
رغم الحديث عن “اليوم التالي” مشاعر الشك وعدم اليقين تسيطر على سكان غزة ، بقلم : ليان الكرمي
في الوقت الذي تتواصل فيه التغطيات الإعلامية والنقاشات السياسية حول الاتفاقات المطروحة وما يُعرف بـ”اليوم التالي” في قطاع غزة، تبدو اهتمامات السكان مختلفة إلى حد كبير. فبينما يتركز الاهتمام على مستقبل الترتيبات السياسية والإدارية، لا تزال مشاعر الحذر وفقدان الثقة تهيمن على شريحة واسعة من المواطنين الذين ينتظرون تغيرًا ملموسًا في واقعهم اليومي قبل إصدار أي أحكام متفائلة.
ويرى مراقبون أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أصبحت أكثر وضوحًا خلال الفترة الأخيرة، إذ يعيش السكان ظروفًا إنسانية ومعيشية صعبة، جعلتهم ينظرون إلى أي اتفاقات جديدة بمنظور عملي يقوم على النتائج، لا على التصريحات أو الوعود.
وتشير انطباعات متداولة بين عدد من سكان القطاع إلى وجود حالة من التشكيك بشأن إمكانية التزام حركة حماس بما يتم الإعلان عنه من تعهدات مرتبطة بالمرحلة المقبلة. ويعزو كثيرون هذا الموقف إلى تجارب سابقة، حيث لم تحقق العديد من التفاهمات السياسية، بحسب رأيهم، تغييرًا ملموسًا في حياتهم اليومية، الأمر الذي أدى إلى تراجع مستوى الثقة في الوعود التي ترافق كل جولة من المفاوضات.
ويؤكد سكان أن الأولوية بالنسبة لهم لم تعد تتمثل في متابعة تفاصيل الاتفاقات أو التصريحات السياسية، بقدر ما تتمثل في رؤية تحسن حقيقي على الأرض. ويقولون إن أي اتفاق لن يكتسب مصداقية إلا إذا انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات الأساسية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية، وتعزيز الاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى طبيعتها.
ويعتقد عدد من المتابعين أن الشعور السائد داخل القطاع يعكس حالة من الإرهاق المجتمعي بعد سنوات طويلة من الأزمات المتلاحقة. فبالنسبة للكثير من الأسر، أصبحت الوعود السياسية أقل تأثيرًا من الواقع الذي يفرض تحديات يومية تتعلق بالسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، وتأمين الاحتياجات الأساسية.
ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن استعادة ثقة المواطنين تمثل أحد أبرز التحديات التي ستواجه أي مرحلة مقبلة. فنجاح الاتفاقات لا يعتمد فقط على توقيعها أو الإعلان عنها، وإنما على قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. كما أن غياب هذه النتائج قد يؤدي إلى استمرار حالة الشك والتردد التي تسود الشارع.
وفي المقابل، يؤكد محللون أن أي عملية سياسية تحتاج إلى وقت حتى تنعكس آثارها على الأرض، إلا أنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن حجم التوقعات الشعبية بات محدودًا، نتيجة تراكم تجارب سابقة لم تلبِّ طموحات المواطنين بالشكل الذي كانوا يأملونه. ولذلك، يفضل كثير من السكان انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة بدلًا من بناء توقعاتهم على ما يُطرح في وسائل الإعلام أو البيانات الرسمية.
ويجمع مراقبون على أن الفجوة القائمة بين المفاوضات السياسية ومشاعر المواطنين تمثل تحديًا حقيقيًا أمام أي جهود تستهدف تحقيق الاستقرار. فكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح من الصعب استعادة الثقة أو إقناع السكان بأن المرحلة المقبلة ستختلف عن سابقاتها.
وفي ظل استمرار الحديث عن “اليوم التالي”، يبقى السؤال الأبرز بالنسبة لسكان قطاع غزة هو ما إذا كانت هذه الاتفاقات ستتمكن من إحداث تغيير فعلي في حياتهم اليومية. وحتى تتضح الإجابة، تبدو مشاعر الحذر والتشكيك هي السمة الغالبة لدى كثير من المواطنين، الذين يرون أن المعيار الحقيقي لنجاح أي اتفاق لن يكون ما يُعلن في المؤتمرات أو وسائل الإعلام، بل ما يلمسونه على أرض الواقع من تحسن في أوضاعهم المعيشية واستعادة قدر من الاستقرار الذي طال انتظاره.
- ليان الكرمي – كاتبة مستقلة وباحثة في الشؤون الفلسطينية والإقليمية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.