقارنة بين انتخابات 2022 وانتخابات 2026 حجم التحول في الوزن الانتخابي العربي. ففي الانتخابات السابقة حصلت القوائم العربية مجتمعة على عشرة مقاعد، بينما ارتفع تمثيلها هذه المرة إلى 19 مقعداً. كما ارتفع عدد الأصوات التي حصلت عليها من نحو 511 ألفاً إلى ما يقارب 835 ألف صوت.
وبالمحصلة، لا يمكن تفسير هذه الزيادة بارتفاع المشاركة وحده؛ فقد ساهم أيضاً عدم ضياع أصوات عربية بسبب عدم تجاوز إحدى القوائم نسبة الحسم، كما حدث مع التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات 2022، إلى جانب التحالفات الانتخابية واتفاقيات فائض الأصوات وآلية توزيع المقاعد.
في الحقيقة، لقد انتقل التصويت العربي من حالة التشتت والإحباط إلى محاولة توظيف القوة الانتخابية للتأثير في موازين القوى، وهذا التحول يعكس أن الناخب العربي بات أكثر إدراكاً لأهمية صوته في مواجهة السياسات التي تمس حقوقه ومكانته، وفي التأثير في مستقبل الحكومة الإسرائيلية.
من جانب أخر، قد يبدو متناقضاً أن يخسر معسكر نتنياهو 11 مقعداً مقارنة بانتخابات 2022، رغم حصوله على نحو 83 ألف صوت إضافي. لكن تفسير هذه النتيجة يرتبط بنسبة الأصوات من مجموع المصوتين، وليس بعدد الأصوات وحده؛ فقد ارتفعت المشاركة ونمت أصوات المعارضة والقوائم العربية، فتراجعت الحصة النسبية لمعسكر اليمين. في السياق السابق، تكبد حزب الليكود خسارة واضحة، إذ تراجع من 32 مقعداً إلى 27، فيما هبط حزب شاس من 11 مقعداً إلى ستة. أما بن غفير وسموتريتش، فقد خاضا الانتخابات بقائمتين منفصلتين، بعد أن حصلا معاً على 14 مقعداً ضمن قائمة الصهيونية الدينية في انتخابات 2022. وفي الانتخابات الأخيرة حصل حزب عوتسما يهوديت بقيادة بن غفير على سبعة مقاعد، والصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش على ستة، أي 13 مقعداً مجتمعين. وفي النتيجة، فإن خسارة نتنياهو للأغلبية لا يمكن نسبتها إلى التصويت العربي وحده؛ فقد ساهم فيها تراجع أحزاب داخل معسكره، وتحسن أداء المعارضة، وارتفاع المشاركة، والتغير في توزيع الأصوات بين القوائم.
كما لاحظنا جميعا من مراقبة عملية التصويت وما بعدها، فإن قادة القوائم العربية لم يتعاملوا مع النتائج باعتبارها مجرد زيادة في عدد المقاعد، بل رأوا فيها فرصة لإعادة طرح موقع الأحزاب العربية في النظام السياسي الإسرائيلي. فقد أكد رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين أن أي طرف يسعى إلى تقديم بديل لحكومة نتنياهو سيكون مضطراً إلى التحدث مع القائمة العربية، مشيراً إلى أن المرحلة تضع المجتمع الإسرائيلي أمام خيار بين استمرار العنصرية والإقصاء أو التوجه نحو شراكة يهودية عربية حقيقية. من جانبه، رأى رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس أن ارتفاع المشاركة العربية يعبر عن تحول في المزاج السياسي، وأبدى تطلعه إلى تشكيل حكومة بديلة بالتعاون مع قوى المعارضة، مستندة إلى أغلبية برلمانية تبلغ 61 مقعداً. وبرغم اختلاف مواقف القائمتين بشأن طبيعة المشاركة في الحكومة، فإن الرسالة المشتركة واضحة: الأحزاب العربية لم تعد تكتفي بالمطالبة بتمثيل برلماني، بل تسعى إلى الاعتراف بوزنها السياسي وحقها في التأثير في القرار الحكومي في الوقت الذي يبدو فيه الطريق إلى الشراكة ليس سهلاً؛ فبعض أحزاب المعارضة لا تزال مترددة في التعاون مع القوائم العربية لأسباب أيديولوجية وسياسية، رغم حاجتها الحسابية إلى أصواتها. وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن لمعسكر أن يسعى إلى إسقاط نتنياهو، بينما يرفض الاعتراف بالشريك الذي قد يحتاج إليه للوصول إلى الحكم؟
الرؤية غير واضحة، فحتى الان لم يتوقف السجال عند إعلان النتائج؛ فقد أطلق حزب الليكود وبعض حلفائه اتهامات بشأن وجود مخالفات ورشى وتدخلات خارجية في محاولة لزيادة التصويت في البلدات العربية، وتضمنت هذه الاتهامات الحديث عن شبهات تمويل خارجي مع الزج باسمي قطر وتركيا. وقد أُحيلت بعض هذه الشبهات إلى الجهات الأمنية المختصة لفحصها، لكن الإحالة إلى التحقيق لا تعني ثبوت الاتهامات. كما نفت قطر تدخلها في الانتخابات أو تمويل أي أنشطة للتأثير في نتائجها، ونُقل موقف تركي نافٍ لهذه المزاعم. وفي المقابل، رفضت القائمة العربية الموحدة الاتهامات، وأكدت استعدادها للتعاون مع الجهات المختصة. ولكن الذي يعنينا من هذه الاتهامات هو أن الليكود أدرك أن خسارته بمنعه من الوصول هو ومعسكره للأغلبية البرلمانية كان بسبب ارتفاع المشاركة العربية في الانتخابات لدرجة غير مسبوقة وصلت الى نحو 80%. وهنا فاننا نتحدث عن أزمة شبهات وتشكيك، وهذا يثير سؤالاً سياسياً أعمق: لماذا يصبح ارتفاع التصويت العربي موضع تشكيك، بدلاً من التعامل معه باعتباره ممارسة طبيعية لحق المواطنين في المشاركة السياسية؟
في المحصلة النهائية من هذا التحليل، ربما تكون النتيجة الأهم لهذه الانتخابات أبعد من خسارة نتنياهو للأغلبية أو ارتفاع عدد المقاعد العربية. فما تكشفه النتائج هو أن الأحزاب العربية بدأت تخرج من موقع التمثيل الهامشي الذي اعتادت قطاعات واسعة من السياسة الإسرائيلية وضعها فيه، لتصبح طرفاً أساسياً في أي معادلة سياسية تتعلق بتشكيل الحكومة. وأعتقد أن هذا التحول قد يفرض، مع مرور الوقت، مراجعة داخل الأحزاب الإسرائيلية لمواقفها التقليدية من المشاركة العربية. فالأحزاب التي اعتادت استبعاد القوائم العربية من منظومة الحكم ستجد نفسها أمام واقع يصعب تجاهله، وقد تضطر إلى إعادة النظر في خطابها الأيديولوجي وبرامجها السياسية ومفهومها للشراكة. وأعتقد ، أن تكرار هذا التأثير الانتخابي قد يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الدولة ومستقبل العلاقة بين مواطنيها العرب الفلسطينيين واليهود.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.