11:25 مساءً / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

الدكتور كامل عناية :صانع الجسور بين النص القرآني والقصيدة المعاصرة

الدكتور كامل عناية :صانع الجسور بين النص القرآني والقصيدة المعاصرة

شفا – الدكتور كامل عناية :صانع الجسور بين النص القرآني والقصيدة المعاصرة
حوار:عطا درغام
في زمنٍ تسود فيه العزلة بين التخصصات المعرفية، وتتسع الفجوة بين النص التراثي والقصيدة الحديثة، يقف الشاعر ولباحث الفلسطيني الدكتور كامل كمال عناية كنموذج للمثقف العضوي الذي يعيد صياغة العلاقة بين المقدس والجمالي. هو الأكاديمي الشغوف بعلوم القرآن، والشاعر الذي يسكنه وجع اللجوء وتوق الهوية، والإداري الذي يطوع المنهجية لتنظيم التدفق الإبداعي. في هذا الحوار، لا نبحث عن إجابات جاهزة، بل نغوص في جوهر تجربته الإبداعية والأكاديمية، لنستكشف كيف تتمازج البلاغة الإلهية بالروح الإنسانية، وكيف تصبح اللغة العربية أداة للتحرر ومد جسور التواصل عابرة للحدود.

المحور الأول: الامتزاج بين الأدب والعلوم الشرعية (مشتبك المقدس والجمالي)

1.كيف ينجو الشاعر في داخلك من “سلطة النص” الصارمة أثناء دراسة علوم القرآن، دون أن تفقد القصيدة دهشتها وحريتها؟

بين لغة العلوم القرآنية ولغة الأدب جسر التقاء، ركائزه سموّ الحرف وفخامة اللفظ وجزالة الأسلوب، مع حِفاظ كلٍّ منهما على جوهر خصوصيتها، وخصوصية جوهرها.والكاتب المتمكّن يستطيع إنشاء عالم خاصّ لكلٍّ من: لغةٍ تحفّها هالةٌ مِن قداسة وخشوع، ولغةٍ تفيض من مَعين البيان والبلاغة، فيكتب بقلم العالِم حين تُزهر قريحتُه في رياض النصوص الشرعيّة الفخمة، ويخطّ بيراعة الأديب حين يُبحر بخياله الجامح في بحور الخليل.

2.يقال إن البلاغة القرآنية وصلت للذروة؛ هل تجد في الشعر المعاصر مساحات للتعبير عجزت الأدوات اللغوية القديمة عن استيعابها؟

إنّ البلاغة القرآنية لم تتسم بالجمال الرائق الفائق وحسب، بل تفرّدتْ بالكمال المطلق؛ لرقيِّ مبناها ومعناها، وعمقِ مدلولاتها، وسعةِ مَراميها، ودقةِ مضامينها، ونقاء ثوبها الناصع من الشوائب.

أمّا عن الشعر قديمًا وحديثًا، فالشعر قديمًا كان يتميّز بقاموسه الخاص، وطابعه المميّز، وسَمْته الراقي، وأغراضه المتنوعة، وأدواته المرنة.وكذلك، فإنّ الشعر حديثًا – وإنْ كان قد بنى على ما تقدّم -، فإنه تمكّن من إيجاد شخصية خاصة له، تميّزه عن سلَفه العريق.

حقيقةً، ما يُمايز بين القديم والحديث، هو أنّ القديم اعتنى بإظهار القصيدة بأبهى حُلة من الجزالة والفخامة والعذوبة من حيث المباني والمعاني، بينما الحديث، فيتّسم بالرمزية الحالكة، وما ساعده على هذا عواملُ عِدّة، منها: البيئة الأدبية المعاصرة، واستحداث أنماط شعرية جديدة، كالشعر الحر، وشعر النثر – إن جاز أن نسمّيَه شعرًا، ساعدت الشاعر على التحليق بعيدًا، لتحرّره من ضوابط وقيود الشعر التقليديّ.وبالمحصّلة يمكن القول: بإنّ الأدوات اللغوية القديمة استطاعت أن تتماهى مع طبيعتها، وتعبّر عن هُويّتها، وترتقي بأبجديّة عالَمها بكل عبقرية، تمامًا كما استطاع الشعر في كلّ حقبة وعصر أن يَظهر بمَظهره الخاص وبشكله المميّز.

3.كيف توظف الرمزية الدينية والقرآنية في شعرك دون السقوط في المباشرة الوعظية أو الغموض النخبوي؟

أوْردَ القرآنُ الكريمُ العديدَ مِن قصص المرسَلين والأوّلين؛ تسلية للرسول- صلى الله عليه وسلم- وتثبيتًا لفؤاده، وإرشادا للعباد كذلك.وإنّ توظيفَ تلك السرديات القصصية في الشعر يتطلب من الشاعر الفذ استلهامَ روح تلك القصص، وتوظيفَها برمزية شفافة وشفيفة دون السقوط في شَرَك المباشَرة الصارخة.

وهناك شواهد عديدة على ذلك التوظيف الأمثل لتلك القصص في الشعر العربيّ، كتوظيف قصة يوسف عليه السلام وإخوته – على سبيل المثال لا الحصر – في الواقع المُعاش تعبيرًا عن الغدر والخذلان، بأسلوب بلاغيّ رصين، وذكاء شديد.ولارتباطي الوثيق بالقرآن الكريم، فقد أضاف البُعدُ القصصيُّ القرآنيُّ لشعري الكثير من خلال اختزال معاني تلك القصص، وتوظيف مَراميها؛ بهدف تعميق الأفكار، وبلوَرة الصور، وإضفاء لمسات بيانية راقية، مع مراعاة عدم إظهار النصوص في ديباجة الوعظ والسطحيّة، وعدم غمسها في لجّة التَّلغيز القاتمة.

4.هل ترى أن دراسة علوم الدين تمنح الشاعر “أصالة لغوية” أم أنها قد تدجّن جموح الخيال الإبداعي لديه؟

علوم الدين قَوامُها لغةٌ أصيلةٌ، وإنّ الانغماسَ فيها يُثْري لغةَ الشاعر، ويمنحه أبعادًا لغويّة وبيانيّة ذات آفاق سامقة، على أنْ يُراعي الشاعرُ الفصلَ بين لغة العلوم الدينية ولغة الشعر؛ تجنُّبًا للوقوع في فخّ السرد النثريّ واللغة المباشرة والأسلوب الوعظيّ.

5.متى يتحول البحث الأكاديمي في الإعجاز البياني إلى ملهم للقصيدة، ومتى يصبح قيداً عليها؟

بما أنّ اللفظةَ القرآنيّةَ ذات تفرّد من حيث الجزالة والدلالة، فإنّ البحثَ في إعجاز تلك اللفظة ببانيًّا يدفعك نحو القراءة ما بين السطور، والتأمّل في ما وراء جدار الحروف والكلمات، وهذا بحدّ ذاته يمنحك قوّةً بلاغيّةً وطاقةً لغويّةً هائلةً، وقدرةً على التأمّل والاستنباط، ما يؤثّر بشكل إيجابيّ واضح على تشكيل الصوَر الشعريّة لدى الشاعر، والارتقاء بفنّه الأدبيّ، وتوسيع مدى وأفق خياله، على أنْ يستطيعَ الفصلَ ما بين طَلاقةِ الإعجاز البيانيّ القرآنيّ وبلاغةِ اللغة الشعرية وبيانها حين استحضارِه فكرةَ نصّه الشعريّ، والولوجِ إلى عالَم النظم الفسيح.

المحور الثاني: الالتزام بالقضايا الوطنية والإنسانية (أدب اللجوء والهوية)

6.كيف يعيد أدبك صياغة مفهوم “الوطن المتخيل” عند الشاعر الفلسطيني الذي يعيش تجربة الشتات؟

الوطنُ المتخيَّلُ، والذي يَرسخ في رؤى ومخيلة الشاعر الفلسطينيّ الذي يحمل مفتاح أشواقه في ثنايا وجدانه، وينادم شهقات حنينه في زوايا ليالي الاشتياق المُرّ، هو ذلك الوطن الفولاذيّ الذي مَرّ مِن تحت مَطارق القهر ليصبحَ حسامًا صقيلاً لا يُكسَر، هو ذلك الوطن الذي نَجا مِن نيران النمرود ليَغرسَ في قلب العالَم الحرّ حقلَ وروده الناضر الشذيّ، هو طائر الفينيق الذي بُعِث من رماده ليعيدَ للحياة روحَها السليبة، هو ذلك الجسم المشظّى الذي استطاع لملمةَ أشلائه، والنهوضَ من تحت ركام الردى شديدَ البأس، قويَّ الهمة والعزيمة، هو فلسطين تامّة كاملة من نهرها لبحرها، وحدة موحَّدَة واحدة، بكلّ ما ينتمي إليها مِن تراب وأرض وهواء وفضاء وسماء ومقدَّسات وهُويّة وتاريخ.

7.هل نجح الأدب الفلسطيني المعاصر في الانتقال من “مرحلة البكائية والندب” إلى مرحلة الفلسفة الإنسانية الشاملة؟

الأدبُ الفلسطينيّ لم يقتصر قديمًا وحديثًا على الندب والبكاء، بل مازجَ بين لغة التوجُّع ولغة الثورة على نحو يجسّد كينونتَه الإنسانيةَ النازفةَ ألمًا على جراح الوطن من جهة، والمنتفضة غضبًا ونقمةً على الجور والطغيان من جهة أخرى.ما حصلَ هو ذلك التطوّر النوعيّ الملموس الذي طرأ على الأدب الفلسطينيّ من حيث منظور الفلسفة الشاملة نتيجةً لتراكم ظروف معقدة على مدى حقب طويلة أدّتْ به إلى أنْ يطوّر من أبجدياته وأدواته؛ ليستوعبَ معطيات مسيرته ويتماشى مع مستجدات مراحله النضالية والإنسانية كافة.
إنّ انكفاءَ الأدب على نفسه، واكتفاءه بالبكاءِ على الأطلال، ونحيبِه على القبور لَدليلُ عجزٍ وهروبٍ من مسؤولية المواجهة وتخَلٍّ عن الواجب في أحلك الظروف، ويكون بذلك كالذي يقف على شرفة الليل البهيم ليلعنَ الظلامَ، وفي كفّه المرتجفة شمعةٌ متحفِّزةٌ للوثوب على طغيان الظُّلمة المستبدّة.

8.كيف توازن في شعرك بين التزامك بالقضية الفلسطينية كقضية وطنية، وبين تقديمها كقضية حرية إنسانية عالمية؟

القضية الفلسطينية مع كونها قضية فلسطينية، إلا أنها ذاتُ طابع عربيّ وإسلاميّ وعالميّ بامتياز، وهي تعبّر عن الضمير الإنسانيّ خير تعبير؛ لذا رأينا ونرى تأييدًا لافتًا لها عابرًا للحدود في كلّ زمان ومكان، بل هناك العديد مِن المقاتلين والمؤيدين الأمميّين مِمّن ضحّوا بكلّ غالٍ ونفيس من أجلها.لذلك، فإنني لا أتعامل مع القضية الفلسطينية بشعري قضيةَ جغرافيا ومكان وحسب، بل أنتقل بها إلى مضمار الضمير العالميّ، وإلى فضاءات الإنسان الرحيبة، حيث إنها تمسّ وجدان كلّ إنسان حرّ وشريف يؤمن بحقّ الشعوب للعيش بحُريّةٍ كاملة غير مَنقوصة، وكرامةٍ مُصانَةٍ غير ممسوسة بأدنى سوء وأذى.
وإنّ بقاءَ فلسطين على مدى عُقودٍ محتلةً في رِحابِ كرةٍ أرضيّةٍ تتدحرج وتتهادى راقصةً على أنغام مَعزوفة الحرية، وعلى مَرأى ومَسمَعِ عالَمٍ يَتغنّى بحقّ المجتمعات بتقرير مصيرها، لَوصمةُ عار على جبين الإنسانية جمعاء، ووخزةٌ موجعةٌ في الوجدان الآدميّ، ونقطةٌ سوداءُ في صحائف تاريخنا الشاهد على مرحلة مخزية مِن مراحل الاستبداد والاستعباد والطغيان والخذلان.

9.هل تعتقد أن النقد العربي المعاصر ينصف النص الأدبي المقاوم بذاته، أم يمنحه حصانة نقدية فقط لعدالة قضيته؟

برأيي المتواضع، لمْ يَصِل النقدُ العربيُّ المعاصرُ بَعدُ إلى المستوى الذي نستطيع أنْ نزعمَ بأنه أنصفَ الأدبَ المقاوِمَ وحَباه من حقه ما يستحقّ، فهناك بَوْن واضح بين النقد وبين النص الأدبيّ المقاوِم الذي يتطلب المَزيدَ والمَزيدَ من الزخم النقديّ؛ لتبقى جذوتُه متقدةً، وهمتُه عاليةً، ورايتُه محلقةً في فضاءات التحدي وساحات المناورة على خطوط الكفاح المشتعلة خطورة.إنّ توجُّهَ أنظار النقد تجاه الأدب المقاوم واجبٌ تمليه المسؤوليةُ الوطنيةُ والنضاليةُ؛ لشحذ الهمم، وتعزيز الروح المعنوية، وإثراء النصوص الأدبية، وتشجيع الأقلام الثائرة للتعبير عن ذاتها، وإيجاد حاضنة أمينة للكلمة المقاوِمة، والانخراط في واجب الدفاع عن الدين والوطن.

10.كيف يمكن للقصيدة أن تحمي الهوية من التآكل داخل منافي الاغتراب دون أن تنغلق على نفسها؟

الشاعرُ بطبيعته وتكوينه الوجدانيّ لا يستطيع أنْ يعيشَ دون وطن، فتراه وهو في جحيم شتاتِه ومنفاه يَحمل ثَرى حِماه متنقلاً به حيث ألقت وتُلقي به رياح الاغتراب، ويخطّ وطنَه قصيدةً بمدادِ الخلود ولوعة الاشتياق ليبقى الوطنُ ساكنًا فيه أينما حَلّ وارتحَل.الشاعر الذي اضطرته الظروفُ للرحيل بأشواقه وحنينه عن الأرض التي ترعرع فيها، أو ذلك الذي وُلِد أصلاً في مَهد الشتات، هو سفيرُ القضية الحقُّ، والأمينُ على الهُوية الوطنية، وصوتُ القضية الصادحُ على منصات البقاء. للقصيدة المنفية دوْرٌ بارزٌ بالحفاظ على الهُوية، والدفاع عن القضية، وإبقاء الوطن في ذاكرة الخلود؛ كوْن تلك القصيدة تَخرج لسمع الدنيا مِن أنفاس الشوق المستعرة، وتنهدات الحنين الموجَعة، معبِّرَةً عن أصالتها رغم اغترابها، وعن انتمائها لقضيةٍ عادلةٍ رهَنَتْ ذاتَها للذَّبِّ عنها، ولوطَنٍ أسيرٍ نَذرَتْ صوتَها للمطالبة بحريته وبحقوقه في كلّ المحافل الدولية، وعلى جميع المنصات العالمية.

المحور الثالث: نشر الثقافة والتعليم العابر للحدود (اللغة كجسر ثقافي)

11.عند تدريس العربية لغير الناطقين بها، ما هي اللحظة الإبداعية التي تشعر فيها أن الطالب الأجنبي تذوق “موسيقى الشعر” قبل فهم المعنى؟

تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها يضع المعلمَ أمام مسؤولية عظيمة، مسؤولية إيصال اللغة للأجنبيّ بأرقى أسلوب، وأسهل طريقة، وأبهى حلة، وأذكى وسائل؛ لإدماجه في خط سير اللغة، وتحبيبه بها، والانتقال به من مرحلة إلى مرحلة أكثر تطوُّرًا وتقدُّمًا بمهارة عالية.اللغة العربية بطليعتها لغة مرنة، وعذبة في ذات الوقت، وإنّ الطالبَ الأجنبيَّ لدى سماعه سجعَها وجناسَها وطباقَها ومحسِّناتها البديعيّةَ وقوافيَ شِعرها، فإنه لا يَملك إلا أنْ ينسجمَ معها ويعشقَها ويستعذبَ موسيقاها. وأكاد أجزم بأنّ أيَّ مُصغٍ للغة البيان سيحلّق في فضاء سِحرها وعذوبتها أيّما تحليق فَور سماعه إيقاع حروفها الرصينة وتراكيبها الآسِرة للألباب.

12.هل ترى أن المناهج الحالية لتعليم العربية للأجانب تسطح اللغة، وتفصلها عن عمقها الحضاري والإنساني؟

المناهج التي تُعَدّ لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها يجب أن تراعيَ مبدأ التدرُّج الواعي السليم بالتعليم وتصدير المعلومة، فتبدأ بالتسطيح الممنهج، ثم تنتقل انتقالًا سلسًا عبقريًّا من مرحلة تلو أخرى باتجاه العمقِ اللغويّ، والارتقاءِ باللغة نحو أفقها الأسمى وغايتها القصوى، مع مراعاة الحفاظ على بُعدها الحضاريّ والإنسانيّ في كلّ مراحل تطوّرها.وبرأيي، فإنّ معظمَ المناهج الحاليّة تفتقر إلى المنطقيّةِ بمحتواها، والحكمةِ بطَرحها، والمهنيّة بأدائها، وهذا ما يَدعو لوقفة تأمل ومراجعة، ولإعادة النظر في هذا الأمر؛ وذلك لأهميته في سياق نشر اللغة العربية على أوسع نطاق في العالم.

13.كيف يمكن للأدب أن يكون أداة دبلوماسية ناعمة لتغيير الصورة النمطية عن الثقافة العربية والإسلامية في الغرب؟

الغربُ يقرأ ثقافتَنا بمختلف صُوَرها من خلال تصرفاتنا وسلوكياتنا؛ لذلك نرى أحكامَه جائرةً ومُجحفةً بخصوص ثقافتنا، تلك الأحكام السطحية النابعة من مشاهداتٍ لتصرفاتٍ عشوائيةٍ فرديةٍ هنا وهناك مَشوبةٍ بالنقص والابتذال والتشويه.إنّ الاداةَ المثلى لإيصال جمالية ثقافتنا تمرّ عبر الأدب العربيّ الرفيع الذي يتضمن لغةً عاليةً، وإحساسًا نادرًا، وروحًا حيّةً، وشموليّةً فريدةً، وانسجامًا عفويًّا مع الثقافات الأخرى، ما يجعل أدبَنا العربيَّ خيرَ مترجِم لصورة واقعنا، وبالذات إنْ تمّ نشره بلغات متعددة على النحو الذي يتيح له تأدية الغرض المراد بكلّ سلاسة وتميُّز.

14.ما هي أكبر التحديات البنيوية التي تواجهك عند نقل الاستعارات البلاغية العربية إلى عقلية طالب يعتمد التفكير المادي والترجمة الحرفية؟

مِن المعلوم أنّ اللغةَ البيانيّةَ ذات أعماق سحيقة، ومدلولات غير مباشرة، بما تحمله من استعارات ومجازات وكنايات ونحو ذلك.لذا، يحتاج المعلمُ اتباعَ أساليبَ تعليميّةٍ ذاتِ مرونة، واعتمادَ منهجيات ووسائل توضيحيّة علميّة ذات جدوى، مع أهميّة وضرورة أن يكونَ على يقين راسخ بأنّ عليه بذلَ جهود مضاعفة لإيصال مفهوم اللغة البيانيّة لشخص يعتمد التفكيرَ السطحيَّ، ولا يقرأ بين السطور، ولا يرى من الكلمة غير بنْيتها الظاهرة، ولا يفهم من النصّ سوى سياقه البادي.

15.هل ساهم التفاعل مع ثقافات وطلاب من خلفيات متنوعة في تطوير قاموسك الشعري وأفكارك الأكاديمية؟

الأديب جزء لا يتجرأ مِن واقعه الأدبيّ والثقافيّ، يؤثّر ويتأثّر، فهو ليس بمنأى عن هذا المحيط التفاعليّ، بل هو في صُلب هذه الكينونة بحُكم موقعه الفاعل والحسّاس. التفاعل مع ثقافات أخرى يُضيف للأديب الكثير، ويُثري قاموسه الثقافيّ والأدبيّ، ويجعله أكثر نضجًا ودرايةً وخبرة.إنّ تنوُّعَ الثقافات حالةٌ صحيّةٌ، وضرورةٌ يَفرضها تطوّرُ الحياة العفويُّ، والامتدادُ الحضاريُّ الكَوْنيُّ، وإنّ الأديبَ الحصيفَ الأريبَ مَن يستطيع مواكبةَ مسيرة التجديد والحداثة والتنوُّع بمراحلها كافةً، والتماهِيَ مع أبجديّتها، والقدرةَ على الإفادة والاستفادة منها، والتمكُّنَ مِن مجاراة نسَقها، ما يمكّنه من البقاء ضمن دائرة التفاعل الإيجابيّ البنّاء.

المحور الرابع: التنوع الأكاديمي والفكري (ثنائية الضاد وإدارة الأعمال)

16.كيف تنعكس دراستك لماجستير إدارة الأعمال (MBA) على بنية قصيدتك؛ هل هناك “هندسة وإدارة” للتدفق الشعري؟

الإدارةُ تُعَدّ محور الحياة؛ وذلك لتداخلها الطبيعيّ في جميع شؤوننا الدنيويّة، وتقاطُعها مع شتّى ممارساتنا العمليّة، فكلُّ شيء ضمن ديناميكيّة معيشتنا يحتاج إدارةً، وعملٌ دون إدارةٍ منضبطةٍ تخطيطًا وتنظيمًا محكومٌ عليه بالعشوائية والارتجاليّة والفوضى، وبالتالي الفشل والإخفاق.وبما أنّ الأدبَ عمومًا، والشعرَ خصوصًا جزءٌ من واقعنا الحياتيّ، فلا بدّ مِن تمريره عبر قناة الإدارة؛ ليتمكّنَ الكاتبُ مِن التحكم بنصّه موضوعًا وزمنًا وبيئةً ومحتوًى، ويستطيع من خلاله أنْ يصلَ إلى ما يرجوه وينشده من هدف وغاية.

17.هل تعاني الساحة الأكاديمية الأدبية من فوضى تنظيمية يمكن لعلوم الإدارة الحديثة أن تنقذها منها؟

الساحة الأدبية تعاني من فوضى عارمة، وتخبُّط كبير على أصعدة عدة، والأسبابُ عديدةٌ، مِن أهمّها: سوءُ الإدارة، بمعنى غياب التخطيط والتنظيم والرقابة والإشراف، وما يَعقبُ ذلكَ من كوارثَ مُزلزلة على المستوى الأدبيّ، من حيث: جودة النصوص، أهليّة دور النشر، حقيقة ومنطقيّة التفاعلات، جدارة المنصات، طبيعة المسابقات والندوات والمهرجانات، وغير ذلك. والحلّ مِن ضمن حلول عديدة يَكمن في إدارة سليمة واعية قادرة على تنقية الساحة الأكاديميّة مِن شوائبها، والارتقاء بالذائقة الأدبيّة، وإعادة الحياة للجسم الأدبيّ، وبث الروح فيه من جديد، وذلك من خلال نُظُم منهجية مدروسة، وهيكليّة تنظيميّة رشيدة، ورؤى ذات أبعاد نهضويّة متبصِّرة، وقرارات جريئة حاسمة.

18.يرى البعض أن الإدارة تتطلب عقلانية وحسابات جافة بينما الشعر يتطلب جنوناً وعاطفة؛ كيف تصالح هذان الضدان في فكرك؟

إنّ اتّحادَ الفِكرِ الذي يتجّسد في المفهوم الإداريّ، والعاطفةِ التي تنبع من النفَس الشعريّ يُشكّل وحدةً بنيويّةً متماسكةً يتجلّى فيها التكاملُ الإبداعيُّ السامي، ويتشكّل لوحةً فائقةَ الوصف، وساطعةً المحيّا في فضاء الإبداع.
إنّ القصيدةَ بخيالها الطامح وجنونها الجامح لا بدّ لها مِن ضابط أمين لوَهجِ حركتها، وانفلاتِ مدارات عنفوانها، وسطوةِ انفعالاتها، ولا يتأتّى ذلك إلا مِن خلال إيقاعٍ إداريٍّ صارمٍ قادرٍ على وضع القصيدة ضمن حدودٍ آمنةٍ، ومساراتٍ منضبطةٍ، مع ضرورة عدم كبحِ روحها، وكَسحِ خطاها، ونَسفِ صرحِ طموحِها.

19.كيف وظفت المنهجية العلمية الصارمة في تفكيك النصوص الأدبية المعاصرة دون قتل روح النص الإبداعية؟

إنّ تفكيكَ النصوص الأدبية بمنهجية عقلانية مستنيرة، وإخراجَها من بوتقتها البنيوية الضيقة، وجعْلَها مادةً للفكر والاستنباط، لَمِن الأمور التي تًخدم الأدبَ، وتضيف له زخَمًا إبداعيًّا بيِّنًا ولافِتا.والتفكيكيّة، هي منهج تحليليّ أدبيّ، يقوم على رفض تحليل النصوص على نحو ثابت، ويدعو لمنحها أبعادًا وآفاقًا جديدةً متجددةً وغير جامدة، ما يمنح تلك النصوص ديناميكيّة مرنة، ومساحات أكبر؛ لاستيعاب العديد من التأويلات والاحتمالات، وتأقلُمًا مع المستجدات، وخروجًا عن المألوف، وتجاوُزًا للذات. إنّ لغةَ الأديب ينبغي ألا تقعَ في شَرَك النمَطيّة والقَوْلَبة، بل ينبغي أنْ تؤسِّسَ لذاتها مَدًى حُرًّا لتحلِّقَ فيه، وعالَمًا مرِنًا تستطيع من خلاله التعبير بشفافية مطلقة عن شخصيّتها، ما يمكّنها مِن مَنح المتلقّي أريحيّةً مستفيضةَ الامتدادِ لاستكشافِ مكنوناتها، والتأمُّل في سِحرها، والإبحار عميقًا في قيعان جمالها.

20.هل ساعدتك العقلية الإدارية في تسويق ونشر الفكر الأكاديمي والأدبي، وهو ما يفشل فيه عادة المثقف التقليدي

العقليّةُ الإداريّةُ تمثّل بمفهومها العلميّ خروجًا عن مألوف الرتابة والجمود والتقوقع داخل قوالبَ جامدةٍ، وتساعد المبدعَ على إيجاد مُتَنفَّسات تجعله قادرًا على التعايش مع محيطه بكلّ جدارة.
العقليّةُ الإداريّةُ في مجال نشر وتسويق الفكر الأكاديميّ والأدبيّ أمرٌ لا يمْكن تجاهله، إذ مِن خلال تلك العقليّة الفذة يستطيع الأديبُ فتحَ نوافذَ مضيئةٍ لأدبه عبر تفاعله الإيجابيّ والفعّال مع الفئة ذات الاهتمام بذلك الأدب، والتواصلَ الأمثلَ من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ المختلفة والمتنوعة ذات الصلة، ومواكبةَ مستجدّات التسويق الحديثة، والبحثَ الدؤوب عن سُبُل التطوير والتحديث والابتكار.

المحور الخامس: إحياء التراث اللغوي وصون الهوية (معركة التغريب والجمال الكلاسيكي)

21.في ظل زحف العامية واللغات الهجينة (الفرانكوآرب)، هل ترى أن “الفصحى” تعيش أزمة بنيوية أم أزمة مستخدمين؟

-اللغة العربية هي ذاتها تلك اللغة ذات الشخصية الأصيلة والقدر الوازن، وهي – ومنذ أنْ وُجِدَتْ – صالحةٌ لزمانها ومكانها، تعبِّر عن بيئتها الثقافية والأدبية والاجتماعية خيرَ تعبير بمفردات وسياقات تتناسب مع العصور كافة، وتتجدد وتتمدد لتستوعبَ مستجدات التطوُّر الطارئ على ثقافة الشعوب، وهي المحورُ الأصيلُ المحافِظُ على ذاته شكلاً ومضمونًا، وهي المحيطُ الزاخرُ الذي لا ينضب معينُ قاموسه، ولا يتناقص مخزونُه اللغويّ، وهي لغةُ القرآن الكريم الذي نَزل على سبعة أحرف.المشكلة ليست في اللغة، وإنما بمستخدميها الذين ربما لا يستطيعون مجاراةَ عظمتها واتساعها وسموّها، أو لا يدركون قيمتَها الإداركَ الصحيحَ، أو يشعرون بالنقص حِيال لغات أخرى تأثّروا بحضارة بلدانها. لم تكن اللغةُ العربيةُ يومًا أزمةً، بل الأزمة تكمن دائمًا في شريحة كبيرة من مستخدميها، لا ترى في اللغة العظيمة إلا ذلك العبء الذي يُثقل كاهلَ تعبيرهم وإنشائهم وتواصلهم مع الآخرين.

22.كيف يمكننا إحياء الشعر الكلاسيكي في عقول جيل “التيك توك” والوجبات الثقافية السريعة دون التضحية برصانة التراث؟

جيل “التيك توك” أُفْرِغَ إلى حدّ كبير مِن محتواه الأصيل، ومِن ذاكرته الثقافية الرصينة، حتى غدا بلا هُوية ولا شخصية.هذا الجيل الذي يدّعي الثقافةَ يدمّر من حيث يعلم ولا يعلم موروثَنا الحضاريَّ والثقافيَّ والأدبيّ.
فمِن شِعر كلاسيكيّ جزل، إلى شعر حرّ، إلى شعر نثر، إلى شعر مولَّد بالذكاء الصناعيّ، ثمّ إلى أين؟؟؟!!!.
لإعادة الروح لهذا الجيل الموغل في تيه العمى، لا بدّ مِن إحياء ما مات في صميم وجدانه، ولا بدّ من ترميم ذاته المهدومة، وذلك مِن خلال تبنّي منهجيات أدبية، ومناهج دراسية واعية، مع مراعاة فرض رقابة صارمة على المنصات والصفحات المروّجة للشعر الركيك، وضبط عشوائية النشر، ومحاولة إحياء وتشجيع لغة الشعر السامية، وفتح وتشريع أبواب الإبداع أمامها، وتمكينها مِن أخذ زمام المبادرة.

23.هل ترى أن قصيدة النثر الحديثة تمثل امتداداً طبيعياً للتطور اللغوي، أم أنها شكل من أشكال التغريب وقطع الصلة مع التراث وموسيقاه؟

قصيدة النثر ليست شعرًا حقيقيًّا، بل هي أقرب لمفهوم الخاطرة من الشعر الذي يقوم على وحدة الوزن والقافية. ومن المعلوم أنّ ما يُسمّى بشعر النثر لا تحكمه ضوابطُ الوزن، ولا يخضع لسلطان القافية. أمّا شِعر التفعيلة، وهو ما يُعرَف بالشعر الحرّ، فهذا ما يدور الخلافُ حَوله، بين مؤيّد ومعارض، وهذا ما يمْكن نقاشه على أنه حالة من حالات التطوّر الطارئة على الشعر الكلاسيكيّ التقليديّ، والامتداد الطبيعيّ لتطوّر اللغة.
أنا مِن مناصري الشعر الكلاسيكيّ، ولستُ ضدّ شِعر التفعيلة، على ألا يَخلو بالطبع من الوزن، وكذلك من موسيقاه وإيقاعه وقافيته وإن تعدّدتْ.

24.كيف ننتقل باللغة العربية من خانة “اللغة المقدسة والمتحفية” إلى خانة “اللغة الحية والمواكبة” للعلوم الحديثة والذكاء الاصطناعي؟

اللغة العربية ليست لغةً مَتْحفيّةً بالمعنى الذي يَضعها في قالبِ تَحنيط، أو يُتعامَل معها على أنها رمزٌ تذكاريٌّ مجرّدٌ من الروح. إنها بالطبع ليست كذلك، بل ذات قيمة قيّمة، وشخصيّة اعتباريّة، وذات امتداد واتساع، بما يجعلها تستوعب العلومَ كافة، وتتماشى مع الحداثة بكلّ أطوارها.
المشكلة ليست في لغتنا العربية، إنما في مستخدميها الذين أضاعوا هيبتَها، وقلّلوا مِن قيمتها، وقزّموا قامتَها، وجرّدوها من تاجها، وأنزلوها عن عرش صدارتها. وإنهم بتأخرّهم عن رَكْب الأمم، أتاحوا الفرصةَ للغات أخرى أقلّ بكثير منها كمالاً وجمالاً أن تتقدَّمَها، وأنْ تتصدّرَ المشهدَ على صعيد التخاطب والعلوم والانتشار.

25.من هو الحارس الحقيقي للغة اليوم: المؤسسة الأكاديمية الصارمة، أم الشاعر الذي يجرؤ على كسر القواعد بحثاً عن الجمال؟

لِكلٍّ من المؤسسة الأكاديمية والشاعر دوْرٌ مهمٌّ بالحفاظ على كينونة الفصحى ورعايتها والارتقاء بها.
لكنْ باعتقادي أنّ الشاعر هو الأقدر على القيام بدوْر حراسة اللغة، والذوْد عنها، وإفساح الآفاق لها، وذلك بتخطّيه الحواجزَ وكسره القيودَ؛ بحثًا عن جمال وكمال اللغة، مستغلًّا تحرّرَه من القيود الصارمة التي تخضع لها المؤسسةٌ الأكاديميةُ، ومراعِيًا في الوقت ذاته عدم استباحة اللغة وفق الهوى والمزاج والعبث، وعدم التفريط بجوهرها الأصيل ومظهرها الجميل، والحذر من أيِّ محاولةٍ للمساس بمقامها السامي، وأيِّ خطوة تطويرية أو تجديديّة لا تخضع لآليات الضبط الصارمة.

شاهد أيضاً

على خلفية جنائية.. إطلاق صاروخ "لاو" مسروق من الجيش الإسرائيلي على منزل في جلجولية دون إصابات

على خلفية جنائية.. إطلاق صاروخ “لاو” مسروق من الجيش الإسرائيلي على منزل في جلجولية دون إصابات

شفا – ترجمة شفا – أُطلق صاروخ “لاو” مسروق من الجيش الإسرائيلي على منزل عائلة …