11:54 صباحًا / 24 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

دبلوماسية السلام ، بقلم : محمد علوش

دبلوماسية السلام ، بقلم : محمد علوش


لم يعد العالم الذي نعيش فيه هو العالم الذي عرفته السياسة الدولية خلال العقود الماضية، فالنظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية عميقة، تتراجع فيها قدرة القوة الواحدة على فرض قواعدها منفردة، وتتقدم قوى دولية وإقليمية جديدة، فيما تتسع دوائر التوتر والصراع وتتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، ويغدو السلام في مناطق كثيرة أكثر هشاشة، وفي هذا المشهد، تبرز الصين بوصفها قوة يصعب قراءة مستقبل النظام العالمي من دون التوقف عند موقعها ودورها وخياراتها، غير أن أهمية الصين لا تكمن في قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والعسكرية فحسب، بل في السؤال الأعمق: أي دور يمكن أن تؤديه الدولة الكبيرة في عالم يبحث عن توازن جديد، وعن مخرج من منطق الهيمنة والاستقطاب والحروب؟


إن دبلوماسية الدولة الكبيرة لا ينبغي أن تفهم باعتبارها حقاً في إدارة العالم أو توزيع مناطق النفوذ، بل باعتبارها مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية تفرضها المكانة الدولية، فالقيمة الحقيقية للقوة تكمن في قدرتها على تحويل النفوذ إلى مسؤولية، والقوة إلى وسيلة للحوار، والمكانة الدولية إلى مساحة لفتح أبواب التسوية والتعاون.
وهنا تواجه الصين اختباراً تاريخياً، فقد طرحت بكين خلال السنوات الماضية رؤية تقوم على بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وربطت ذلك بمبادرات في التنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية، غير أن قيمة هذه الرؤية لا تقاس بجمال مفاهيمها، وإنما بقدرتها على الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن المبادئ العامة إلى حلول ملموسة لأزمات العالم.


والدور المنشود من الصين ليس أن تكون قطباً في مواجهة قطب آخر، ولا أن تستبدل هيمنة بهيمنة أو استقطاباً باستقطاب، فالعالم لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الحرب الباردة، وإنما إلى تعددية دولية حقيقية تقوم على المساواة في السيادة، واحترام استقلال الدول، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار الدولي، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فالتعددية القطبية لا تصبح مشروعاً للسلام إلا إذا تجاوزت مجرد إعادة توزيع القوة والنفوذ.


ويحتاج العالم اليوم إلى قوى قادرة على الحديث مع الجميع، لا مع الحلفاء وحدهم؛ وإلى دبلوماسية تستطيع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما تعلو لغة السلاح على لغة السياسة، وفي هذا السياق، تستطيع الصين، بما تمتلكه من وزن اقتصادي وسياسي وعلاقات واسعة مع دول الجنوب العالمي، أن تؤدي دور الجسر لا الجدار، وأن تسهم في بناء مساحات مشتركة للحوار بين القوى المتنافسة.


ومن هنا تكتسب الدبلوماسية الصينية أهمية تتجاوز إدارة الأزمات إلى منعها ومعالجة جذورها، فالعالم يحتاج إلى دبلوماسية الوساطة أكثر من سباقات النفوذ، وإلى المبادرات التي تقرّب بين الأطراف أكثر من الاصطفافات التي تعمّق الانقسام، ولا يعني ذلك أن تتخلى الصين عن مصالحها الوطنية؛ فكل دولة تتحرك وفق مصالحها، لكن التحدي يكمن في طبيعة العلاقة بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الدولية، وفي قدرة الدولة الكبيرة على جعل مصالحها جزءاً من استقرار أوسع، لا مصدراً لإضعاف الآخرين.


وفي القضية الفلسطينية، تكتسب هذه المسؤولية معنى أكثر إلحاحاً، ففلسطين ليست مجرد ملف إقليمي، بل قضية سياسية وحقوقية كشفت، على مدى عقود، حدود النظام الدولي وعجزه عن تطبيق مبادئه بصورة متساوية، وما يجري في فلسطين، وفي قطاع غزة بصورة خاصة، يضع العدالة الدولية أمام امتحان أخلاقي وسياسي وتاريخي بالغ القسوة، لذلك، لا ينبغي أن يقتصر الدور الصيني على الدعوة العامة إلى السلام، بل أن يتجه نحو بناء جهد دولي أكثر فاعلية لإنهاء الحروب، وحماية المدنيين، ورفض الإفلات من العقاب، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أساس الشرعية الدولية، بما يضمن حلاً عادلاً ودائماً للقضية الفلسطينية، وإذا كانت الصين تؤكد احترام السيادة والقانون الدولي، وتدعو إلى تسوية الخلافات بالحوار والتشاور، فإن فلسطين تمثل ساحة أساسية لتحويل هذه المبادئ إلى فعل سياسي ملموس.


والمطلوب إعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي باعتبارها قضية حقوق وعدالة وسياسة دولية، لا مجرد أزمة إنسانية قابلة للإدارة أو ملفاً أمنياً مؤجلاً من جولة إلى أخرى، فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إدارة نتائج الظلم، بل على معالجة جذوره، ولعل ما يحتاجه العالم هو أن تنتقل الصين من دبلوماسية الحضور إلى دبلوماسية المبادرة؛ أي من المشاركة في النظام الدولي إلى الإسهام في تطوير قواعده باتجاه العدالة والتوازن والتعددية، ويمكن لبكين أن تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي للدفع نحو نظام دولي أكثر توازناً، وأن تشجع القوى الكبرى الأخرى على الانتقال من منطق الصراع على النفوذ إلى منطق المسؤولية المشتركة.


وتبرز التنمية هنا باعتبارها شرطاً أساسياً للسلام، فالحروب لا تنشأ من الخلافات السياسية وحدها، بل كثيراً ما تنمو في بيئات الفقر والتهميش وانعدام الفرص واتساع الفجوات بين الدول والشعوب، ولذلك، فإن التعاون في مكافحة الفقر، والأمن الغذائي، والصحة، والتعليم، والتحول الأخضر، والتكنولوجيا، يمكن أن يشكل بعداً أساسياً في بناء عالم أكثر استقراراً وعدالة، فالسلام ليس غياب الحرب فحسب، بل أن يشعر الإنسان بأن له مكاناً في المستقبل، وأن كرامته مصونة، وأن التنمية حق مشترك لكل الشعوب.


ويتصل ذلك بالأمن والحضارة، فالأمن لا يمكن اختزاله في القوة العسكرية، والتنمية لا تنفصل عن الاستقرار، والحوار بين الحضارات ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية في عالم تتزايد فيه مخاطر الصدام وسوء الفهم والتعصب، ويمكن للصين، بحكم امتدادها الحضاري والتاريخي، أن تسهم في ترسيخ دبلوماسية حضارية تجعل الثقافة جسراً بين الشعوب، وتفتح المجال لمعرفة الآخر بعيداً عن الصور النمطية.


إن مستقبل العالم لن تصنعه القوة وحدها، بل القدرة على الجمع بين القوة والمسؤولية، والمصالح والعدالة، والسيادة والتعاون، والتنمية والسلام، وليس المطلوب من الصين أن تحمل وحدها عبء إنقاذ العالم، وإنما أن تستخدم ثقلها للدفع نحو نظام دولي أكثر توازناً، وأن تسهم في إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، وتوسيع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على منع النزاعات وتسويتها.


وفي عالم تتكاثر فيه الأزمات، تصبح قيمة الدولة الكبيرة في قدرتها على منع الحرب قبل وقوعها، وإنهائها حين تقع، وصناعة شروط السلام بعد انتهائها، وهذه هي، في جوهرها، دبلوماسية الدولة الكبيرة التي يحتاجها القرن الحادي والعشرون، وليست المسألة أن تصبح الصين «قائدة للعالم» بالمعنى التقليدي؛ فالعالم لا يحتاج إلى قائد جديد بالمعنى الإمبراطوري، وإنما إلى توازن دولي جديد، لا مركز فيه إلا الإنسان، ولا قاعدة فيه إلا العدالة، ولا غاية له إلا السلام والتنمية والكرامة.


ومن فلسطين، التي دفعت ثمناً باهظاً من دمها وذاكرتها وحقها في الحرية، تبدو الحاجة إلى هذا التحول أكثر إلحاحاً، فإذا عجز النظام الدولي عن حماية شعب من الحرب والاقتلاع والاحتلال، فإن إصلاح النظام نفسه يصبح جزءاً من معركة السلام، وإذا أرادت الصين أن تجعل من رؤيتها لمستقبل مشترك للبشرية مشروعاً تاريخياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، فإن فلسطين ستكون أحد الاختبارات الكبرى لهذا المشروع، فالعالم لا يقاس فقط بما تملكه الدول من قوة، بل بما تفعله بهذه القوة، وقد يكون أعظم ما تستطيع الدولة الكبيرة أن تفعله بقوتها ألا تستخدمها لإخضاع العالم، بل لتمنح البشرية فرصة جديدة كي تتعلم كيف تعيش من دون حرب.

شاهد أيضاً

خبير استثماري عربي: دورة الألعاب العالمية للروبوتات في بكين تفتح آفاقاً واعدة للتعاون التكنولوجي بين الصين والعالم العربي

خبير استثماري عربي: دورة الألعاب العالمية للروبوتات في بكين تفتح آفاقاً واعدة للتعاون التكنولوجي بين الصين والعالم العربي

شفا – أشاد طارق المنصوري، المستشار الاستثماري ومحلل قطاع الروبوتات في صندوق استثماري للتكنولوجيا المستقبلية …