11:27 مساءً / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

“ميساء علي دكدوك: الحبر طقس علاجي لتفريغ صدمات الواقع.. ومحاراتي تخفي لآلئ لم تكتشف بعد

"ميساء علي دكدوك: الحبر طقس علاجي لتفريغ صدمات الواقع.. ومحاراتي تخفي لآلئ لم تكتشف بعد

شفا – “ميساء علي دكدوك: الحبر طقس علاجي لتفريغ صدمات الواقع.. ومحاراتي تخفي لآلئ لم تكتشف بعد


حوار:عطا درغام


بين مشرط العيادة النفسية الذي يفكك مكنونات الروح، وبين رهافة قلم الشاعرة الذي يلمم شتات العاطفة؛ تنسج الأديبة والشاعرة السورية ميساء علي دكدوك تجربة إبداعية مغايرة في المشهد الثقافي العربي الرقمي. هي مرشدة نفسية قادتها مهنتها لملامسة أدق تفاصيل الوجع الإنساني، فجاءت نصوصها ومضات خاطفة تختزل صراع الأمل والخوف، وتنحاز للهشاشة البشرية دون تزييف.في فضاء يضج بالسرعة والتشظي، تصر ميساء على اقتناص الوميض عبر لغة مكثفة تفيض برائحة الياسمين الشامي وغموض المحارات الصامتة. بعد إلحاح وشغف بمحاورة قلمها، تفتح لنا اليوم أبواب عوالمها السرية؛ لنبحر معها في عيادة الحبر، ونفتش في “اعترافات عاشقة”، ونقيس صمود الحرف الورقي أمام عولمة الشاشات الرقمية في هذا الحوار الاستثنائي.

المحور الأول: «عيادة الحبر» – التماس بين الإرشاد النفسي وجسد النص

  1. كمرشدة نفسية، أنتِ مدربة على تفكيك زلات اللسان والمكبوتات. عندما تكتبين نصاً إبداعياً، هل تتركين وعيك المهني يراقب النص، أم تمنحين اللاوعي الحرية الكاملة ليفضح ما يشاء؟

حين أكتب، لا أجلس أمام النص بصفتي مرشدة نفسية تحمل أدوات التشخيص، بل أجلس أمامه بصفتي إنسان وشاعرة. أترك للروح مساحتها، وللحدس أن يقول ما يريد، وللصورة أن تولد قبل أن أسألها عن اسمها.
لكن خبرتي النفسية لا تختفي تماماً؛ إنها تصبح جزءاً من تكويني، مثل اللغة والذاكرة والقراءة. قد ألاحظ حركة نفسية في شخصية أو موقف، لكنني لا أتعامل مع النص بوصفه حالة سريرية.وأؤمن أن أجمل ما في الكتابة أنها تكشف لنا أحياناً أشياء لم نكن نعرف أننا نخفيها. فاللاوعي حين يمر عبر الفن لا يفضحنا بالضرورة؛ قد يمنحنا فرصة لفهم أنفسنا بصورة أكثر رحمة.

  1. في علم النفس، نستخدم الكتابة لتفريغ الصدمات. في حالتك الشخصية، متى تكون الكتابة طقساً علاجياً لميساء، ومتى تتحول إلى مصدر قلق ومواجهة شرسة مع الذات؟

الكتابة بالنسبة إليّ ليست علاجاً بالمعنى السريري، لكنها مساحة للتأمل وإعادة ترتيب الداخل. أحياناً أكتب لأن شيئاً في داخلي يحتاج إلى أن يجد لغة، وليس بالضرورة لأنني أبحث عن إجابة.
هناك نصوص أخرج منها أكثر هدوءاً، وهناك نصوص تجعلني أعود إلى أسئلة كنت أظن أنني تجاوزتها. وهنا تصبح الكتابة مواجهة مع الذات.
لكنني لا أخاف من تلك المواجهة؛ فالإنسان الذي يخشى النظر إلى داخله قد يظل أسيراً لما لا يفهمه. وأنا أفضّل أن أرى جروحي في مرآة اللغة على أن أتركها غامضة في أعماقي.

  1. يأتيك المسترشدون بأسرارهم الحقيقية، وتخترعين في قصصك أسراراً موازية. كيف تمنعين التداخل بين الحالات الواقعية والشخصيات الورقية؟

الحد الفاصل عندي واضح جداً. هناك أخلاقيات المهنة وخصوصية الإنسان، وهذه ليست مادة أدبية قابلة للتداول.
قد تمنحني الحياة فكرة أو تضع أمامي سؤالاً إنسانياً، لكنني لا أنقل حالة شخص إلى النص، ولا أستخدم أسرار المسترشدين في الكتابة. ما يصل إلى الأدب هو التأمل الإنساني العام، لا خصوصية الأشخاص.
الشخصية الأدبية تولد من المخيلة ومن تراكم التجارب والقراءات والملاحظات، وقد تكون أصدق أحياناً من الواقع، لكنها ليست نسخة عن إنسان بعينه.

  1. نصوصك تحمل مسحات وجدانية عميقة؛ لو طلبنا منك تشخيصاً نفسياً لعنوان نصك «اعترافات عاشقة»، ما العقدة النفسية أو الرغبة الوجودية التي يحاول النص التحرر منها؟

لا أحب أن أشخّص النص الأدبي كما أشخّص حالة نفسية؛ لأن ذلك قد يضيّق فضاءه. لكن إذا أردنا قراءة العنوان مجازياً، فأنا أراه محاولة للتحرر من الخوف من الاعتراف بالمشاعر.
العشق عندي ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل حالة واسعة من التعلق بالجمال والحياة والإنسان والكلمة. والاعتراف هنا ليس بالضرورة اعترافاً بشخص، وإنما اعتراف بما تصنعه الحياة في أرواحنا.أنا لا أكتب لأقول: «هذه سيرتي»، وإنما أكتب لأقول: «هذا جزء من الإنسان الذي يسكنني».

  1. هل تكتبين بنية الطبابة ومواساة القارئ، أم تؤمنين بأن الأدب الحقيقي يجب أن يصدم القارئ ويزعزع استقراره النفسي ليدفعه للتفكير؟

لا أكتب بنية الطبابة، لأن الأدب ليس عيادة نفسية. ولا أكتب أيضاً بنية الصدمة لمجرد الصدمة.أؤمن بأن النص الحقيقي هو الذي يترك أثراً. قد يكون هذا الأثر راحة، أو سؤالاً، أو دهشة، أو حتى قلقاً جميلاً يدفع القارئ إلى إعادة النظر في شيء اعتاده.أنا لا أريد أن أواسي القارئ دائماً، ولا أن أوجعه دائماً. أريده أن يخرج من النص وهو يحمل شيئاً منه.

المحور الثاني: «ثنائية الصمت والياسمين» – جغرافيا الروح الشامية

  1. تحضر في نصوصك مفردات الطبيعة الشامية كالياسمين والسنابل. كيف صمدت هذه الرموز الرومانسية في قلمك بعد كل ما عاشته البيئة السورية من تحولات قاسية؟

لأن الياسمين ليس عندي مجرد نبات، والسنابل ليست مجرد صورة شعرية. إنهما جزء من الذاكرة السورية.حين يشتد القسوة، لا تختفي الأشياء الجميلة من الذاكرة؛ ربما تصبح أكثر ضرورة. لذلك بقي الياسمين في نصوصي، وبقيت السنابل، وبقيت رائحة البيوت القديمة وملامح المكان.أنا أقاوم القسوة بالجمال، لا لأنني لا أراه، بل لأنني رأيته جيداً ولا أريد أن أسمح له بأن ينتصر على كل ما هو جميل فينا.

  1. في ومضاتك الشعرية، هناك احتفاء كبير بالصمت. سيكولوجياً قد يكون الصمت دفاعاً؛ وإبداعياً هو تكثيف. كيف توازنين بين الصمت كألم والصمت كبلاغة شعرية؟

الصمت عندي له أكثر من وجه. هناك صمت يخفي ألماً، وصمت يحفظ كرامة، وصمت يتأمل، وصمت يكون أبلغ من الكلام.في الشعر تحديداً، ليست القيمة دائماً فيما نقوله، وإنما أحياناً فيما نتركه للقارئ كي يقوله بنفسه.ولهذا أحب النص الذي لا يشرح نفسه كاملاً. أترك نافذة صغيرة للقارئ، لأنني أؤمن أن مشاركته في اكتشاف المعنى تجعل النص أكثر حياة.

  1. تكتبين القصة القصيرة جداً والومضة. هل ترين أن إنسان العصر الحالي، المتشظي نفسياً بسبب السرعة، لم يعد يحتمل الروايات الطويلة؟

لا أعتقد أن الإنسان فقد قدرته على قراءة النص الطويل. والدليل أن الرواية ما زالت حاضرة بقوة.
لكن إيقاع الحياة تغير، وهذا جعل الومضة والقصة القصيرة جداً أكثر قدرة على الوصول إلى القارئ الذي يعيش وسط السرعة والتشتت.
بالنسبة إليّ، الومضة ليست نصاً ناقصاً؛ إنها نص شديد التكثيف. قد تحتاج جملة واحدة أحياناً إلى مساحة داخل القارئ أكبر مما تحتاجه صفحات كاملة.

  1. هل النثر عندك محاولة لترميم جغرافيا مفقودة، أم خلق لوطن بديل لا يحكمه مكان ولا زمان؟

ربما هو الأمران معاً.الكتابة تستعيد أماكن فقدناها، لكنها في الوقت نفسه تخلق أماكن جديدة لا يستطيع الواقع أن يصادرها.
قد أفقد مكاناً، لكنني أستطيع أن أحمله في جملة. وقد تغيب مرحلة من حياتي، لكن يمكن لذاكرة واحدة أن تعيد بناءها.لهذا يصبح النثر عندي نوعاً من ترميم الروح قبل أن يكون ترميماً للجغرافيا.

  1. عندما تضيق «ضفاف الأماني» في الواقع، ما الأداة اللغوية المبتكرة التي تستخدمها ميساء دكدوك لتفتح بها نافذة في جدار الواقع؟

الاستعارة بالنسبة إليّ ليست زينة للنص، بل طريقة أخرى لرؤية الواقع. عندما تضيق الجدران، أبحث عن صورة تستطيع أن تفتح فيها شقاً للضوء.وقد تكون كلمة واحدة كافية. أنا مؤمنة بأن اللغة تستطيع أن تمنح الإنسان مساحة داخلية لا يستطيع الواقع أن يمنحه إياها.

المحور الثالث: «بورتريه الأنثى» – ما وراء الاعترافات والمواجهة

  1. كتبتِ «اعترافات عاشقة». في مجتمعاتنا، اعتراف الأنثى العاطفي يُقرأ فوراً كسيرة ذاتية. كيف تواجهين هذا الخلط؟

هذا الخلط قديم، وربما سببه أن بعض القراء يفضلون البحث عن صاحبة النص خلف كل شخصية وكل جملة.أنا أحترم القارئ، لكنني لا أفرض عليه قراءة واحدة. النص الأدبي كائن مستقل، حتى وإن حمل شيئاً من روح صاحبه.ثم إن الكاتبة ليست مطالبة بأن تنفي إنسانيتها حتى تثبت أدبيتها. من حقي أن أكتب عن الحب، والفقد، والانتظار، والفرح، مثلما يكتب الرجل عنها، من دون أن يتحول كل ما أكتبه إلى وثيقة شخصية.

  1. ما الذي يعنيه التحرر في قاموسك؟ هل هو تحرر لغوي من قوالب القصيدة الكلاسيكية، أم تحرر نفسي من الخوف والقيود المجتمعية؟

التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل.وقد انعكس ذلك على تجربتي الشعرية. بدأت بالقصيدة العمودية، ثم انتقلت إلى الشعر الحر وقصيدة النثر، وقرأت تجارب مختلفة حتى أدركت أن الشكل يجب أن يخدم الفكرة، لا أن تصبح الفكرة أسيرة الشكل.لكن التحرر بالنسبة إليّ ليس التمرد من أجل التمرد. هو أن أمتلك شجاعة أن أكون نفسي، وأن أقول ما أؤمن به بلغة تحترم القارئ وتحترم الفن.

  1. نلاحظ في كتاباتك انحيازاً للمشاعر الهشة كالخوف والانتظار والفقد. لماذا يستهويك إبراز ضعف الإنسان بدلاً من صياغة بطولات وهمية؟

لأن الهشاشة ليست دائماً ضعفاً.الإنسان الذي يعترف بخوفه قد يكون أكثر شجاعة ممن يدّعي أنه لا يخاف. والذي يعترف بفقده لا يكون مهزوماً؛ ربما يكون أكثر صدقاً مع نفسه.أنا أحب الإنسان في لحظاته الحقيقية، حين تسقط عنه الأقنعة. هناك، في تلك المساحة الهشة، أجد الشعر.

  1. هل الكاتبة فيك تخفي المرشدة النفسية خلف قناع الشاعرية، أم أن الشاعرة هي التي تستعين بالمرشدة لتقرأ وجوه الآخرين بدقة؟

أظن أن الاثنتين تعيشان في البيت نفسه.المرشدة النفسية أعطتني أدوات لفهم السلوك والإنسان، والشاعرة أعطتني القدرة على تحويل ما أراه وأتأمله إلى لغة.لكنني حين أكتب لا أريد أن أضع الناس على أسرّة التشخيص. أريد أن أراهم كبشر، بما فيهم من تناقضات وضعف وجمال.

  1. كيف تنظر ميساء الأديبة إلى ميساء الإنسانة عندما تعجز الأخيرة عن عيش المشاعر العميقة التي تستطيع الأولى صياغتها في سطر واحد؟

أحياناً تكون الشاعرة أكثر قدرة على التعبير من الإنسانة، وهذا ليس تناقضاً.قد أعرف كيف أصف الحزن ولا أستطيع أن أفسر حزني، وقد أكتب عن الحب ببراعة بينما أعجز في الحياة عن قول جملة بسيطة في وقتها.اللغة أحياناً تمنحنا الشجاعة التي لا نملكها في الواقع. لذلك لا أحاكم ميساء الإنسانة بما تستطيع ميساء الشاعرة كتابته.أنا في النهاية الاثنتان، وأتعلم من كل واحدة منهما.

المحور الرابع: «الفضاء الرقمي» – اغتراب الحرف بين الـ«لايك» والخلود

  1. تنشرين بنشاط في منصات وصحف رقمية. كيف تحمين نصك من السطحية التي تفرضها خوارزميات السوشيال ميديا؟

أحاول ألا أكتب للخوارزمية.أكتب للقارئ الذي قد يمر على النص سريعاً اليوم، ثم يعود إليه بعد سنوات. فالمنصة وسيلة، وليست معياراً لقيمة الأدب.قد يكون النص الجيد أقل انتشاراً من نص بسيط وسريع، لكن هذا لا يعني أنه أقل قيمة. الانتشار لحظة، أما الأثر فقد يعيش طويلاً.

  1. هل يقلقك أن نصاً عميقاً كتبت فيه عصارة تجربتك النفسية قد يحصد تفاعلاً أقل من خاطرة عاطفية بسيطة؟

في بداياتي ربما كان الأمر يؤثر فيّ أكثر، أما اليوم فأصبحت أكثر هدوءاً تجاه الأرقام.عدد الإعجابات لا يستطيع أن يقيس عمق النص، كما أن كثرة التفاعل لا تعني بالضرورة خلوده.أنا أبحث عن القارئ الذي يقرأ، لا القارئ الذي يضغط زر الإعجاب فقط. قارئ واحد يقول لي: «هذا النص بقي معي»، قد يكون أهم عندي من آلاف التفاعلات العابرة.

  1. برز اسمك في مجلات رقمية مثل «الحرف الثائر». هل ترين أن التجمعات الرقمية خلقت جيلاً أدبياً بديلاً؟

الفضاء الرقمي فتح أبواباً لم تكن متاحة بهذه السهولة للأجيال السابقة، ومنح أصواتاً كثيرة فرصة الظهور والوصول إلى القارئ.لكن الظهور وحده لا يصنع جيلاً أدبياً.الجيل الأدبي يحتاج إلى مشروع، وقراءة، ونقد، وتراكم، وحوار حقيقي. لذلك أرى أن التجمعات الرقمية يمكن أن تكون بداية مهمة، لكنها تحتاج إلى ما يتجاوز النشر والتفاعل السريع.

  1. تعشقين التكنيك السردي والنقد. هل يوجد «نقد رقمي» حقيقي اليوم؟

يوجد نقد حقيقي في الفضاء الرقمي، لكن إلى جانبه توجد مجاملات كثيرة.النقد ليس مديحاً للنص، ولا هجوماً على صاحبه. هو قراءة تكشف نقاط القوة والضعف وتضع العمل في سياقه.وأعتقد أننا بحاجة إلى ناقد يقول الحقيقة بمحبة، وإلى مبدع يستطيع استقبالها من دون حساسية. عندها يصبح النقد شريكاً في صناعة الأدب لا مجرد تعليق على هامشه.

  1. النص الرقمي مستباح وسهل السرقة والنسخ. كيف تتعاملين نفسياً مع شعور أن ينسب آخرون جهدك الروحي لأنفسهم؟

السرقة الأدبية تؤلم، لأن النص ليس حروفاً فقط؛ إنه وقت وذاكرة ومشاعر وتجربة.لكنني أحاول ألا أجعل السارق يسرق مني شيئاً آخر أيضاً، وهو راحتي.أتمسك بحقي الأدبي وأشير إلى النص الأصلي حين يكون ذلك ممكناً، لكنني في النهاية أؤمن أن النص يعرف صاحبه الحقيقي، حتى لو حاول أحدهم تغيير اسمه.

المحور الخامس: «أسئلة المستقبل والعدم» – ما لم تقله المحارات
21. تضعين أحياناً نصوصك تحت وسم «من محاراتي». ما النص الذي كتبتِه وما زلت تشعرين أن القراء لم يفتحوا صدفته ليروا لؤلؤته الحقيقية؟

هناك نصوص كثيرة أشعر أنها لم تُقرأ بعد بالعمق الذي كُتبت به.لكنني لا أستطيع أن أحدد نصاً واحداً وأقول إن هذا هو اللؤلؤة المخفية؛ لأن النصوص تتغير داخلنا مع الزمن، وقد يكتشف القارئ في نص قديم شيئاً لم أكن أنا نفسي أراه يوم كتبته.«من محاراتي» بالنسبة إليّ ليست مجرد عبارة؛ إنها إشارة إلى أن كل نص يحمل شيئاً داخلياً لا يظهر من القراءة الأولى.

  1. لو قيل لك إنك ستكتبين نصاً واحداً أخيراً قبل أن يجف حبرك للأبد، هل سيكون نصاً شعرياً غامضاً أم نصيحة نفسية مباشرة للبشرية؟

سأكتب قصيدة.ولن تكون غامضة من أجل الغموض، ولا مباشرة من أجل الوعظ. سأكتب نصاً تختلط فيه تجربتي الإنسانية بما تعلمته من الناس والحياة.
وربما تكون آخر جملة فيها دعوة بسيطة إلى أن يكون الإنسان أكثر رحمة بأخيه الإنسان.فبعد كل ما نقرأه ونتعلمه، أظن أن المحبة تبقى من أصعب الدروس وأجملها.

  1. كيف تقيمين تجارب الكاتبات الشابات الجدد؟ هل تلمسين لديهن وعياً نفسياً بالذات أم ترينهن يقعن في فخ تكرار البكائيات الجاهزة؟

أرى تجارب واعدة جداً، وأرى أيضاً استعجالاً في النشر لدى بعض المواهب.الشاعرة الشابة تحتاج إلى أن تقرأ أكثر مما تنشر، وأن تعرف نفسها قبل أن تبحث عن صورتها أمام الجمهور.أما البكائيات والتكرار، فليسا مشكلة جيل بعينه؛ الأدب كله يمر بمراحل تقليد قبل أن يصل المبدع إلى صوته الخاص.ما يهمني هو أن أرى الكاتبة تبحث عن صوتها، لا عن نسخة ناجحة من صوت كاتبة أخرى.

  1. ما الرعب الأكبر لميساء دكدوك: أن تفقد القدرة على تحليل نفوس مسترشديها، أم أن تستيقظ يوماً لتجد أن بئر المجاز والشعر في روحها قد جف؟

أخاف أكثر من جفاف الشعر.المرشدة النفسية تستطيع أن تتعلم وتقرأ وتطوّر أدواتها، أما الشعر فشيء آخر. إنه ذلك الماء الداخلي الذي لا تستطيع أن تأمره بالجريان.لكنني لا أعتقد أن البئر يجف بسهولة. ربما يتغير مجراه، وربما يصمت فترة، وربما يحتاج إلى تجربة جديدة حتى يعود.وأنا ما زلت أعتقد أن لدي الكثير مما لم أقله بعد.

  1. يتوزع نتاجك بين صحف ومجلات متعددة؛ متى سنرى هذه «المحارات» و«الاعترافات» مجتمعة في كتاب ورقي يحمل تضاريس مشروعك الإبداعي كاملاً، وما الذي يؤخر هذه الخطوة؟

هذا المشروع حاضر في ذهني، وخصوصاً أن لدي نتاجاً كبيراً موزعاً بين الشعر والقصة القصيرة جداً والومضة والمقالات والدراسات والنصوص الإنسانية، إضافة إلى أكثر من عشرة دواوين شعرية مخطوطة تنتظر النشر.لكن جمع المشروع الإبداعي في كتاب ليس مجرد جمع نصوص. يحتاج إلى مراجعة وانتقاء وترتيب، وإلى أن أرى النصوص القديمة بعين ميساء اليوم.
وقد يكون التأخير في النشر أحياناً فرصة لإعادة النظر. لا أريد كتاباً يجمع ما كتبت فقط؛ أريد كتاباً يكشف تضاريس الرحلة.وربما عندما تخرج هذه «المحارات» إلى الورق، سيجد القارئ أن ما يبدو متفرقاً في الصحف والمجلات كان في الحقيقة أجزاء من مشروع واحد: مشروع امرأة حاولت أن تفهم الإنسان، وأن تحمي الجمال من القسوة، وأن تجعل من الكلمة مكاناً صالحاً للحياة.
كلمة أخيرة
أنا لا أرى نفسي شاعرة فقط، ولا مرشدة نفسية فقط، ولا باحثة اجتماعية فقط. هذه المسارات، رغم اختلافها، تلتقي عند الإنسان.الشعر علّمني الإصغاء إلى ما لا يقال، وعلم النفس علّمني أن وراء كل سلوك حكاية، والحياة علمتني أن الإنسان أعمق من أي تعريف.ولذلك ما زلت أكتب، لأنني ما زلت أبحث.
وما زلت أؤمن أن الكلمة حين تخرج من قلب صادق قد لا تغيّر العالم كله، لكنها تستطيع أن تضيء عتمة صغيرة في قلب إنسان واحد.

شاهد أيضاً

استطلاع: آيزنكوت يتصدر والليكود يتراجع ومعسكر نتنياهو يتقدم

استطلاع: آيزنكوت يتصدر والليكود يتراجع ومعسكر نتنياهو يتقدم

شفا – أظهر استطلاع جديد للرأي العام في إسرائيل أن حزب “يشار” برئاسة غادي آيزنكوت …