
الصناديق قالت كلمتها في السويد … وفلسطين إحدى رسائل الانتخابات ، بقلم : أحمد سليمان
لم تنتهِ الانتخابات السويدية بإغلاق صناديق الاقتراع، بل ربما بدأت عندها المرحلة الأصعب. فالانتخابات تحدد حجم الأحزاب داخل البرلمان، لكنها لا تحدد وحدها من يستطيع الحكم، والنتائج الأولية تضع السويد أمام برلمان شديد التقارب، لا يملك فيه أي معسكر هامشًا مريحًا للمناورة.
الفارق المحدود في المقاعد يعني أن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون إجراءً شكليًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب على التفاوض وتقديم التنازلات وبناء تفاهمات تستطيع الصمود أمام البرلمان، والأهم من ذلك تمرير الميزانية والتشريعات الكبرى.
لكن قراءة هذه الانتخابات من زاوية المقاعد وحدها ستكون ناقصة. فالصناديق لم تحدد فقط من تقدم ومن تراجع، بل أعادت توزيع القوة السياسية بين أحزاب تختلف في الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية، ومن بينها الموقف من فلسطين.
وهنا تحديدًا تصبح نتيجة حزب اليسار ذات أهمية تتجاوز السياسة الداخلية السويدية.
فتقدم الحزب يعني أن القوة البرلمانية الأكثر وضوحًا في دفاعها عن الحقوق الفلسطينية أصبحت تملك وزنًا أكبر. وإذا احتاج الاشتراكيون الديمقراطيون إلى أصوات اليسار لتشكيل حكومة أو لتأمين أغلبية برلمانية في ملفات أساسية، فإن هذا التقدم يمكن أن يمنح الحزب مساحة أكبر للضغط في ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها فلسطين.
بعبارة أوضح: كلما أصبح حزب اليسار أكثر ضرورة للمعادلة الحكومية، أصبحت فلسطين أقرب إلى طاولة التفاوض السياسي.
وهذا هو الرابط المباشر بين نتيجة الانتخابات والقضية الفلسطينية.
فلسطين لم تكن قضية بعيدة عن الحملة السياسية السويدية. الحرب، والموقف من إسرائيل، والقانون الدولي، والاستيطان، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، كلها ملفات صنعت انقسامًا واضحًا بين الأحزاب. ولذلك فإن تغير أوزان هذه الأحزاب داخل البرلمان يعني بالضرورة تغيرًا في حجم الأصوات القادرة على التأثير في السياسة السويدية تجاه فلسطين، وإن كان لا يضمن مسبقًا اتجاه القرارات النهائية.
ومن هنا يمكن القول إن فلسطين قد تكون من المستفيدين سياسيًا من تقدم اليسار، ليس لأن حزبًا واحدًا يستطيع بمفرده تغيير السياسة الخارجية للسويد، بل لأن النظام البرلماني يجعل الحزب الصغير أكثر تأثيرًا عندما تصبح مقاعده ضرورية لصناعة الأغلبية.
وهذه النقطة مهمة للغاية.
فإذا كان تشكيل حكومة تقودها ماجدالينا أندرسون سيتطلب دعم حزب اليسار، فإن السؤال بالنسبة للحزب لن يعود فقط إلى حجم التضامن الذي يظهره مع فلسطين في الشارع، وإنما إلى ما سيضعه فعليًا على طاولة المفاوضات.
هل تصبح فلسطين جزءًا من شروطه السياسية؟
هل يضغط باتجاه موقف سويدي أشد وضوحًا تجاه الاستيطان وانتهاكات القانون الدولي؟
هل يدفع نحو إجراءات سياسية ودبلوماسية أكثر قوة؟
وهل يستطيع تحويل التعاطف الشعبي والسياسي مع الفلسطينيين إلى قرارات داخل البرلمان ومؤسسات الدولة؟
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لحزب اليسار.
فالناخب الذي منح الحزب صوته بسبب مواقفه من فلسطين لن يكتفي بعد الانتخابات بسماع الخطابات نفسها. ارتفاع عدد المقاعد يعني ارتفاع المسؤولية أيضًا، لأن القوة السياسية تُقاس في النهاية بما تستطيع تحويله من مواقف إلى سياسات.
ولهذا فإن نتيجة الانتخابات تحمل رسالة مهمة أيضًا للفلسطينيين والعرب والمتضامنين مع فلسطين في السويد: الصوت الانتخابي يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية عندما تصبح المقاعد التي ساهم في صناعتها جزءًا من معادلة تشكيل الحكومة.
لكن الصورة لا تكتمل بالنظر إلى اليسار وحده.
فتراجع ديمقراطيي السويد، في المقابل، يعني تراجعًا نسبيًا في وزن حزب يقف سياسيًا في موقع مختلف جذريًا من كثير من القضايا المرتبطة بفلسطين وإسرائيل. ولذلك فإن اجتماع صعود اليسار مع تراجع ديمقراطيي السويد يستحق أن يُقرأ أيضًا من زاوية السياسة الخارجية، وليس فقط من زاوية الصراع التقليدي بين اليمين واليسار.
أما الاشتراكيون الديمقراطيون، فرغم بقائهم قوة مركزية في المشهد السياسي، فإن النتيجة تضعهم أمام معادلة جديدة. قد يكونون أكبر من شركائهم المحتملين من حيث عدد المقاعد، لكنهم ليسوا بالضرورة قادرين على فرض جميع شروطهم عليهم.
وهنا تكمن المفارقة: خسارة الحزب الكبير لبعض قوته قد تزيد أحيانًا من قدرة الحزب الأصغر على التأثير.
وإذا كان حزب اليسار أحد المستفيدين من هذه المعادلة، فإن فلسطين قد تكون إحدى القضايا التي يظهر فيها هذا التأثير.
لكن ذلك كله يبقى احتمالًا سياسيًا، وليس نتيجة محسومة.
فالانتخابات منحت حزب اليسار أوراقًا أقوى، لكنها لم تمنحه وحده سلطة تحديد السياسة الخارجية للسويد. وبين الفوز بالمقاعد وتحويلها إلى قرارات توجد مفاوضات وتحالفات وميزانيات ومصالح دولة ومواقف أحزاب أخرى.
ولهذا لا ينبغي المبالغة والقول إن الانتخابات غيرت السياسة السويدية تجاه فلسطين بالفعل.
الأدق أن نقول إنها غيّرت ميزان القوى الذي سيقرر تلك السياسة.
وهذا ربما هو أهم ما تعنيه النتائج لفلسطين.
فالمعركة الانتخابية انتهت، لكن المعركة السياسية حول كيفية استخدام هذه المقاعد بدأت الآن.
وفي النهاية، لن يكون السؤال فقط كم مقعدًا حصل عليه حزب اليسار، بل ماذا سيفعل بهذه المقاعد عندما تبدأ مفاوضات السلطة؟
ولن يكون السؤال بالنسبة لفلسطين كم سياسيًا رفع العلم الفلسطيني خلال الحملة، بل كم موقفًا سيتحول بعد الانتخابات إلى قرار وضغط سياسي ودبلوماسي حقيقي.
الصناديق قالت كلمتها.
اليسار أصبح أقوى، وصوت فلسطين معه أصبح أثقل داخل البرلمان.
أما الامتحان الآن، فهو تحويل هذا الوزن الانتخابي إلى وزن سياسي.
أحمد سليمان
رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.