
أمريكا بعد الكنيسة: هل يعيد التحول الديني رسم الموقف من فلسطين؟ بقلم: لؤي صوالحة
ليس دقيقا اختزال التحولات الدينية في الولايات المتحدة في عبارة «الأمريكيون يهجرون الكنائس». فهذه القراءة، رغم أنها تستند إلى ظاهرة حقيقية، تخفي وراءها تحولا اجتماعيا وديموغرافيا وسياسيا أوسع بكثير: الأمريكيون لا يتحركون جميعا من الدين إلى اللادين، بقدر ما تعيد قطاعات واسعة منهم تعريف علاقتها بالدين، بالمؤسسة الدينية، وبالهوية، وبالقيم التي يفترض أن تنتجها هذه المؤسسات.
وهنا تحديدا تصبح المسألة ذات أهمية تتجاوز حدود المجتمع الأمريكي، لتصل إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالتداخل بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة: فلسطين.
فالدين الأمريكي لم يكن طوال عقود مجرد شأن خاص بين الفرد وربه، بل كان أحد المكونات التي ساهمت في تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية لقطاعات واسعة من الأمريكيين. وفي ملف فلسطين وإسرائيل تحديدا، لعبت بعض التيارات المسيحية الإنجيلية دورا سياسيا واضحا في تشكيل مواقف جزء من الرأي العام، وفي دعم سياسات أمريكية شديدة الانحياز لإسرائيل.
لكن السؤال الذي تفرضه التحولات الحالية ليس: هل انتهى هذا النفوذ؟ وإنما: هل تتغير البيئة الاجتماعية التي أنتجت هذا النفوذ؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الحذر.
فبحسب دراسة مركز «بيو» للأبحاث، كان المسيحيون يمثلون 62% من البالغين الأمريكيين في دراسة 2023-2024، بينما بلغت نسبة غير المنتمين دينيا 29%. وهذه الأخيرة تضم الملحدين واللاأدريين ومن يقولون إنهم «لا ينتمون إلى دين معين». والأهم أن نسبة غير المنتمين دينيا ارتفعت من 16% عام 2007 إلى 29% في الدراسة الأخيرة، رغم أن نموها يبدو أنه استقر مؤقتا في السنوات الأخيرة.
إذن نحن أمام تحول حقيقي، لكنه ليس «موتا للدين».
بل إن المفارقة أكثر أهمية: المجتمع الأمريكي يصبح أقل ارتباطا ببعض المؤسسات الدينية التقليدية، في الوقت نفسه الذي تستمر فيه أشكال متعددة من الإيمان والممارسة الروحية، وتتغير تركيبة الجماعات الدينية نفسها. ووفقا لـ«بيو»، يقول نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين إنهم روحانيون بدرجات مختلفة، بينما يقول 58% إنهم متدينون بدرجات مختلفة.
وهذا يعني أن تراجع العضوية الكنسية لا يساوي بالضرورة تراجع الحاجة إلى المعنى أو القيم أو الأخلاق أو حتى الدين.
إنه تحول في الشكل والمضمون والمؤسسة.
لكن أين تقع فلسطين في هذه المعادلة؟
هنا يجب الابتعاد عن التفسير السهل الذي يقول إن زيادة أعداد اللادينيين تعني تلقائيا تراجع الدعم لإسرائيل.
لا توجد علاقة آلية من هذا النوع.
فالسياسة الخارجية الأمريكية تُنتجها مؤسسات ومصالح استراتيجية وتحالفات حزبية وضغوط انتخابية ومراكز أبحاث وشبكات جماعات ضغط، إضافة إلى التصورات الثقافية والدينية. والدين عامل من بين عوامل متعددة، وليس مفتاحا وحيدا لتفسير السياسة الأمريكية.
لكن الدين يظل عاملا مهما، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاعات إنجيلية واسعة.
وتكشف بيانات «بيو» عن استمرار فجوة واضحة بين الجماعات الدينية في النظرة إلى إسرائيل والفلسطينيين. ففي استطلاع عام 2024، كان 71% من البروتستانت الإنجيليين البيض ينظرون بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية، في مقابل 24% فقط من غير المنتمين دينيا. وفي المقابل، قال 60% من غير المنتمين دينيا إن لديهم نظرة إيجابية إلى الشعب الفلسطيني، مقابل 34% من البروتستانت الإنجيليين البيض.
هذه الأرقام لا تعني أن «اللامنتمين دينيا» أصبحوا كتلة سياسية مؤيدة لفلسطين، ولا أن الإنجيليين كتلة سياسية واحدة في كل الملفات. لكنها تكشف أن الخريطة الدينية الأمريكية ترتبط بالفعل باختلافات ملموسة في النظرة إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهنا تكمن أهمية التحول.
فإذا كانت إحدى ركائز التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة قد ارتبطت تاريخيا، ولو جزئيا، بتصورات دينية معينة، فإن تغير الوزن الديموغرافي لهذه الجماعات وتغير تركيبة المجتمع الأمريكي يمكن أن يعيد تشكيل البيئة التي يتحرك فيها الخطاب المؤيد لإسرائيل.
لكن هذا التغير لا يحدث بين ليلة وضحاها.
فالإنجيليون البيض، على سبيل المثال، لا يمثلون مجرد أفراد يصلون في الكنائس. إنهم جزء من شبكة اجتماعية وسياسية وإعلامية واسعة، تمتلك مؤسسات ومنابر وقدرة على التأثير السياسي. ولذلك فإن تراجع الانتماء الديني العام لا يعني تلقائيا اختفاء التأثير السياسي للتيارات الدينية الأكثر تنظيما.
وهنا تحديدا يجب أن تتوقف القراءة الفلسطينية عند نقطة أساسية.
المشكلة ليست في عدد الأمريكيين الذين يذهبون إلى الكنيسة، بل في من يمتلك القدرة على تحويل قناعاته إلى سياسة.
وهذا هو الفارق بين الرأي العام وبين القوة السياسية.
قد تتغير مواقف أجيال جديدة من الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد تظهر تعاطفات أكبر مع الحقوق الفلسطينية، لكن تحويل هذه المواقف إلى تغيير سياسي يحتاج إلى تنظيم ومؤسسات وخطاب سياسي قادر على الوصول إلى الناخب الأمريكي وصانع القرار ووسائل الإعلام والجامعات والمجتمع المدني.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون مركزية في التفكير الفلسطيني.
فلسطين لا تحتاج إلى انتظار «انهيار» الدين في الولايات المتحدة حتى تتغير صورتها.
كما لا ينبغي أن تبني استراتيجيتها على افتراض أن الأجيال الأمريكية الجديدة ستكون تلقائيا أكثر تأييدا لها.
المطلوب هو فهم المجتمع الأمريكي كما هو: متنوع، متغير، ومتعدد المواقف.
الأجيال الجديدة تفتح نافذة مختلفة
تكشف بيانات «بيو» عن فارق لافت بين الأعمار في الموقف من الشعب الفلسطيني. ففي عام 2024، قال 60% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما إن لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقارنة بـ45% بين من تبلغ أعمارهم 50 عاما فأكثر.
هذه ليست مجرد مسألة دينية.
إنها مسألة جيلية أيضا.
فالشاب الأمريكي الذي يتلقى المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويشاهد صور الحرب والدمار، ويعيش في بيئة جامعية تناقش الاستعمار والحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، قد ينظر إلى فلسطين من زاوية مختلفة عن الأجيال التي تشكل وعيها السياسي في فترة كانت الرواية الإسرائيلية فيها أكثر هيمنة داخل الإعلام الأمريكي التقليدي.
لكن حتى هذه الملاحظة يجب ألا تتحول إلى وهم جديد.
فالتعاطف مع الفلسطينيين لا يعني بالضرورة تأييد جميع المواقف السياسية الفلسطينية، كما أن رفض سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يعني رفض إسرائيل أو اليهود أو اليهودية. بل إن استطلاعات الرأي نفسها تظهر تعدد المواقف داخل كل مجموعة دينية وسياسية وعمرية.
وهنا تكمن مسؤولية الخطاب الفلسطيني.
إذا كانت القضية الفلسطينية تريد توسيع حضورها داخل المجتمع الأمريكي، فعليها أن تقدم نفسها بوصفها قضية حقوق وعدالة وحرية وتقرير مصير، لا باعتبارها قضية دينية تخص المسلمين وحدهم.
فالقدس ليست فقط مسألة دينية للمسلمين والمسيحيين، والضفة الغربية ليست فقط ملفا جغرافيا، وغزة ليست مجرد مشهد إنساني؛ القضية في جوهرها قضية شعب يعيش صراعا على الأرض والحقوق والسيادة والحرية.
وهذا الخطاب يمكن أن يصل إلى المتدين واللاديني، إلى المسيحي والمسلم واليهودي، وإلى من لا ينتمي إلى أي دين.
من الرواية الدينية إلى السياسة
لقد استفادت إسرائيل لعقود من قدرتها على تقديم الصراع داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي باعتباره جزءا من قصة دينية وتاريخية وأمنية متماسكة.
وفي المقابل، ظل الخطاب الفلسطيني في كثير من الأحيان يتحرك بين خطاب قومي وخطاب حقوقي وخطاب ديني، دون أن ينجح دائما في بناء سردية أمريكية متماسكة تستطيع مخاطبة المجتمع الأمريكي بلغته السياسية والأخلاقية.
وهنا لا تكمن المشكلة في غياب الأدلة، بل في ضعف القدرة على تحويل الأدلة إلى رواية مفهومة.
الفلسطيني لا يحتاج إلى إقناع الأمريكي بأن يحب الفلسطينيين.
يحتاج إلى أن يفهم الأمريكي لماذا يطالب الفلسطيني بحقه، وكيف تشكلت واقعه السياسي، ولماذا ترتبط قضايا الاحتلال والاستيطان والتهجير والقدس واللاجئين وحق تقرير المصير ببعضها البعض.
وهذه مهمة إعلامية وسياسية قبل أن تكون دينية.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما تتغير الأسئلة
قد يكون أهم ما يحدث في الولايات المتحدة اليوم أن بعض الأسئلة القديمة لم تعد تُطرح بالطريقة نفسها.
لم يعد النقاش لدى قطاعات من الأمريكيين مقتصرا على سؤال: «كيف نحافظ على أمن إسرائيل؟».
بل ظهر إلى جانبه سؤال آخر: «وماذا عن حقوق الفلسطينيين؟».
ولا يعني ظهور السؤال الثاني اختفاء الأول، لكنه يغير طبيعة النقاش.
وهذا التحول يمكن أن يكون أكثر أهمية من مجرد انتقال بعض الأمريكيين من كنيسة إلى أخرى أو من الدين إلى اللادين.
لأن السياسة الخارجية، في نهاية المطاف، تتحرك داخل بيئة اجتماعية تنتج الأسئلة التي يضطر السياسيون إلى الإجابة عنها.
وعندما تصبح فلسطين حاضرة في الجامعات والكنائس والنقابات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام وشبكات التواصل، فإنها لا تعود مجرد ملف في وزارة الخارجية الأمريكية.
تصبح قضية داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
وهنا يمكن فهم التحول الديني بوصفه جزءا من لوحة أكبر: إعادة تشكيل الهوية الأمريكية، وتغير الأجيال، وتبدل العلاقة بالمؤسسات التقليدية، وصعود مجتمعات دينية وعرقية جديدة، واستمرار الاستقطاب السياسي، وتزايد أهمية القضايا الحقوقية في تشكيل الرأي العام.
لكن الطريق إلى تغيير السياسة أطول من تغيير الرأي
هذه هي النقطة التي يجب ألا يغفلها الفلسطينيون.
فحتى لو تغيرت نظرة قطاعات من الأمريكيين إلى الفلسطينيين، فإن ذلك لا يعني تلقائيا تغير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
هناك فارق بين أن يتغير الرأي العام وأن تتغير السياسة الخارجية.
وهناك فارق أيضا بين أن يتعاطف الناس مع الضحايا وبين أن يطالبوا حكوماتهم بإعادة تعريف التحالفات والسياسات والمساعدات والعلاقات العسكرية.
ولهذا، فإن التحول الديني والاجتماعي الأمريكي ينبغي ألا يُقرأ فلسطينيا باعتباره «فرصة تاريخية مضمونة»، بل باعتباره بيئة متغيرة يجب فهمها والتفاعل معها بذكاء.
والأهم أن فلسطين ليست بحاجة إلى انتظار تغير أمريكا كي تبدأ العمل على صورتها.
عليها أن تكون جزءا من النقاش الأمريكي حول العدالة والحقوق والحريات، وأن تطور خطابا يستطيع مخاطبة المجتمع الأمريكي بكل تنوعاته، وأن تستثمر في الصحافة والجامعات ومراكز الأبحاث والمجتمع المدني والإعلام الرقمي، وأن تضع الإنسان الفلسطيني في مركز الرواية.
فالمعركة على فلسطين لم تعد تدور فقط عند الحواجز وفي ساحات المعارك وعلى طاولات المفاوضات.
إنها تدور أيضا على الشاشة، وفي الجامعة، وفي الكنيسة، وفي قاعة البرلمان، وفي استطلاعات الرأي، وفي وعي جيل أمريكي جديد.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين ليس: هل يموت الدين في أمريكا؟
بل سؤال أكثر واقعية:
من سيملأ الفراغ الذي تتركه المؤسسات القديمة؟ ومن سيصوغ الرواية التي ستصبح أكثر قدرة على التأثير في الأمريكيين خلال العقد المقبل؟
إذا كان الدين الأمريكي يعيد تشكيل نفسه، فإن السياسة الأمريكية تعيد تشكيل نفسها أيضا، وإن كان بوتيرة مختلفة.
وفلسطين لن تستفيد من هذا التحول بمجرد أن تتغير الأرقام.
ستستفيد منه فقط إذا امتلكت القدرة على تحويل التحول الاجتماعي الأمريكي إلى مساحة جديدة لسماع الرواية الفلسطينية، وفهم حقوق الشعب الفلسطيني، ومساءلة السياسات التي أبقت الصراع مفتوحا لعقود.
في النهاية، لا يموت الدين في أمريكا بالمعنى البسيط الذي توحي به العناوين.
الذي يتغير هو مكان الدين في المجتمع، وشكل المؤسسات التي تحمله، والجيل الذي يمنحه المعنى، والقيم التي يربطها بالسياسة.
وهذا التغير، مهما كانت نتائجه النهائية، يستحق أن يُقرأ فلسطينيا بعيدا عن التمني وبعيدا عن اليأس.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى سقوط رواية واحدة كي تنتصر روايتها.
تحتاج إلى أن تصبح روايتها، بما تحمله من حقوق وأسئلة إنسانية وسياسية وقانونية، جزءا لا يمكن تجاهله من النقاش الأمريكي نفسه.
- لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.