12:09 مساءً / 13 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

أين ينتهي الدرس وتبدأ الحياة؟ بين درس نتلقّاه وحياة تعلّمنا! بقلم : أ. تشرين عوده مصاروة

أين ينتهي الدرس وتبدأ الحياة؟ بين درس نتلقّاه وحياة تعلّمنا! بقلم : أ. تشرين عوده مصاروة

برأيي كباحثه دكتوراه التعليم يبدأ قبل الحصة ويستمر بعدها ومن هنا اكتساب المعرفة والمهارات والقيم، سواء حدث ذلك داخل المدرسة أم خارجها. فالأب الذي يعلّم ابنه ركوب الدراجة يقدّم له فرصة للتعلم، والأم التي تشجّع ابنتها على التعبير عن رأيها تسهم في تعليمها، والصديق الذي يشرح لصديقه كيفية استخدام برنامج جديد يؤدي دورًا تعليميًا أيضًا.
ولا تقتصر هذه المواقف على اكتساب مهارة ظاهرة؛ فقد يتعلم الطفل أثناء ركوب الدراجة أن الخطأ لا يعني الفشل، وأن المحاولة تحتاج إلى شجاعة. وقد يتعلم من طريقة تعامل والديه مع الآخرين معنى الاحترام، قبل أن يسمع درسًا كاملًا عنه.
ولهذا، أرى أن التعليم أوسع من صورة المعلم الذي يقف أمام الصف. إنه حاضر في طريقة حديثنا مع الأطفال، وفي الفرص التي نمنحهم إياها للتجربة، وفي الأسئلة التي نستقبلها بصبر بدلًا من إسكاتها. وليس كل ما يعلّمهم مخططًا له؛ أحيانًا تترك استجابتنا لموقف عابر أثرًا أعمق من نصيحة كررناها مرات كثيرة.

التدريس يجعل الطريق إلى التعلم أكثر وضوحًا

فأراه عملًا مقصودًا ومنظمًا لمساعدة المتعلم على تحقيق هدف محدد. فالمعلم لا يدخل الصف ليقول كل ما يعرفه، بل ليختار ما يحتاجه طلابه، ويبحث عن الطريقة المناسبة لتقديمه، ثم يتابع فهمهم ويغيّر أسلوبه عند الحاجة.
لنتأمل درسًا عن الكسور. يستطيع المعلم كتابة القاعدة على اللوح ثم مطالبة الطلاب بحفظها. لكنه يستطيع أيضًا إحضار رغيف خبز وتقسيمه، وطرح أسئلة عن النصف والربع، وإتاحة الفرصة للطلاب كي يقارنوا ويجربوا ويشرحوا ما فهموه. في الحالتين يوجد محتوى، لكن الفرق استراتيجيه التعليم.
من هنا، لا أوافق على اختزال التدريس في نقل المعلومات. التدريس الجيد يحتاج إلى معرفة بالمادة، وفهم للطلاب، وحسن اختيار للأنشطة وقد تكون إعادة صياغة سؤال واحد أهم من تقديم شرح طويل.
كما أن تنظيم التدريس لا يعني الجمود؛ فالخطة الجيدة تساعد المعلم على الوصول، لكنها لا تمنعه من تغيير الطريق عندما يكتشف أن طلابه يحتاجون إلى مثال أقرب إلى حياتهم.

أيّهما أشمل؟

إذا نظرنا إلى اتساع الأماكن والأوقات والأشخاص الذين يساعدوننا على اكتساب الخبرة، فإن التعليم أشمل. نستطيع أن نتعلم في البيت، وفي المدرسة، وفي العمل، ومن شخص أكبر سنًا أو أصغر منا. ولا تتوقف حاجتنا إلى التعليم بانتهاء مرحلة دراسية.

أما التدريس، فيتميز بوجود هدف واضح وخطوات مقصودة ومتابعة لما يتحقق. ويمكن فهم العلاقة بينهما من موقف يومي بسيط: حين نصطحب طفلًا إلى السوق، ونساعده على المقارنة بين الأسعار واحترام دوره في الانتظار، فإننا نتيح له خبرة تعليمية. وحين نعدّ نشاطًا محددًا ليتدرّب على حساب ثمن المشتريات والباقي، ونلاحظ أداءه ونصحح أخطاءه، فإننا نمارس تدريسًا منظمًا.

لهذا، أميل إلى اعتبار التعليم المظلة الأوسع، والتدريس أحد مساراته المنظمة. لكن اتساع التعليم لا يقلل من قيمة التدريس، كما أن تنظيم التدريس لا يجعله منفصلًا عن الحياة.

حين يلتقي الدرس بالحياة

المشكلة، في رأيي، تبدأ حين نفصل ما يحدث في الصف عما يعيشه الطالب خارجه. فيحفظ مفهوم التعاون دون أن تتاح له فرصة للعمل مع زملائه، ويدرس الحوار دون أن يجد من يستمع إلى رأيه، ويتعلم قواعد الكتابة دون أن يكتب رسالة تعبّر عن حاجة حقيقية لديه.

أرى أن التكامل بين التعليم والتدريس يتحقق عندما تصبح المعرفة قابلة للاستخدام: حين تساعد الرياضيات الطالب على اتخاذ قرار، وتمنحه اللغة قدرة على التعبير عن نفسه، وتدفعه العلوم إلى ملاحظة ما يحيط به وطرح الأسئلة عنه.

وهذا يضع مسؤولية مشتركة على المدرسة والأسرة. فالمعلم يحتاج إلى معرفة من حياة طلابه ليقرّب الدرس منهم، والأسرة تستطيع أن تمنح ما يتعلمونه مساحة للتطبيق، لا أن تحصر اهتمامها في سؤال: كم حصلت في الامتحان؟

في النهاية، لا أطمح إلى مدرسة تشرح كل شيء، ولا إلى حياة تترك الطالب فيها يتعلم وحده. أطمح إلى درس يفتح بابًا مغلق وبيئة تشجّع على العبور منه. فحين يعود الطالب من المدرسة، يصبح السؤال الأجمل ليس فقط: «ماذا درست اليوم؟»، بل أيضًا: ماذا اكتسبت؟ وأين تستطيع أن تطيق ما تعلمته؟

  • باحثه دكتوراه الأستاذة : تشرين عوده مصاروة _ الطيبة عرب الداخل

شاهد أيضاً

خلال لقائه السفير المصري ، د. مجدلاني : يثمن جهود مصر برعاية الحوار الوطني الفلسطيني ونتطلع لنتائج واقعية وملموسة

خلال لقائه السفير المصري ، د. مجدلاني : يثمن جهود مصر برعاية الحوار الوطني الفلسطيني ونتطلع لنتائج واقعية وملموسة

شفا – ثمن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني …