
في مطعم التنين لا يوجد سوى السلام والطعام الشهي ، بقلم : تيان جيانينغ
يروي الفيلم الصيني “مرحبا بكم في مطعم التنين” قصة مؤثرة عن حقبة مضطربة بتفاصيل دقيقة. يسافر الطاهي الصيني شو فو إلى الشرق الأوسط بحثا عن الرزق، ويدير “مطعم التنين” مستخدما مهاراته في الطهي الصيني. في البداية، كان هذا المطعم الصغير مجرد وسيلة لكسب عيشه في أرض غريبة، لكن اندلاع الحرب المفاجئ بدّد هذا السلام. والأكثر إثارة للدهشة، أن هذا المطعم الذي يبدو عاديا أصبح مأوى مؤقتا للسكان المحليين النازحين. ” في مطعم التنين لا يوجد سوى السلام والطعام الشهي” – هذه العبارة البسيطة تلخص جوهر الفيلم، مانحة المطبخ المتواضع قوة صمود هائلة في وجه ويلات الحرب.
يستلهم الفيلم أحداثه من تجارب واقعية لعمال صينيين في مطاعم بالشرق الأوسط، ثابروا في أعمالهم وسط المخاطر، محافظين على الحياة والأمل مع كل وجبة ساخنة. هذه الأصالة تجعل رسالة الفيلم المناهضة للحرب أكثر صدقا وتأثيرا.
وما يميز الفيلم بصورة خاصة هو أنه يتحدث عن الحرب والسلام من خلال عبارة “كُلْ جيدًا”.
قال المخرج ون موييه ذات مرة إن والدته كانت تردد دائما: لا يوجد في الحياة ما هو أهم من أمرين: أن تأكل جيدا، وأن تربي أبناءك جيدا. وقد أصبح هذا القول البسيط، الذي يُعبّر عن الحياة اليومية، جوهر روح الفيلم. ففي الثقافة الصينية، لا يقتصر تناول الطعام على إشباع الجوع؛ فالمائدة ترمز إلى لمّ شمل الأسرة والوئام والمشاركة، ويمكن لوجبة واحدة أن تقرب المسافات بين الناس، بل وأن تساعد على حل الخلافات.
لذا، عندما يغرق مطعم التنين في وابل من الرصاص، يكتسب الدخان المتصاعد من الموقد دلالة خاصة. “في مطعم التنين، لا يوجد سوى السلام والطعام الشهي” – تكشف هذه العبارة البسيطة ظاهريا عن الفهم الأساسي للحياة السلمية لدى الصينيين: فالسلام ليس مفهوماً مجرداً، بل يعني أن يتمكن الإنسان من تناول وجبته بأمان، ورعاية أطفاله، ولمّ شمل أسرته.
ومن القيم المهمة الأخرى التي يجسدها الفيلم وضع الإنسان في المقام الأول واحترام الحياة.
فالأشخاص الذين يعيشون الحرب لا يُختزلون ببساطة إلى طرفين: أصدقاء وأعداء. فالطاهي يريد كسب المال، والطفل يريد البقاء على قيد الحياة، والجندي يريد العودة إلى منزله، والآباء يريدون أن يكبر أبناؤهم بأمان. ورغم اختلاف هوياتهم، فإنهم يتشاركون الأمنيات نفسها أمام الحرب. يحمي شو فو وما جونشنغ نازحي الحرب ليس لأنهم وُلدوا أبطالًا، بل لأنهم شهدوا معاناتهم. إن عبارة الفيلم “إنهم ليسوا أطفالك” – “إنهم أطفال أيضا” – هي تعبير دقيق عن هذا التعاطف البسيط.
بعد عشرين عامًا، يعود شو فو إلى مطعم التنين ويرى الصبي الذي رآه آنذاك، سيف، يحمل مغرفة الطبخ بدلا من بندقية. لتصبح هذه التفصيلة أقوى رمز في الفيلم بأكمله: طفل لم تشكله الحرب ليصبح وارثا للكراهية، بل استعاد حياته.
يُوصل إلينا فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” رسالة مفادها قيمة الحضارة لا تكمن في القوة العسكرية الجارفة، بل في القوة الناعمة التي تغذي الحياة وتواسي المعاناة. الصينيون لا يؤمنون بالخلاص البطولي، بل يثقون بأن لطف كل إنسان عادي، مهما كان صغيراً، يستطيع أن يشكّل معاً وميض سلام خافتاً؛ ولا ينشدون معياراً واحداً للقيم، بل يحترمون حق كل دولة في اختيار طريق تنميتها بإرادتها، ويدعون إلى تعايش وتكاثر الحضارات المتعددة في آن واحد.
قد يُطهى الطعام في قدر، لكن مائدة الطعام تجمع بين أناسٍ مختلفين.
من “تناول الطعام بشكل جيد” إلى “تربية الأطفال بشكل جيد”، يروي فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” قصة تتجاوز الحدود الوطنية، فبغض النظر عن أصول الناس، فإن ما يسعون إليه في نهاية المطاف هو الأمان والكرامة والأسرة والمستقبل الجيد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.