
ستبقى حبة الزيتون تلعنهم… وسيبقى التين شاهدًا على جرائمهم ، بقلم : أحمد سليمان
مهما حاول المستوطنون، ومن ورائهم حكومة الاحتلال، اقتلاع الفلسطيني من أرضه، ومهما أحرقوا أشجار الزيتون، وجرفوا الحقول، وهدموا البيوت، فلن يستطيعوا محو تاريخ شعب امتزجت جذوره بتراب وطنه. فالأرض الفلسطينية ليست مساحة جغرافية تنتظر من يستولي عليها، بل وطن له أصحابه، وتاريخ لا تستطيع الجرافات طمسه، وحق لا تمنحه القوة ولا تسقطه السنوات.
منذ نكبة عام 1948، تتواصل محاولات تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. تغيرت الحكومات الإسرائيلية، وتبدلت أساليب السيطرة، لكن المشروع الاستيطاني ظل يتوسع على حساب القرى والحقول والتجمعات الفلسطينية. وما تشهده الضفة الغربية اليوم من اعتداءات المستوطنين ليس مجرد حوادث فردية، بل واقع يرتبط بسياسات الاحتلال وتوفير الحماية للمعتدين، في وقت يُحرم فيه أصحاب الأرض من أبسط حقوقهم في الأمن والحياة.
أي ظلم أكبر من أن يستيقظ الفلاح ليجد أشجار الزيتون التي ورثها عن أجداده قد اقتُلعت، وأرضه التي عاش من خيراتها قد صودرت، والطريق إلى حقله قد أُغلق؟ وأي قانون يسمح لمستوطن مسلح بالاعتداء على عائلة في منزلها، بينما يُطلب من الضحية أن تثبت حقها في البقاء؟
إن استهداف أشجار الزيتون والتين ليس اعتداءً على مصدر رزق فحسب، بل محاولة لضرب العلاقة التاريخية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. فهذه الأشجار تحمل ذاكرة القرى، وتشهد على حياة أجيال تعاقبت في المكان، وتروي حكايات البيوت التي بُنيت من حجارة الأرض، والحقول التي زرعتها أيدي الآباء والأجداد.
ستبقى حبة الزيتون تلعنهم، وسيبقى التين شاهدًا على جرائمهم. فالأشجار التي يقتلعونها ليست مجرد أغصان وجذوع، بل شواهد حية على تاريخ يحاولون محوه. وكل حقل يُحرق، وكل بيت يُهدم، يضيف شهادة جديدة إلى سجل طويل من الاعتداءات التي لن يستطيع الاحتلال إخفاءها مهما حاول تبريرها.
في قرى الضفة الغربية، يواجه الفلسطينيون واقعًا قاسيًا من مصادرة الأراضي، وتوسع المستوطنات، والاعتداءات المتكررة على المزارعين وممتلكاتهم. وفي القدس، تتواصل سياسات الهدم والتهجير ومحاولات تغيير هوية المدينة. أما غزة، فقد كشفت حجم المأساة التي يمكن أن يتعرض لها شعب حين تتحول أحياؤه إلى ركام، ويُدفع سكانه إلى النزوح مرة بعد أخرى، دون أن يتخلوا عن حقهم في العودة إلى بيوتهم وأرضهم.
ومع ذلك، فإن صمود الفلسطيني لا يعفي القيادات والمؤسسات الوطنية من مسؤولياتها. فلا يكفي أن نشيد بالفلاح الذي يواجه المستوطنين وحده، أو بالعائلة التي تتمسك بمنزلها المهدد بالهدم. المطلوب حماية فعلية للأراضي، ودعم المزارعين، وتعزيز صمود القرى والتجمعات المهددة، وتوفير مقومات الحياة التي تمنع تحويل الضغوط الاقتصادية والأمنية إلى وسيلة للتهجير.
أما المجتمع الدولي، الذي لا يتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، فعليه أن يفسر هذا العجز أمام الاستيطان والاعتداءات المستمرة. فبيانات القلق والإدانة لم توقف مصادرة الأراضي، ولم تحمِ المزارعين، ولم تمنع هدم المنازل. إن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على ارتكاب المزيد من الانتهاكات، ويجعل الحديث عن العدالة بلا قيمة ما لم يتحول إلى إجراءات ومحاسبة حقيقية.
لقد أخطأ الاحتلال حين اعتقد أن مرور الزمن سيجعل الفلسطيني ينسى أرضه، وأن الأجيال التي وُلدت في المنافي ستفقد ارتباطها بمدنها وقراها. فقد بقيت حيفا ويافا وعكا وصفد واللد والرملة حاضرة في ذاكرة اللاجئين، كما بقيت مفاتيح البيوت القديمة رمزًا لحق العودة، ودليلًا على أن التهجير القسري لا يلغي الحقوق التاريخية والقانونية لأصحابها.
إن معركة الأرض اليوم ليست معركة حدود ومساحات فقط، بل معركة وجود ومستقبل. فكل دونم يُصادر يضيّق مساحة الحياة الفلسطينية، وكل تجمع يُهجّر يفتح الطريق أمام توسع استيطاني جديد. ولهذا فإن الدفاع عن الأرض يتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا، وإرادة سياسية جادة، وعملًا قانونيًا ودبلوماسيًا يضع حماية الإنسان الفلسطيني في مقدمة الأولويات.
قد يمتلك المستوطنون السلاح وحماية جيش الاحتلال، وقد تمنحهم حكومتهم الغطاء السياسي، لكن ذلك لا يمنحهم شرعية الاستيلاء على أرض غيرهم. فالقوة تستطيع فرض واقع مؤقت، لكنها لا تستطيع تحويل الظلم إلى حق، ولا إلغاء مسؤولية من ارتكب الجرائم أو ساعد على وقوعها.
سيأتي يوم تُفتح فيه ملفات الأراضي المصادرة، والبيوت المهدمة، والأشجار المحروقة، ويُسأل فيه كل من أصدر الأوامر أو وفر الحماية أو شارك في الاعتداءات. فالعدالة قد تتأخر، لكنها تظل حقًا لا يجوز التخلي عنه.
وحتى ذلك اليوم، سيواصل الفلسطيني زراعة أرضه، وترميم بيته، وحفظ أسماء قراه، وتعليم أبنائه أن الوطن ليس ذكرى من الماضي، بل حق في الحاضر والمستقبل.
ستبقى حبة الزيتون تلعن من اقتلع شجرتها، وسيبقى التين شاهدًا على جرائم من أحرق حقولها. أما الأرض، فستبقى تعرف أصحابها، مهما تغيرت الوجوه والحكومات، ومهما طال الاحتلال.
- أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.