9:28 صباحًا / 19 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

د. أمين أحمد ثابت في مكاشفة ثقافية: “الكتابة ليست ترفاً بل محاولة لترميم شروخ الواقع اليمني، والشعر نبش في عزلة الذات وظلمة التيه”

د. أمين أحمد ثابت في مكاشفة ثقافية: "الكتابة ليست ترفاً بل محاولة لترميم شروخ الواقع اليمني، والشعر نبش في عزلة الذات وظلمة التيه"

شفا – د. أمين أحمد ثابت في مكاشفة ثقافية: “الكتابة ليست ترفاً بل محاولة لترميم شروخ الواقع اليمني، والشعر نبش في عزلة الذات وظلمة التيه”


حوار:عطا درغام


في المشهد الثقافي اليمني المعاصر، يقف الكاتب والباحث والشاعر الدكتور أمين أحمد ثابت كعلامة فارقة تجمع بين صرامة المحلل السياسي وعمق الباحث الأكاديمي، وجنوح الشاعر النثري الذي يفتش في دهاليز الذات والوجود. هو صاحب قلم متعدد الجبهات؛ تراه في “الحوار المتمدن” ومواقع الرأي يفكك الجغرافيا السياسية لليمن ويسائل أزمات التحول الاجتماعي والديمقراطي، وتجده في نصوصه الشعرية والروائية ينبش في العزلة، والوقت، والظلام الذي يسكن الليل.في هذا الحوار الخاص، نبحر معه ليحدثنا عن قصيدة النثر وتجليات الذات والوجود ومتبوع بالحوار نموذج لقصيدة له
قصيدة النثر وتجليات الذات والوجود
س 1 – يطرح تساؤلاً وجودياً عميقاً. ما الذي يمثله “الزمن” في مشروعك الشعري؟ هل هو قيد أم ملاذ؟
الزمن الذي يحضر فيَّ نصًا – تحديدًا كنهج منذ 25 سنة ماضية على الأقل – هو مزيج تضادي تصارعي بين طبيعته الموضوعية الفيزيائية المحددة بالوقت وطبائع سلوك حركة المواد ( الحية كالطيور وأغصان الأشجار وغير الحية كالرياح ) وبين تضادها مع واقع التجربة الذاتية المليئة بمتعاكسات قيمية مع ما هو في نفس المرء – مثلا نسمة جميلة تنعش النفس في لحظة تكون النفس متألمة أو متوجعة ما يجعلها غير قابلة على التأثر بذلك النقيض الجميل الطبيعي ، وأيضا بنية التضاد التصارعي بين مكونات الشخصية ، بين بعد جانبها الذاتي النازع للتحرر والاقبال على الجمال والتغيير وبعد جانبه الآخر المجتمعي والتاريخي الذي يحضر مرافقًا للذات كبنى إعاقية وتضادية –
من هنا صار ما سبق ذكره في طبيعة إنتاجي الإبداعي- الأدبي والفكري حضور قوي في المتناقض البنيوي على الصعيد الوجودي . حول تجلي ذلك الصراع ومن يخرج منتصرًا ، هل إرادة الذات ام ارثها المجتمعي الإعاقي ، هل الواقع الموضوعي الحسي المعاش قسرًا أم إرادة الحياة والتغيير والحرية .
س 2 – يبدو الاغتراب سمة بارزة. كيف تصيغ قصيدة النثر اليمني لتكون مرآة لعزلة المثقف وسط المجموع؟

وهو ما يعني أن النصوص الأدبية التي أنتجها جماليًا – من جانب موضوعها الفني – يكشف البعد الواقعي في متجه النصوص ، رغم أنني خلال تجربتي الأدبية منذ الثمانينيات أخوض معترك ذاتي كتحد مع قدراتي – كقول حقيقة واعتراف لا كتضخيم مرضي للذات – في خوص مسألة التجريبية في تخليق نصوص وأعمال لا تقيد مدرسيًا أو منهجًا ، حيث صار عندي منهجًا خاصًا ونظرية خاصة بي في إنتاج التجريبية الإبداعية بتحرر من قيود التبعية لأي نهج ، وهو منهج يجمع مختلف المدارس الجمالية الإبداعية في انتاج نص متحرر كامل عن التبعية – أي أن نصوصي تظل ملامسة لحقائق وجودنا الذاتي المسببة إعاقة لعيش إنسانيتنا والمانعة لحدوث تغيير في الواقع والحياة بفعل التأصل القابض لإرث الأبوية على مجتمعاتنا العربية؛ فتصبغ كل فرد نوعي أصيل من نخب مجتمعاتنا العربية في الداخل بشعور الاغتراب وحقيقة وجوده المتأصل واقعًا –
من هنا في الإجابة على جزء السؤال الآخر ، حين يخلق الفنان نصًا إبداعيًا حقيقيًا؛ فإنه لا يحضر خلال حالته الفنية لميلاد النص أي تخطيط غائي مسبق – وإلا يفقد النص جماليته – ولكن يمكن الإجابة بتحوير طابع السؤال ب : هل يوجد في طبيعة قصيدة النثر اليمنية المنتجة ما يجعلها مرآة لعزلة المثقف وسط المجموع ؟ ، أجيب نعم ، ولكن حين تصدر المنتجات الإبداعية الحقيقية عن إفراد غزيري المعرفة والتجارب الخبراتية والخبرة التراكمية في الكتابة الأدبية المؤصلة بوضوح الفهم والالتقاط وممارسة الإبداع النصي كتابة بتحرر عن السرقات أو التقليد أو المحاكاة أو التخطيطية الغائية المسبقة لميلاد النص – وهي عيوب عامة تصبغ أجيال الكتاب – القصصيين والروائيين والشعراء المعاصرين أو من يسمون بذلك .

س3 – . تتأرجح نصوصك بين الرمزية الشديدة والواقعية المؤلمة. كيف توازن في قصيدتك بين متطلبات الفن الرمزي وضرورة التعبير عن واقع يمني معقد؟

حقيقة لا أعاني من إشكالية في الكتابة – خاصة هنا في الكتابة بالألوان الأدبية المختلفة غير الحديث عن الكتابة النقدية والفكرية – فكما قلت سابقًا أنني اختطيت نهجا تجريبيا ذاتيا – أي شخصي يخصني وحدي – ولا أعرف هل أصيب أم أكون مخطئا ، هل أشارك في فتح مسار متحرر كليًا لبناء النصوص الأدبية والتأثيرية على بقية الفنون مستقبلًا ، أم أنني أعاني في تجريبيتي بعد من عدم اكتمال التوازن البنيوي الأسلوبي للنص الملغم بنقائض حادة والمتشابكة عنقوديًا في طبيعة مسار النص .

س 4 – نلمس نبرة صوفية/سوداوية خاصة. ما هي فلسفتك الخاصة تجاه “الليل والظلام” كأدوات لبناء النص الشعري؟

أجد أن ذلك ما يطبع وجهًا من وجوه النص بالواقعية الانعكاسية فنيًا فيه ، والصوفية أكانت سوداوية أو غير سوداوية بيضاء تعبر استقراء بأنها : إما نزوع هروبي من الواقع والتخلي عن مسؤولية الذات في المواجهة من أجل التغيير ، وإما تعبر عن نزوع مواجه مليء بالتحدي . . خاصة حين يكون ذلك النزوع مؤسسًا على فهم واضح مدرك لسوداوية الواقع ، ويمثل ذلك النزوع استجابة للضرورة الوجودية لإحداث التغيير .
أما الجزء الأخير من السؤال ، فالليل غير الظلام ، فقد يحتوي الليل على رمزية أو دلالة أو معنى الظلام بلفظة ( العتمة ، السواد الحالك ، الانغلاق ، اللا أمل ، الوحدة بمعنى العزلة القهرية ) – وهنا إذا سيطر هذا البعد على لفظة الليل بمحمول الظلام فإن النص يكون سوداويًا ومعتمًا وتشاؤميًا ويعد في نظري نص سلبي الأثر على القارئ – وغالبا يكون صادرا عن نفسية مريضة نفسيًا بأي درجة من الدرجات – أما إن حضر الليل بغض النظر عن الظلمة أو الظلام الحسي الفيزيائي – بمحمول ( السكون ، الهدأة ، الاختلاء بالنفس ، بيئة تفكر متحرر عن القيود ، فضاء ممتد مجهول يدفع المرء إلى تحدي الخوض في مجراه ، . . الخ ) ، وهنا فإن لفظة الليل تعد أداة وموجها ابداعيا تخيليا وتخييليا ونهجا لتخليق المغايرة الجمالية في النص الفني والأدبي منها ، حيث يكون المدلول الحسي الفيزيائي بمعنى الظلام يحمل قيمة مغايرة لذلك الأصل الحسي .

س 5 – كثيراً ما توصف قصيدة النثر بأنها نخبوية؛ كيف يرى أمين ثابت تفاعل القارئ اليمني البسيط مع نصوصك ذات البعد الفلسفي

أولًا :قصيدة النثر تحمل مدلولين متضادين ، الأول : بكونها الأسلوب السهل وبمتناول اليد عند الجميع ليوصفوا بأنهم شعراء ، بكونها سردًا ووصفًا نثريًا ويمكن حشوه بالديالوجات والمنولوجات متعددة الضمائر . . ولا يوجد – كما يعتقد نقًدًا يمكن أن يعري النص بكونه غير إبداعي أو سطحي أو شكلي ، كما ويعتقد أن القصيدة النثرية أفضل طريقة للكتابة في عدم القدرة على اتهامها بالسرقة بكل صورها ودرجاتها أو النقلية فأسوأ حكم قاسي سيكون أن النص محاولة لمحاكاة تجربة علم من أعلام الشعر العربي أو العالمي.
وطبعًا هذا للكثير من المنشورات الصادرة خلال ال 25-35 عاما الأخيرة في مجالات الرواية والقصة بألوانها المختلفة وقصيدة النثر – أما الثاني فإن قصيدة النثر – التي يقولون إنها لم ترسَ لها قواعد بعد – غير صحيح ، فهي من أصعب الكتابة في الشعر .
والحديث عن السرد القصصي والروائي موضوع آخر الآن – حيث أسلوبها النصي يفوق في حمولته الذاتية توازنيه صعبة بين الجمال الشعوري والصوري التخيلي وبين الفكر في أبعاده المضمونية في بنية النص ، وصعبة أيضًا في ثقل التوازنية على الصعيد الأسلوبي المتشظي بين التوقيع الموسيقي بين الحروف بدلًا عن بين الكلام – كما هو في قصيدة التفعيلة – والتنغيمات في متغير حركة الحروف داخل الكلمة الواحد أو خارجها مع أحرف الكلمات الأخرى لصيغة الجملة الفنية الأدبية المموسقة ، وبين المساق الشعوري العام لمجرى النص وبين متخللاته الشعورية المليئة بالمتناقضات والمتصارعات في بنى متحرك الصور الفنية على امتداد القصيدة.وأيضًا فيما تحمله تلك الصور في المسار الدرامي من أفكار ومواقف وعبر ورؤى .
أما الأكثر رقيًا في كتابة قصيدة النثر مقارنة بما سبقها من ألوان الشعر ، في أنها لم تعد منغلقة جماليا بطبيعتها العاطفية والانفعالية ومحاكاتها للعقل العاطفي عند المتلقي ، بل أصبحت القصيدة النثرية بنية معقدة شديد التشابك بين العقلي والعاطفي وفي علاقتهما التصارعيتان في الظهور أحيانًا هذا يسبق الأخ أو العكس أو تسير القصيدة بحضور تضاربي بين الاثنين ، ولذا فقصيدة النثر لم تعد قاصرة في مخاطبة المتلقي في جانبه العاطفي فقط من الوعي وبحيث يكون الآخر ملحًقا هامشيًا ، بينما هي تخاطب بنيتي الدماغ البشري العقل منطقي والعقل عاطفي في حضور متزن وفق مضمون وجوهر نص القصيدة.
وهناك كلام تنظيري يخصني في الرؤية غير منقول من أحد بعضًا منه مسطر في مؤلف أدبي نقدي لي من الثمانينات ولم ينشر حتى الآن – نعم فقصيدة النثر نخبوية لأنها بطبيعتها موج تجريدي جمالي أعلى من ذائقة ووعي العامة ، بل أنها الأعلى نخبويا على صعيد الفنون – مثل النخبوية المتطرفة لنمط السمفونيات في الفن الموسيقي – لذا تعد الكثير من منشورات السائد غثاء منثور تحت مسمى الحداثة والمعاصرة ،وهنا تحديد بالقصد كتابة قصيدة النثر .
وأعتقد الإجابة على الجزء الأخير من هذا السؤال متضمن جواب الجزء السابق بشكل غير مباشر – وبتعليق مقتضب بالنسبة لنصوصي يمكن الإشارة أن جاذبية قصيدة النثر ضئيلة جدًا عربيًا عند التلقي والتفاعل – لكونها عالية نوعًا على العامة أو النخبة السفلى والوسطية منها – أما من تحظى بجاذبية ( عاطفية وغالبًا نفعية ) من فئات النخبة ثلاثة الذكر فهي محكومة بطابع التسويق والترويج لمن وراء هذا الكاتب أو ذاك . . وليس الأمر يقوم على وعي جمالي ومعرفي ونقدي تمييزي لجدة النص وقيمته وفرادته .
من قصائد الشاعر
في آخر الليل يسكنني الظلام عنوة

حين تتدلى المدن كجثث مبتلة.
على حبال الريح
وحين تصير المرايا مقابر صغيرة،
كنت أقف وحيدًا
أُقسم أني تعبت
وأن هذا القلب
لم يعد يعرف كيف يرمم نفسه
كلما تهدمت عليه الجهات
وحين يناديك
كمن ينادي بئرا في صحراء
لا يرجع إليه
. . سوى الصدى
وكان صوتي يتيبس في الطرقات
كغصن أحرقته المواسم
حتى الأبواب التي أوهمتني يومًا
أنها ستفتح
تحولت إلى أخشاب عمياء
لا تسمع
لا تتعرف سوى الرجفان
وانعدام الخوف على العابرين
فأضعت عمري أفتش
في الوجوه التي تشبه الغياب
، في المقاهي المطفأة
، العيون التي غفت قبل أن ترى الحقيقة،

  • كلما اقتربت من وهمك
    وجدتك تبعدين
    كوطن يولد داخل السراب
    . . ثم يختفي
    قبل أن يصله التعب
    كنت أظنه يقظًا
    مثل نبي قديم
    يحرس خراب العالم
    لكنني وجدتك غافيًا
    فوق نفسك
    تحت أنقاضك
    تتنفس ببطء
    كمن أعتاد الهزيمة
    ولم يعد يخاف منها
    وحين كنت أثور
    لم أكن أجرح إلا روحي
  • كانت روحي
    هي الحائط الوحيد
    الذي يتلقى الركلات
    ثم يبتسم
    كي لا يفضح هشاشته
    وكلما هدأت
    عاد اغترابي أكبر
    كبحر يتسع في العتمة
    وكلما قلت
    سأصل يومًا
    أكتشف أن الطرق
    تلد طرقا بديلة
    وأن الرحيل
    ليس سوى لعنة
    تورثها الأيام للغرباء
    كم كرهت أني جئت
    لهذا التيه الطويل
    لهذه البلاد
    التي يعلو فيها صهيل الذكور
    ويكثر فيها الضجيج
    حتى يغدو الإنسان
    مجرد ظل
    يصفق للخراب
    ويورث أبناءه
    الخوف نفسه
    والسلاسل نفسها
    والعتمة نفسها
    وكم أحببت نفسي
    حين خدعتني المرايا
    وأوهمتني
    أني قادر على اقتحام العالم
    وأن يدي
    قادرة على أن ترفع العقول من وحلها
    وأنني
    سأبني سلما للمنتهى
    وأُعيد ترتيب الجهات
    وأفتح أبوابًا
    لم يجرؤ عليها أحد
    كنت أمشي
    ممتلئًا بذلك الوهم الجميل
    وصدري يعج
    بالأناشيد المؤجلة
    لكنني
    كلما اقتربت من الحلم
    سقط جزء مني
    حتى لم يبق
    إلا هذا الصوت المتعب
    وهذه الصرخة
    التي تشبه طفلًا ضاع
    في زحام العالم
    هناك
    في مراهقة الروح
    حين كنا نظن أن القصائد
    يمكنها أن تنقذ الحياة
    أسرتني الأوهام
    ومزقتني ببطء
    حتى فقدت اللغة
    وصرت أتكلم
    كمن يفتش في الرماد
    عن معنى
    ولم يبقَ لي
    سوى القسم
    أقسم أني تعبت
    أقسم أن هذا الليل
    أطول من احتمالي
    وأني كلما حاولت النهوض
    شدتني مخالب الخيبة
    إلى قاعها
    صرت أتأوه كثيرًا
    كبيت قديم
    تنهشه الرطوبة
    ويضحك العابرون
    من تشققات جدرانه
    ولا يعرفون
    أن البيوتَ أيضًا
    تبكي
    حين يهجرها أهلها
    وها أنا
    امشي بخطاي ألأخيرة
    أحمل قلبي
    كفانوس منكسر
    في بلاد
    لا ترى النور
    إلا حين يحترق أصحابه .

شاهد أيضاً

الاحتلال يعتقل 12 مواطنا من طولكرم غالبيتهم أسرى محررين

شفا – شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الاثنين، حملة اعتقالات واسعة طالت 12 مواطنا …