11:44 مساءً / 7 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

إصدار جديد في عرفانية التصوف يثري المكتبة العربية: النّصّ الصّوفيّ بين البلاغة والعرفان للأستاذة سعاد بسناسي /الجزائر

شفا – إصدار جديد في عرفانية التصوف يثري المكتبة العربية: النّصّ الصّوفيّ بين البلاغة والعرفان للأستاذة سعاد بسناسي/الجزائر

كلَّمَا اقتربتَ من الله، ذابَ منكَ شيءٌ ليس لك: قسوةٌ، وخوفٌ،

كبرياءٌ وهمٌّ…حتَّى لا يبقى منكَ إلاَّ حقيقتك التّي خُلقتَ من أجلها

جلال الدّين الرّوميّ

تنهضُ هذه الدّراسة في أُفقٍ معرفيٍّ يتجاورُ فيه الوعيُ النَّقديّ مع آليَّات الكشف المعرفيّ، حيث يستعادُ النَّصّ الصُّوفيّ بوصفه فضاءً حيًّا تتقاطعُ في مداراته التَّجربةُ الرُّوحيَّةُ مع الطَّاقة الجماليّة للّغة، بعيدًا عن القوالب التَّفسيريَّة الجاهزة التي تستنفدُ المعنى في حدود الظَّاهر. وتنطلقُ قراءتنا من إدراك عميق بأنَّ القولَ الصُّوفيّ لا يقاربُ بوساطة أدوات التَّفسير المألوفة التي تقفُ عند حدود العبارة الجامدة، بل يقتضي إنصاتًا طويلًا لذبذبات الحرف، ووعيًا قادرًا على تتبُّع الارتعاشات الخفيَّة التي تسكنُ الكلمةُ حين تنفصلُ عن ضيق المعجم وتدخل رحابة مجال الإشارة. ومن هذا المنطلق، يتقدَّمُ البحثُ في دروب بلاغة العرفان، مستنطقًا تلك المنطقة السَّيَّالة التي تتحوَّلُ فيها اللُّغة إلى جسد مشعّ، وتغدُو العبارة أثرًا حركيًّا لباطن يتجاوزُ الحدود المألوفة للفهم البشريّ الرَّتيب.

ويتَّسعُ هذا التَّصوّر ليشمل إعادة قراءة العلاقة بين المتلقّي والنّصّ الصّوفيّ، حيث لا يعود القارئ مستهلكًا للمعنى، بل شريكًا في إنتاجِ الإشارة عبر معراج ذوقيّ يتجاوزُ الحجب اللّغويّة نحو جوهر التَّجربة. إنَّ الممارسة النَّقديَّة هنا تستحيلُ إلى رحلةِ استبصارٍ تهدفُ إلى تعرية الآليَّات التي تجعلُ من الحرف الصُّوفيّ كائنًا يتنفَّسُ، ومن الصُّورة العرفانيَّة مدارًا يجمعُ بين المحسوسِ والمتخيَّل في وحدةٍ شهوديَّةٍ فريدةٍ. وبذلك، يؤسّسُ هذا البحث لرؤية تأويليّة ترى في النّصّ الصّوفيّ فعلًا من أفعالِ التَّحرُّر اللّغويّ، حيث يتمُّ كسر رتابة الدَّلالة المركزيّة لصالح تعدُّديّة إشاريَّة تفتحُ آفاقًا لا نهائيَّة للتَّأويل، وتجعلُ من الكتابةِ العرفانيِّة مختبرًا دائمًا لتجديد الوعي بالعالم وبالذَّاتِ، في حركةٍ دائبةٍ لا تعرفُ الاستقرارَ عند مرفأ واحد، بل تظلُّ تُبحرُ في محيطِ المعنى الذي لا ساحلَ له.
ينطلقُ هذا المسارُ من تصوُّرٍ يرى النَّصّ الصُّوفيّ حقلًا تنصهرُ فيه التَّجربةُ الوجوديّةُ مع الطَّاقةِ الشّعريّةِ، حيث يتجاورُ الكشف مع الإبداع، ويتحوَّلُ الخطابُ إلى مسارٍ روحيّ يقتفي أثرَ المعنى في طبقات الوجدان. فالكلمةُ في هذا الأفق لا تؤدّي وظيفة البيان وحدها، بل تتحوَّلُ إلى إشراقٍ يفتحُ أمامَ القارئ دروبًا غير متوقَّعة، وتدفعه إلى عبور مسافات بين ظاهر القول وباطنه. ولهذا يسعى البحثُ إلى تتبُّع ملامح البلاغة التي تتشكَّلُ داخلَ القول العرفانيّ، تلك البلاغة التي لا تنبع من التَّزيين الأسلوبيّ، بل من توتُّر داخليّ تعيشه اللّغة حين تلامسُ تجربةً تتجاوزُ الحدود المعتادة للوعي.

يتحرَّكُ هذا التَّصوُّر داخلَ أفقٍ تأويليّ يتعاملُ مع النّصّ الصّوفيّ بوصفه كيانًا مفتوحًا، تتدفَّقُ فيه الدَّلالات كما تتدفَّقُ الأنفاسُ في صدرِ العارفِ. فالخطابُ العرفانيُّ لا يُقيم في استقرار المعنى، بل يتَّخذُ من التَّحوُّل طريقًا له، ومن الإشارةِ منزلةً تتقدَّمُ على البيانِ. ومن هنا تتجلَّى فكرةُ الإحاطةِ التَّأويليَّة التي تطرحها الدّراسة، حيث لا يعني الفهم إحكام القبض على الدَّلالة، بل يعني الانخراط في حركة المعنى وهو يتكشفُ طبقةً بعد أخرى. وفي هذا المسار يصبحُ القارئُ شريكًا في إنتاج الدَّلالة، إذْ يتحوَّلُ حضوره إلى شرطٍ من شروطِ اكتمالِ التَّجربة النّصيّة.

ويمضي البحثُ في استكشافِ تلك العلاقة الدَّقيقة بين البلاغة والكشف، حيث تتَّخذُ اللّغة هيئة معراج روحيّ يرفعُ المعنى من مستوى التَّداول العادي إلى أفقٍ إشراقيّ. فالنَّصُّ الصُّوفيُّ يفتحُ أبوابَه أمام مستويات متعدّدة من التّلقّي، تبدأ من القراءة التي تتلمَّسُ سطحَ العبارةِ، ثمَّ تمتدُّ نحو قراءة تنفذُ إلى قلبِ الرَّمزِ، حيث يتوارى المعنى خلفَ حُجب من الصُّور والإيقاعات. وتنبثقُ في هذا الفضاء البلاغةُ العرفانيَّةُ بوصفها فنًّا في توليد الدَّلالة، حيث تتعالقُ الصُّورة والرَّمزُ والإيقاعُ في شبكةٍ من العلاقاتِ التي تمنحُ القولَ طاقةً تتجاوزُ حدوده الظَّاهرة.

يتَّجهُ البحثُ في عمقِ هذا المسارِ إلى إضاءةِ البعدِ الجماليّ الفارق الذي يميّزُ الخطاب الصُّوفيّ، حيث تستحيلُ الكلمةُ في هذا السّياق البرزخيّ إلى موضع التقاء فريد بين الشّعريّة المتَّقدة والتَّجربة الرُّوحيَّة المكاشفة، لتغدُو الحروفُ أواني مستطرقة يفيض منها نور المعنى على ضيق المبنى. فالعارفُ حين ينطقُ لا يهدفُ إلى نقلِ فكرةٍ ذهنيَّةٍ باردةٍ، بل ينقلُ حالًا وجوديًّا عاصفًا يزلزلُ سكون العبارة، وحين يكتبُ لا يسكن إلى ترتيب المعاني وفق منطق التَّصنيف العقليّ الرَّتيب، بل يتركُ العبارة تنسابُ بعفويّة واقتدار كما تنسابُ الأنفاسُ في لحظةِ وجدٍ حارقةٍ، لتتحوَّلَ الكتابةُ من فعلِ تسجيلٍ إلى فعلِ تجلٍّ. ومن هذا التّدفُّق، يكتسبُ النَّصُّ الصُّوفيّ نبرةً ذات خصوصيَّة وجوديَّة، تتداخلُ فيها الموسيقى الدَّاخليَّة النَّابعة من ارتجافِ القلبِ مع الإيقاعِ الرُّوحيّ الذي ينظّمُ حركةَ الأكوان، بحيث تصبحُ اللّغةُ فضاءً رحبًا يتردَّدُ فيه صدى التَّجربة بكلّ ثقلها وجلالها.

ويتعمَّقُ التَّحليلُ التَّأويليّ لهذا التَّصوُّر ليكشفَ عن كينونةِ اللّغة العرفانيّة بوصفها لغة “حال” لا لغة “قال”، حيث تفقدُ الكلمات استقرارها المعجميّ لتكتسب سيولة إشاريّة تليق بمقامِ الحيرةِ. إنَّ الأنفاسَ التي تسكنُ النَّصّ الصّوفيّ هي التي تمنحه ديمومته، فالحرفُ هنا ليس رسمًا صامتًا، بل هو نبض يستمدُّ حياته من مدد الغيب، ممَّا يجعلُ القراءةَ الصّوفيّةَ ممارسةً ذوقيّةً تقتضي مشاركة الرّوح في إنتاج الدّلالة. وتتجلّى جماليّة هذا الخطاب في قدرته على الجمع بين الأضداد، حيث يغدو الصّمتُ نطقًا، والغياب حضورًا، وتستحيلُ اللّغةُ إلى معراج يصعدُ بالمتلقّي من ضيق العبارة إلى سعة الإشارة، ممَّا يؤسّس لبلاغة جديدة لا تعترفُ بالحدود النّهائية للمعنى، بل تظلّ مفتوحة على احتمالات الإشراق الدَّائم.

يستقرُّ هذا البعد الجماليّ في منطقة “ما لا يقال”، حيث تشرقُ الحقيقة من خلف أستار المجاز، وتغدو الصّورة الفنّيّة جسرًا يعبره السّالك نحو جوهر المشاهدة. إنَّ هذه السّيولة التي تميّز انسياب العبارة في لحظات الوجد تجعلُ من النّصّ كائنًا عضويًّا ينمو بتجدُّد الواردات، فلا يكتملُ المعنى فيه إلَّا باتّصال باطن القارئ بباطن النّصّ، في وحدةٍ شهوديّةٍ تتجاوزُ انفصال الذَّات عن الموضوع. وبذلك، يغدو الخطاب الصّوفيّ أنموذجًا للتَّعبير الذي يسعى لاحتواء المطلق في النّسبيّ، واللَّامحدود في المحدود، ليظلَّ النّصّ في حالة سكر دائم بالمعنى، يدهشُ البصيرة ويستفزُّ الرّوح للبحث عن أصل النُّور الكامن في طيَّات الحروف، حيث لا تنتهي الرّحلة إلَّا بانتهاء السَّالك في عين مسلوكه. ويكشفُ هذا المسار عن طبيعة العلاقة التي تجمعُ بين التّأويل والذَّوق، حيث لا يتحقَّق الفهم عبر تحليل البنية اللّفظيّة وحدها، بل عبر انخراط الوعي في التّجربة التي يحملها النّصّ. فالكشف في هذا السّياق ليس حدثًا منفصلًا عن اللّغة، بل يتجلَّى داخلها، ويتَّخذ من الحرف موضعًا لظهوره. ولذلك تتعامل الدّراسة مع القول الصُّوفيّ باعتباره طاقةً حيَّةً تتجاوزُ حدود الخطاب التّقليديّ، وتفتحُ أمام القراءة إمكانات متعدّدة من الفهم.

يستمرُّ هذا الأفق المعرفيّ في تتبّع الحركة الدَّائبة للمعنى داخل النّصوص الصّوفيّة، حيث يتجلَّى الرَّمز بوصفه جسرًا وجوديًّا سيّالًا يصلُ بين عوالم الظّاهر الكثيفة وعوالم الباطن اللَّطيفة، محقّقًا وحدة برزخيّة تجمعُ شتات الرّؤية. فلا يعملُ الرّمزُ في الخطاب العرفانيّ بوصفه زخرفة أسلوبيّة أو حيّة بيانيّة تهدفُ إلى تزيين العبارة، بل ينهضُ بوظيفة وجوديّة عميقة تتَّصلُ بمحاولة التّعبير المستحيل عن تجربة وجدانيَّة تتجاوزُ بحدَّتها وجلالها حدود اللّغة التَّداوليّة المعتادة. ومن هنا، تتَّخذُ الصّور الشّعريّة في النّصّ الصّوفيّ طابعًا خاصًّا وفريدًا، إذْ تتحوَّلُ من كونها محض تشبيهات بلاغيَّة إلى مفاتيح نورانيَّة تقودُ بصيرةَ القارئ نحو مستويات عليا من الإدراك والشّهود، حيث ينمحي الفارق بين الدّال والمدلول في حضرة المعنى الكلّيّ.

ويتعمَّقُ التَّحليلُ التّأويليُّ لهذا الدَّور الرّمزيّ ليكشف عن كينونة الرَّمز بوصفه “حجابًا مشعًّا”؛ فهو يحجبُ الحقيقة عن غير أهلها ليصونها، و يضيءُ في الوقت ذاته الطَّريق للسَّالك المستعدّ لتلقّي الواردات. إنَّ الرَّمز الصّوفيّ هو انفجار للمعنى من داخل ضيق الحرف، حيث تصبحُ الكلمات مثل الخمر واللّيل والجمال والكعبة إشارات كونيَّة تحيلُ على مقامات ذوقيّة لا يحدّها رسم ولا يحصرها حدّ. وهذه الاستحالة الجماليَّة للّغة تجعلُ من النّصّ فضاء لـهيبة المشاهدة، حيث يشعرُ المتلقّي بسطوة المعنى الغيبيّ وهو يتسرَّب من خلال شقوق العبارة، ممَّا يجعله في حالة حيرة منتجة تعيدُ ترتيب وعيه بالعالم وفق منطق الإشارة لا منطق العبارة. وتتجلَّى براعة هذا الخطاب في قدرته على تحويل المحسوس إلى معراج للمجرَّد، حيث تصبحُ الطَّبيعة والكون والحركة صورًا مراوية تعكسُ تجلّيّات الحقّ في الخلق. إنَّ الصّورة الشّعريّة هنا هي “عين القلب” التي ترى الوحدة في الكثرة، وهي التي تمنحُ النّصّ قدرته على البقاء حيًّا عبر العصور؛ لأنَّها لا تخاطبُ العقل المنطقيّ الذي يقنعُ بالظَّواهر، بل تخاطب الباطن المشرق الذي يطلبُ الحقائق. وهكذا، يستحيلُ الرَّمز إلى مقام يلتقي فيه العارف بالمعروف، وتصبحُ القراءة رحلة ارتقاء مستمرّة في مراتب الوجود، حيث يفتحُ كلّ رمز بابًا إلى غيب جديد، ويُحوّلُ كلّ صورة إلى منصّة للتّحليق بعيدًا عن أسر المادَّة، ليظلَّ النّصّ الصّوفيّ نصًّا مفتوحًا على لامتناهي الإدراك، لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي إشاراته عند سقف محدَّد.

يكشفُ البحثُ في هذا السّياق عن الدَّور الذي يؤدّيه الإيقاع في تشكيل بلاغة العرفان، حيث تتحوّلُ الموسيقى الدّاخليّة للعبارة إلى وسيلة تنقل التّجربة من مجال الفكرة إلى مجال الشّعور. فالإيقاع في النّصّ الصّوفيّ ليس عنصرًا ثانويًّا، بل يمثّلُ نبضًا يسري في جسد الخطاب، ويمنحه قدرةً على استدعاء الحالة الرّوحيّة التي عاشها العارف. ولهذا تتقاطعُ اللّغةُ مع التّجربة في نقطة يصبحُ فيها الحرف أثرًا لحركة داخليّة، ويغدُو النّصّ أثرًا لاهتزاز الرّوح وهي تواجه لحظة الكشف. ويمضي البحث كذلك في استكشاف البعد التَّأويليّ الذي يمنحُ النّصّ الصّوفيّ حيويّته المستمرَّة، إذْ تتولَّدُ الدّلالة فيه من تفاعل دائم بين القارئ والعبارة. فلا تتوقّفُ القراءة في هذا الأفق عند حدود الفهم المباشر، بل تتحوَّلُ إلى رحلةٍ في طبقات المعنى، حيث تتكشَّفُ الإشارات شيئًا فشيئًا. وفي هذا المسار يصبحُ النّصّ فضاءً للحوار بين الوعي واللّغة، ويتحوّلُ التَّأويل إلى فعل مشاركة في تجربة الكشف.
تتجلَّى أهمّيّة هذا المنظور في قدرته على إعادة النَّظر في طبيعة العلاقة بين البلاغة والتَّجربة الرّوحيّة، حيث تتكشَّفُ اللّغةُ بوصفها أداةً قادرةً على احتضان التَّجربة العرفانيّة. فلا تعملُ الكلمةُ في هذا السّياق بوصفها وعاءً للمعنى فحسبُ، بل تتحوَّلُ إلى مجال يتجلَّى فيه الحضور الرّوحيّ. ومن هنا يتقدَّمُ البحث في محاولة الكشف عن البنية الجماليَّة التي تميّزُ القول الصُّوفيّ، تلك البنية التي تنبثقُ من التَّفاعل بين الرَّمز والإيقاع والصّورة. ويمتدُّ هذا التَّحليل ليكشف عن طبيعة الرّحلة التي يخوضها النّصّ الصّوفيّ في دروب المعنى، حيث يتنقَّلُ الخطابُ بين مستويات متعدّدة من الإشارة. فلا تُقدّمُ العبارة في هذا الأفق معناها دفعةً واحدةً، بل تتركه يتفتَّحُ كما تتفتَّحُ الزّهرة في ضوء الفجر. ومن هنا تكتسبُ القراءةُ طابعًا تأمّليًّا، حيث يصبحُ الفهمُ نتيجةً لحركة طويلة من الإنصات والتّأمّل.

تنتهي هذه المقدّمة إلى التّأكيد أنَّ دراسة بلاغة العرفان تمثّلُ مدخلًا لفهم طبيعة الخطاب الصّوفيّ بوصفه تجربةً تجمعُ بين الشّعريّة والكشف، وتفتحُ أمام اللّغة آفاقًا تتجاوزُ حدود البيان التّقليديّ. يظلُّ النّصّ الصّوفيّ مجالًا حيًّا يتجدَّدُ مع كلّ قراءة، ويمنحُ القارئ فرصة العبور من ظاهر القول إلى باطنه، حيث تتشكَّلُ الدّلالة في لحظة التقاء بين الحرف والرُّوح.

يتبدَّى البحثُ في هذا الأفق رحلة في فضاء النّصّ الصّوفيّ، رحلة تتبّع أثر المعنى وهو يتشكّل بين العبارة والإشارة، وتكشفُ عن الطّاقة الكامنة في اللّغة حين تلامسُ التّجربة العرفانيّة. وهكذا يتقدّمُ هذا العمل بوصفه محاولة للإنصات إلى همس النّصّ الصّوفيّ، واستكشاف البلاغة التي تنبثق من أعماقه، حيث يتلاقى الجمال مع الكشف، وتتحوّلُ اللّغةُ إلى مرآة تعكسُ أنفاس العرفان وهي تعبر دروب القول.

وبعدُ؛

تجلّت لي نفسي بمشهدِ الارتسامِ، واقفةً ببرزخِ النُّطق بين لسانٍ باح بوجدٍ عارض، وبصيرةٍ شهدت أنَّ عين المعنى لم تزل في غيبها مصونةً عن القيد؛ فكلَّما استنطقتُ مرقومي، خُيّل إليَّ أنَّ روحَ النّصّ لم تنفخ بعدُ، فبين الأحرف فجواتٌ تطلب مدد التَّمام، وفي صمتِ اللّفظِ دبيبٌ يشِي بضيقِ الآنيّةِ عن بحرِ الإشارةِ؛ نظرًا إلى أنَّ سرَّ الحرفِ في كونِ منتهاه غيبًا، وفعل المراجعة هو تصفيةُ الرَّقائق وبلوغُ سدرة المعنى؛ فما الكتابة إلَّا رياضة نفس تتعلَّمُ في كلّ سطرٍ كيف تتواضعُ أمام سطوة التَّجلّي الذي لا يحصره بيان، ولا يفنى له مدد.

شاهد أيضاً

السفير الصيني لدى الأردن قوه وي يلتقي بالسفير الأردني السابق لدى الصين يحيى القرالة

السفير الصيني لدى الأردن قوه وي يلتقي بالسفير الأردني السابق لدى الصين يحيى القرالة

شفا – التقى السفير الصيني لدى الأردن السيد قوه وي بالسفير الأردني السابق لدى الصين …