
في محافظة سلفيت… حين يصبح التعليم عنوانًا للصمود وصناعة المستقبل ، بقلم : د. عمر السلخي
مع بداية العام الدراسي 2026/2027، لا يعود آلاف الطلبة في محافظة سلفيت إلى مدارسهم بحثًا عن المعرفة فقط؛ بل يعودون إلى مساحة تتقاطع فيها التربية مع الأرض، والصمود مع التنمية، والحاضر مع سؤال المستقبل.
في السادس من أيلول، يبدأ عام دراسي جديد في فلسطين ، تعود أصوات الطلبة إلى ساحات المدارس، ويستعيد المعلمون مواقعهم في الصفوف، وتعود الأسر إلى تفاصيل الواجبات والكتب والامتحانات.
لكن في محافظة سلفيت، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فهذه المحافظة التي أصبحت عنوانًا بارزًا في خريطة الاستيطان والتوسع الاستعماري، تواجه تحديات تتجاوز حدود العملية التعليمية التقليدية، وقد شهدت المحافظة خلال الأشهر الماضية اعتداءات وتحركات استيطانية طالت مناطق قريبة من التجمعات السكانية والمدارس، واستمرار الضغوط على الأرض والطرق والحركة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من: كيف يبدأ العام الدراسي؟ السؤال الحقيقي هو: أي تعليم نريد لأبناء سلفيت في ظل هذا الواقع؟
المدرسة ليست جزيرة معزولة عن واقعها
لا يمكن أن نطلب من الطالب أن يتعلم بمعزل عن البيئة التي يعيش فيها، فالطفل الذي يرى الاستيطان يتمدد حول بلدته، أو يواجه صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق، أو يعيش في أسرة ترهقها الظروف الاقتصادية، يدخل إلى الصف وهو يحمل معه أسئلة الواقع ومخاوفه وتطلعاته.
لذلك فإن المدرسة في سلفيت يجب ألا تكون مجرد مكان لتلقين المناهج، وإنما مساحة آمنة لبناء شخصية الطالب، وتعزيز قدرته على التفكير، ومنحه الأدوات التي تمكنه من التعامل مع واقع معقد ومتغير.
في سلفيت… التعليم جزء من معركة الأرض
قد يبدو الربط بين المدرسة والأرض للوهلة الأولى سياسيًا أكثر منه تربويًا، لكنه في الحالة الفلسطينية ارتباط طبيعي.
فالاستيطان لا يستهدف الجغرافيا وحدها؛ إنه يحاول إعادة تشكيل المكان والإنسان والعلاقة بينهما.
ان الصمود الحقيقي لا يكون بالشعارات وحدها، الصمود يحتاج إلى طالب متعلم، ومعلم متمكن، ومدرسة حديثة، وأسرة واعية، ومجتمع يؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
المعلم… الاستثمار الذي لا يجوز تأجيله
وسط كل الحديث عن الأبنية والمناهج والتكنولوجيا، يبقى المعلم هو العنصر الأكثر تأثيرًا في التجربة التعليمية.
فالمعلم الذي يستطيع أن يحول الحصة من عملية تلقين إلى مساحة للتفكير، وأن يكتشف موهبة طالب، وأن يعيد الثقة إلى طالب آخر، يمكنه أن يترك أثرًا يتجاوز سنوات المدرسة.
ولهذا، فإن تطوير التعليم في سلفيت يبدأ من تطوير المعلم أيضًا: تدريبًا، وتأهيلًا، وتمكينًا، وتحسينًا لبيئة العمل، وإشراكًا حقيقيًا في صناعة القرار التربوي.
الطالب الذي نريده… لا الذي نطلب منه أن يحفظ
ربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال التقليدي: هل هدف المدرسة أن تخرج طالبًا ناجحًا في الامتحان، أم إنسانًا ناجحًا في الحياة؟
العالم من حولنا يتغير بسرعة مذهلة ، الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل، والمهارات الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، والوظائف التي سيعمل فيها أطفال اليوم قد لا تكون موجودة بالشكل نفسه بعد سنوات قليلة.
ولهذا تحتاج مدارس سلفيت إلى أن تمنح أبناءها، إلى جانب المعرفة الأكاديمية، مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، واللغات، والتكنولوجيا، والابتكار، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال، نحن لا نريد جيلًا ينتظر وظيفة، نريد جيلًا قادرًا على صناعة الفرصة.
من المدرسة إلى التنمية المحلية
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع المحلي، فالتعليم ليس مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها ، هناك دور للمحافظة، والبلديات والمجالس المحلية، والجامعات، والغرفة التجارية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأهلية، والمجتمع المحلي.
يمكن لسلفيت أن تبني نموذجًا مختلفًا للشراكة التعليمية، بحيث تصبح مدارسها مرتبطة أكثر باحتياجات المجتمع والاقتصاد المحلي.
سلفيت تحتاج إلى تعليم يستند إلى البيانات
المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة التعليم بالانطباعات إلى إدارته بالبيانات.
نحن بحاجة إلى أن نعرف: أين توجد الفجوات؟ أي المدارس تحتاج إلى توسعة؟ أين تتركز التسربات؟ ما المهارات التي يفتقدها الطلبة؟ ما احتياجات المعلمين؟ وما التخصصات التي يحتاجها سوق العمل؟
المعلومة الدقيقة تقود إلى القرار الصحيح، والقرار الصحيح يقود إلى استثمار أفضل للموارد.
ومن هنا، فإن بناء قاعدة بيانات تعليمية متكاملة لمحافظة سلفيت يمكن أن يشكل أساسًا لتحديد الأولويات، وتوجيه المشاريع، وقياس النتائج بدل الاكتفاء بعدّ الأنشطة.
ماذا نريد من العام الدراسي الجديد؟
نريد من عام 2026/2027 أن يكون أكثر من عام جديد في التقويم المدرسي.
نريده عامًا نعيد فيه الاعتبار للمعلم.
وعامًا نضع فيه الطالب في مركز العملية التعليمية.
وعامًا ننتقل فيه من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، ومن المدرسة المنعزلة إلى المدرسة المرتبطة بالمجتمع.
نريد تعليمًا يحافظ على الهوية، لكنه لا يخاف من المستقبل.
تعليمًا يعلّم أبناءنا أن الأرض التي يعيشون عليها تستحق أن تُحمى، وأن المجتمع الذي ينتمون إليه يستحق أن يُبنى، وأن المستقبل لا ينتظر أحدًا.
من مقعد الطالب يبدأ مستقبل سلفيت
في النهاية، قد نستطيع أن نقيس نجاح العام الدراسي بعدد الطلبة، ونسبة النجاح، وعدد المدارس، وحجم المشاريع.
لكن المقياس الأهم سيظل سؤالًا واحدًا:
ماذا أضاف هذا العام إلى الإنسان؟
ففي سلفيت، حيث تتعرض الأرض لضغوط متواصلة، لا يمكن أن يكون التعليم مجرد خدمة عامة.
إنه استثمار في الإنسان، وفي المجتمع، وفي القدرة على البقاء.
ولهذا، عندما يدق جرس المدرسة اليوم، فإن صوته لا يعني فقط أن درسًا جديدًا قد بدأ.
إنه يعني أن فصلًا جديدًا من بناء الإنسان الفلسطيني قد بدأ.
ومن مقعد صغير في مدرسة من مدارس سلفيت، قد يبدأ مشروع كبير اسمه:
مستقبل فلسطين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.