
محمد.. عاد إلى بيته، فحفر بأظافره في الركام بحثًا عن عائلته ، بقلم : أ. لينا عواد
كان محمد طفلًا في الرابعة عشرة من عمره.
في ذلك العمر، كان من المفترض أن تكون أكبر همومه امتحانًا لم يستعد له، أو لعبةً مع أصدقائه، أو شجارًا صغيرًا مع أحد إخوته، ثم يعود إلى أمه في المساء، فيجد الطعام ينتظره، وصوتها يلاحقه من آخر البيت:
«محمد، لا تتأخر.»
كان يظن أن الحياة ستبقى هكذا؛ وأن البيت الذي يجتمع فيه بأمه وإخوته لا يمكن أن يخلو منهم، وأن الوجوه التي يراها كل صباح ستبقى معه حتى يكبر.
لكن الإنسان لا يعرف أيّ صباح سيكون آخر صباح عادي في حياته.
في ليلة واحدة، انتهت طفولة محمد.
اقتحم الاحتلال منزلهم، واقتادوا محمد بعيدًا عن أمه وإخوته وبيته، بعيدًا عن كل شيء كان يعرفه.
لم يفهم لماذا يحدث ذلك. كان صغيرًا على أن يفهم الحرب، لكنه كان كبيرًا بما يكفي ليشعر بالخوف.
وفي تلك الليلة، لم يكن يفكر إلا في شيء واحد:
أمي.
كان يتخيلها واقفة عند باب البيت، تنتظره، ويواسي نفسه:
«سأعود إليها.»
وظل هذا الأمل معه طوال شهرين؛ شهرين من الخوف والألم والتعذيب.
كان محمد يعدّهما لا بالأيام، وإنما بعدد المرات التي أغمض فيها عينيه وتخيل حضن أمه.
كان يقول لنفسه:
«حين أخرج، سأركض إلى أمي. سأقبّل رأسها. سأخبرها أنني لم أنسها لحظة.»
وكانت تلك الفكرة هي الشيء الوحيد الذي يبقيه متماسكًا.
ثم خرج.
ولم يكن يريد شيئًا من الدنيا سوى أن يرى أمه.
عاد إلى المكان الذي كان يومًا بيته، لكنه لم يجد البيت.
وجد الركام.
وقف أمامه عاجزًا، لا يعرف من أين يبدأ.
ثم بدأ يحفر.
بأظافره، أخذ يزيح الحجارة واحدة تلو الأخرى. كان يبحث عن أمه، عن إخوته، عن أي شيء.
كان يحفر وهو ينادي:
«أمي…؟»
ولا يأتيه جواب.
ثم رأى شيئًا بين الركام.
عقدًا كانت أمه ترتديه.
توقف.
تأمله طويلًا.
عرفه.
عرف أنه لها.
وفي تلك اللحظة، لم يحتج محمد إلى أن يخبره أحد بما حدث.
سقطت الحجارة من يديه، وسقط معها آخر شيء كان يتشبث به.
لقد عاد محمد… لكن أمه لم تكن هناك لتستقبله، وإخوته لم يركضوا نحوه، والبيت الذي خرج منه طفلًا عاد إليه غريبًا، لا يجد فيه إلا الركام.
بدأ يحفر من جديد.
جمع بقايا إخوته، ثم دفنهم جميعًا.
وكان أصعب ما في الأمر أنه لم يجد يدًا كبيرة تربت على كتفه وتقول له:
«اصبر يا بني.»
كان هو الطفل، وكان هو الذي يحمل موت عائلته، وكان هو الذي يدفنهم.
وفي تلك اللحظة، ربما لم يكن محمد يعرف معنى الصبر، لكنه كان يتعلمه بأقسى طريقة يمكن أن يتعلم بها إنسان.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفّر الله بها من خطاياه.»
رواه البخاري ومسلم.
ولعل محمد، وهو يقف وحيدًا أمام قبور أهله، لم يكن يعلم أن كل دمعة نزلت من عينيه، وكل خوف عاشه، وكل ألم حمله في صدره، لم يكن غائبًا عن الله.
مرت الأيام، وكان محمد يظن أن أقسى ما حدث له قد انتهى.
لكنه اكتشف أن الحياة يمكن أن تؤلم الإنسان أكثر من مرة.
علم أن والده ما زال حيًا، فتعلق به كما يتعلق الغريق بآخر خيط من الأمل.
قال في نفسه:
«أبي سيعود.»
انتظر شهرًا بعد شهر، وعامًا بعد عام.
كان يقول:
«حين يعود أبي، لن أبقى وحدي. سيعوّضني عن أمي وإخوتي. سيكون لي بيت من جديد.»
ظل ينتظر عامين كاملين، وهو يعلّق قلبه على باب لم يُفتح.
ثم عاد والده.
لكن محمد لم يحصل على النهاية التي كان يحلم بها.
فقد تزوج والده، وبدأ حياة جديدة؛ بيت جديد، وعائلة جديدة، وحياة جديدة.
وبقي محمد وحده.
كان أصعب ما في الأمر أن والده لم يكن ميتًا.
لو كان ميتًا، لبكى عليه وانتهى الأمر.
لكن أن يكون حيًا، ثم لا يعود إليك كما كنت تتمنى… فذلك نوع آخر من الفقد.
جلس محمد ذات ليلة وحده.
تذكر أمه، وإخوته، والبيت، وتذكر أباه وهو ينتظره.
ثم أدرك شيئًا موجعًا:
لقد خسر عائلته أكثر من مرة.
مرة حين فقد أمه وإخوته، ومرة حين عاد أبوه وبدأ حياة جديدة.
ومع ذلك، ظل هناك شخص واحد لم ينسه محمد:
أخوه مؤمن.
كان قبر مؤمن هو المكان الوحيد الذي يستطيع محمد أن يعود إليه دون أن يخشى أن يُقال له:
«لم يعد هذا بيتك.»
فالقبر، على قسوته، كان أكثر الأماكن التي شعر فيها محمد أنه ما زال يملك شيئًا من عائلته.
كان يزور قبورهم في أعياد ميلادهم، ويجلس أمامها، ويتحدث معهم كأنهم ما زالوا يسمعونه.
وفي أحد الأيام، جاء إلى قبر أخيه مؤمن.
جلس أمامه طويلًا.
لم يكن معه أحد.
ولا كعكة، ولا شموع، ولا هدية.
فقط رجل يحمل في صدره طفولة كاملة لم تعد موجودة.
نظر إلى القبر، وابتسم ابتسامة كسيرة، وقال:
«هل تسمعني يا مؤمن؟»
سكت قليلًا، ثم قال:
«اليوم عيد ميلادك.»
ووضع يده على التراب.
«جئت لأحتفل معك.»
ثم حاول أن يضحك، لكن صوته انكسر:
«كنت أتمنى لو أنك كنت هنا… كنا سنكبر معًا.»
طال صمته، ثم قال بصوت خافت:
«أنا كبرت يا مؤمن… لكن ما كان لازم أكبر وحدي.»
وهنا لم يستطع محمد أن يمنع دموعه.
بكى على أمه، وعلى إخوته، وعلى أبيه، وعلى البيت، وعلى نفسه.
بكى على ذلك الطفل الذي كان في الرابعة عشرة من عمره، وكان يعتقد أن العالم سيعيد إليه كل شيء إذا عاد إلى البيت.
لكنه عاد…
ولم يجد أحدًا.
ومع ذلك، كان في قلب محمد شيء صغير لم يستطع كل هذا الخراب أن يقتله:
الأمل.
الأمل الذي بقي رغم القبور، ورغم الوحدة، ورغم الذكريات، ورغم كل باب أُغلق في وجهه.
وكان يتردد في قلبه قول الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
سورة الشرح: 5–6
لم يكن محمد يعرف متى يأتي ذلك اليسر، ولا كيف سيأتي، لكنه تعلّم شيئًا واحدًا:
أن الله قد يترك في قلب الإنسان شيئًا صغيرًا من النور، حتى في أكثر الليالي ظلمة.
وفي طريق عودته من المقبرة، التفت محمد إلى قبور عائلته للمرة الأخيرة.
لم يعد يبكي.
كان وجهه يحمل تعب سنوات طويلة، لكن في عينيه شيء يشبه السكينة.
همس:
«رحمكم الله… أنا ما نسيتكم.»
ثم مضى.
وحيدًا، لكن ليس خالي الوفاض.
كان يحمل أسماءهم في قلبه، وصوت أمه، وضحكة إخوته، وذكريات أبيه، ويحمل معه شيئًا لم يستطع الاحتلال، ولا الأسر، ولا الركام، ولا الموت أن ينتزعه منه:
الأمل.
وإن طال ليلُ الحزنِ فينا فإننا
سنبقى نرى في آخر الليلِ فجرًا
لأن بعض القصص لا تنتهي عندما يموت أصحابها، بل تبدأ بعدها حكاية الذين بقوا؛ أولئك الذين يحملون في صدورهم أناسًا رحلوا، ويكملون الطريق عنهم.
محمد لم يعد يملك عائلةً يعود إليها، لكنه أصبح هو الذاكرة التي بقيت لعائلته.
وهكذا، كلما سأله أحد عن سبب زيارته للمقابر، لم يكن يجيب.
كان يجلس بجوار قبر مؤمن، يضع يده على التراب، ويبتسم بحزن، وكأنه ما زال ينتظر أن يسمع من تحت التراب صوتًا صغيرًا يقول له:
«محمد… جئت أخيرًا.»
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.