
حين تخسر الديمقراطية بحسابها: مرايا الانتخابات (الإسرائيلية) بقلم : نسيم قبها
لم تكن تلك الانتخابات ليلة حسم، بل فجر انكشاف. ثلاثة معسكرات دخلت، وثلاثة خرجت مهزومة، لا لان الاصوات خانتها، بل لان البنية نفسها لم تعد قادرة على احتواء ما تنتجه. كل خسر: الكبير الذي بقي كبيرا بلا عرش، والوسط الذي اراد ان يكون بديلا فاكتشف انه رهينة من يرفضهم، والعربي الذي صار وزنا في الحساب وعجزا في التأثير. هكذا تعلن الانتخابات احيانا نتيجتها الحقيقية لا في صناديق الاقتراع، بل في المسافة بين الارقام والشرعية.
معسكر نتنياهو تراجع من 68 مقعدا الى 53 مقعدا؛ اكبر معسكر، لكنه لا يملك اغلبية. انه ملك بلا تاج: يحتفظ بالصوت، ويفقد القدرة. ومعسكر ايزنكوت حصل على 49 مقعدا، لكنه لا يستطيع وحده، وشركاؤه لا يقبلون التحالف مع الاحزاب العربية. هنا يتكشف التناقض المركزي: من يحتاج الاخر ليحكم، يرفض الاعتراف به كفاعل شرعي. لا اغلبية دون العرب، ولا اغلبية معهم. انه معسكر خسر لانه حاصر نفسه بين الحاجة والانكار. اما المعسكر العربي فحصل على 17 مقعدا؛ وزن سياسي حقيقي، لكنه لم ينجح في تحويله الى رافعة تغيير، لان الطرف الاخر اغلقت امامه ابواب التحالف اصلا، ولان شبكة الامان تبقى ظلا حين لا يملك من تريد حمايته اغلبية تقوم عليها.
هنا لا تسقط حكومة فقط؛ تسقط رواية. فالديمقراطية التي تحسب الصوت العربي رقما انتخابيا، ثم تنكر على صاحبه ان يكون شريكا سياسيا، تمارس طقسا غريبا: تعدك، ثم تستبعدك؛ تحتاجك في الحساب، وتتهمك في الشرعية. وحين يشيطن الصوت العربي الفلسطيني في الداخل، وحين يرمى بالتزوير، فليس المقصود تزوير الورقة الانتخابية، بل تزوير الحق في الوجود السياسي. اتهام الصوت بالتزوير هو اعلى اشكال الطرد: انت ليس مجرد خصم، بل انت شاهد مزور على وجودك. هكذا تتحول الانتخابات من ممارسة ديمقراطية الى الة لانتاج الاخر الذي يحسب ويطرد في اللحظة نفسها.
ان هذه اللحظة ليست عارضا؛ انها بنية. دولة تعجز عن تشكيل حكومة، وتفقد وظيفتها وقدرتها على ان تكون دولة لكل اليهود، ثم تحاول ان تصدر ازمتها بالحرب وبالخطاب الامني، انما تخفي ان جرحها داخلي: انها لم تعد قادرة على ادارة تناقضاتها بالحساب وحده. دولة منبوذة دوليا بسبب سياساتها الخارجية، وعاجزة داخليا عن انتاج اغلبية، هي دولة تفقد تدريجيا قدرتها على ان تكون دولة بالمعنى الفلسفي: اطارا يجمع مواطنيه تحت شرعية مشتركة، لا تحت خوف مشترك.
لم يكن القول ان هذه الانتخابات ستلحق ضررا لا يمكن تلافيه نبوءة، بل قراءة في البنية. فالمشروع الذي يعتمد على انكار صوت، ثم يحتاج ذلك الصوت في الحساب، ويشيطن في الشرعية، مشروع يسير نحو مفارقة وجودية: كلما ازداد عدا، ازداد انقساما؛ وكلما حاول طرد جزء من ذاته، اضعف قدرته على البقاء. وهكذا، بالنتيجة، تسقط اسرائيل كمشروع بالانتخابات، لا لان العرب انتصروا، ولا لان اليمين انهزم فقط، بل لان النظام كله اظهر انه لا يستطيع ان يكون ما يدعيه: ديمقراطية مع من يعدهم، ودولة لكل مواطنيها.
الخاطرة الكبرى اذن: ليست الازمة في من سيشكل الحكومة، بل في بنية لا تسمح لاحد بان يشكلها دون ان ينكر شرعية طرف منها. وحين تصبح الديمقراطية حسابا بلا اعتراف، فانها لا تنتج حكما، بل تنتج مرايا: يرى فيها كل معسكر هزيمته، ويرى فيها المشروع كله سقوطه.
واما الفلسطيني في الضفة وغزة، فان انكشاف عجز المشروع الاسرائيلي عن جمع شرعيته لا يعني تلقائيا فتح افق الحرية، بل يضع سؤاله امام مسؤولية مضاعفة: ان الفراغ الذي يتركه انقسام الاخر لا يملأ بالانتظار، بل بالوحدة التي تحول الوجع المشترك الى مشروع. وهنا تبقى الجملة الفلسفية الاخيرة: حين يتعطل حساب القوة عند الاخر، لا يصبح الفراغ وطنا، بل يصبح امتحانا للذين يملكون ان يحولوا الانقسام الى اجتماع، والانتظار الى فعل، والوجع الى شرعية جديدة تقوم على وحدة لا تستمد وجودها من عجز الاخر، بل من قدرة الفلسطيني على ان يكون فاعلا حتى في مرايا سقوط غيره.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.