
بن غفير يقول: «السلاح ينقذ الأرواح».. وأنا أقول: السلاح يزهق الأرواح ، بقلم : شريف الهركلي
حين يدخل السياسي إلى المدرسة، يفترض أن يحمل معه مشروعًا للتعليم وبناء الإنسان، لا صورة مسدس تُقدَّم للطلاب وكأنها رمز للقوة وتجسيد لقانون الغاب.
لكن المشهد الذي رافق زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى مدرسة «بليخ» الثانوية في رمات غان، ضمن فعالية انتخابية، يفتح بابًا أوسع من مجرد الدعاية الانتخابية؛ إنه يطرح سؤالًا سياسيًا وتربويًا عن طبيعة الرسائل التي تُزرع في عقول الجيل الجديد من الشباب الإسرائيلي.
وبحسب ما أوردته صحيفة «هآرتس»، وُزعت خلال الفعالية ميداليات مفاتيح على شكل مسدس تحمل صورة بن غفير وعبارة «السلاح ينقذ الأرواح»، إلى جانب مجسمات تجسد بن غفير نفسه وهو يحمل مسدسًا، في مشهد يطرح أسئلة سياسية وتربوية عميقة حول الرسائل التي تُقدَّم إلى الطلاب.
هنا لا يعود السؤال: ماذا وُزِّع على الطلاب؟
بل السؤال الأخطر: ماذا نريد أن نزرع في عقولهم؟
فالمدرسة ليست ساحة انتخابية، والطالب ليس ناخبًا صغيرًا، والتعليم ليس مساحة لتطبيع صورة السلاح وتحويلها إلى رمز سياسي أو ثقافة اجتماعية.
قد يطرح بن غفير وأنصاره رؤيتهم الأمنية والسياسية، وقد يرون في انتشار السلاح وسيلة للحماية. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقاش السياسي حول الأمن وحمل السلاح، وبين إدخال رمزية المسدس إلى البيئة التعليمية وتقديمها للطلاب في سياق انتخابي.
الطلاب في المدارس بحاجة إلى تعلم فنون السلام قبل فنون القتال، وإلى تعلم الحوار قبل المواجهة، واحترام الاختلاف قبل تحويل الخصم إلى عدو.
فالمدرسة التي تزرع في عقل الطفل قيمة الكتاب والمعرفة والحوار، تساهم في بناء مجتمع قادر على تجاوز العنف. أما المدرسة التي يُستغل فضاؤها لتطبيع رمزية السلاح، فإنها تفتح سؤالًا خطيرًا حول مستقبل الثقافة السياسية والاجتماعية التي يتشكل عليها الجيل.
والأخطر أن السياسة حين تدخل إلى المدرسة من بوابة السلاح، فإنها لا تخاطب عقل الطالب فقط، بل تحاول التأثير في وجدانه وصورته عن القوة والأمان والآخر.
وفي الحالة الفلسطينية، لا يمكن فصل هذه الثقافة عن واقع الصراع الممتد منذ عقود. فالفلسطيني الذي يرى في كل حرب مدرسةً مهدمة، وطفلًا فقد بيته، وعائلةً فقدت أحد أبنائها، يعرف أكثر من غيره أن السلاح لا يصنع مستقبلًا آمنًا.
وفي المقابل، فإن الطالب الإسرائيلي الذي يتلقى المسدس بوصفه رمزًا للحماية، يحتاج هو الآخر إلى أن يتعلم أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم إلى الأبد على الخوف والقوة.
القضية الفلسطينية ليست معركة بين شعبين على من يملك السلاح الأكثر، بل قضية شعب يبحث عن حريته وحقوقه، وشعب آخر يحتاج إلى أن يعيش بأمن وسلام. والطريق إلى ذلك لا يبدأ بتربية الأطفال على الكراهية أو تمجيد السلاح، وإنما بتربية جيل يعرف أن للآخر إنسانية وحقوقًا وحقًا في الحياة.
وهنا تقع مسؤولية المجتمع الإسرائيلي أولًا، والمجتمع الدولي ثانيًا، في حماية المدرسة من التحول إلى منصة للدعاية السياسية، أيًّا كان صاحبها أو شعارها.
فإذا كانت السياسة تريد صناعة المستقبل، فإن عليها أن تعرف أن المستقبل لا يُبنى بالمسدسات، بل بالعقول.
يقول بن غفير: «السلاح ينقذ الأرواح»؛ وأنا أقول: السلاح يزهق الأرواح.
السلاح قد يُقدَّم بوصفه وسيلة للحماية، لكن التاريخ الإنساني يعرف جيدًا أن الرصاص لا يفرّق بين طفل وشيخ، وأن ثقافة السلاح حين تصبح جزءًا من الوعي العام لا تنتج سلامًا، بل تُبقي الخوف حاضرًا وتُبقي دائرة العنف مفتوحة.
لذلك، فإن أخطر ما في هذه الواقعة ليس قطعة معدنية على شكل مسدس، وإنما الفكرة التي يراد أن تتحول إلى ذاكرة طفل.
نحن لا نحتاج إلى جيل يتقن حمل السلاح، بل إلى جيل يتقن صناعة السلام.
لا نريد أن يتعلم أطفالنا كيف يصوبون فوهة البندقية، بل كيف يفتحون كتابًا، وكيف يصغون إلى الآخر، وكيف يحلون خلافاتهم بالكلمة.
فالمدرسة التي تعلّم الطفل السلام، تحمي مستقبل المجتمع؛ أما المدرسة التي تطبع في ذاكرته صورة المسدس، فإنها تزرع في الغد بذور حرب جديدة.
وهنا رسالتي الأخيرة: اتركوا المدارس للكتب، واتركوا أيدي الأطفال للأقلام، ودعوا المسدسات خارج أسوارها؛ لأن السلام وحده هو الذي يستحق أن يكون درسًا يوميًا لأجيالنا.
ليعش الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني بعيدًا عن طموحات الأحزاب اليمينية واليسارية من كلا الطرفين.
دعونا نعيش بسلام بعيدًا عن جنون السياسيين.
فلا الفلسطيني يحتاج إلى موت الإسرائيلي، ولا الإسرائيلي يحتاج إلى موت الفلسطيني.
نحتاج إلى أن يتعلم أبناؤنا أن الحياة أكبر من الانتخابات، وأن الإنسان أكبر من الحزب، وأن السلام أقوى من البندقية.
السلاح قد يزهق روحًا في لحظة، أما السلام فيمنح شعبين فرصة للحياة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.