10:47 صباحًا / 20 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

غزة مرآة لعجزنا الوجودي ، بقلم : الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها

غزة مرآة لعجزنا الوجودي ، بقلم : الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها

صيحات في السابع من أكتوبر عذبتني.. صرخات في السابع من أكتوبر قتلتني..
أصوات غزة التي حُفرت في ذاكرتي قُلي بربك كيف أنساها!! كيف أنساها!!
أشعر يا غزة بالخيانة.. مع أني والله ما خُنتك؟!
أشعر يا غزة بالعار.. مع أني والله ما بَعتك؟!
أشعر بالغضاضة تنسف أركاني وتهدم بنياني.. مع أني والله ما داهنت ولا بايعت ولا طبّعت ولا فرّطت ولا صفّقت..
ولكني أعترف يا غزة أن سوءتي بانت أمام أطفال بدون رؤوس.. وعورتي انكشفت إزاء نساء دقّت الناقوس..
إلهي.. حبيبي.. مولاي.. أشعر أن صلاتي نفاق.. بيتي نفاق.. طعامي نفاق.. عملي نفاق.. نومي نفاق.. أشعر أن حياتي كلها نفاق..
وأعلم أن دموعي خيانة.. وأن اكتئابي الذي شطر ذاتي الى ذواتٍ قد قامت فيها القيامة..
يا غزة.. لم أعترف طيلة حياتي بسقوطي لأي كائن على متن هذه الكبسولة.. ولكني اعترف لك بعجزي وعاري وانصهاري..
وأعلم يا غزة أنك سئمت الخطب والمظاهرات والشعر والدعوات.. ولله درّك.. فكيف لغزة أن تتحرر بالكلمات؟!
تقفين بين سنيّ خلع العذار.. وبين شيعي يخشى العار!!
أيّها السابع من أكتوبر.. باسمك آمن من آمن، وكفر من كفر، وأنا أؤمن أن نصر الله آت، ولكني لا أعلم إن كان الله سيقبل اعتذاري؟
يا شعب غزة.. هل تقبلون اعتذاري؟
يا شعب غزة.. ما الحيلة والرصاصة في يد غيري!!
أما هذه الرصاصة فلا أعلم كيف أطلقها.. وأما الكلمة فقد قلتها.. وللعلم أنه في البدء كانت الكلمة، ولا يختلف اثنان على أن الكلمة مسؤولية..
ولأن وطني يعاني من التلون السياسي في زمن يحتاج فيه إلى كل قلم واعٍ، كي يعيد رسم المشهد الفلسطيني كما هو، دون صمت أو تزييف أو تخاذل أو نفاق أو هروب، فقد أطلقت كلمتي.. وفي كل حرف حرّ فيها كنت أشعر بالحياة، إلا أن أحرفي كانت تحوم في رقعتي غريبة.. على يد ابتسامات حقيرة، كانت تعطيني يداً تُسبح، وبالأخرى خنجراً يذبح!!
ولا أخفيكم أن السبات كان خيارا وجودياً للعملاق العربي النائم، الذي اعتبر الوطن جاسوسا.. فانتزع أسنانه، وقطع أصابعه، واحتجز أرواحه الثائرة قبل غفوته..
وأما عن حيوان أمريكا فقد اطعمنا خبز الرعب، ثم لوّن التاريخ، قصف المناهج، صنع الأحزاب، ومزق القصائد وأحشاء ذلك الطفل الذي خرجت رغما عنه في مكاتب السمسرة الصغيرة..
إن أكاذيب أمّة ال 2 ميار مسلم فضحتها لحظة حزينة لطفل من غزة ولد في وسط المحرقة، فصلت رأسه عن جسده قبل أن يزفر زفرته الأولى، وطار رأسه في الفضاء كعصفور حر يرفرف نحو ربه ليخبره بكل ما جرى..
وأمام تآكل المعنى وانهيار “اللوغوس” في عالم يمتلك كل الأدوات والتكنولوجيا التي وصلت به إلى كوكب المريخ، بينما يقف عاجزاً (أو متواطئاً) عن إيصال شربة ماء أو ضمادة جرح لبقايا طفل في بقعة ضيقة مكشوفة، كنت ومازلت أبحث عن صوتي المقهور فيها، أنادي على أجزائي المنثورة هناك على أرض غزة “رأس طفل مقطوع أقبله، جزء من جسد طفلة أحتفظ به”، أتوسلهم أن يسامحوني.. أن يغفروا لي.. أن يتجاوزوا عن ضعفي وقلة حيلتي وعاري وانصهاري.. لعل الله يغفر لي ويصفح عني..
ولا أعلم إن كان الله سيقبل اعتذاري..
يا شعب غزة.. هل تقبلون اعتذاري؟
غزة.. أشهد الله أني حاولت، ولكن ما بيدي حيلة ولا وسيلة، ويعلم الله كمّ المأزق الفكري والوجودي الذي أتعرض له، والذي خلق فجوة مرعبة بين وعيي والواقع، والذي أرغمني لإعادة تعريف علاقتي بهذا الكوكب الأزرق المشلول..
وفي وسط هذا الشلل الإرادي، والمسيرات المخصية، وإغترابي عن الذات، أمام مسرحية دموية لا أملك حق إغلاق ستارتها، أصبح بكائي مجرد ذبذبة صوتية تائهة في فضاء إلكتروني لا يغير من واقع المجازر شيئاً.. لكني أحاول أن أتحدث عن هذا الشرخ الأخلاقي العميق؛ لأن الفرد يشعر – فلسفياً – أنه يعيش على حساب موت غزة التي لم يستطع إنقاذها؟!
ختاماً.. إن فلسفتي لعجزي وألمي لا تقدم عزاءً له، لكنها تمنح العجز بُعداً آخر، وهو أن استمرار شعورك بالعجز والألم لما يحدث في غزة هو الدليل الأخلاقي الأخير على أنك لم تمت إنسانياً بعد.. فيا كوكب الأرض هل مت إنسانيّاً أم مازلت بعد؟!
الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د. محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.

شاهد أيضاً

د. مجدلاني من قلقيلية: النضال الشعبي تستعد لخوض الانتخابات ونأمل تشكيل قائمة وطنية ببرنامج يلبي حاجة المواطن

د. مجدلاني من قلقيلية: النضال الشعبي تستعد لخوض الانتخابات ونأمل تشكيل قائمة وطنية ببرنامج يلبي حاجة المواطن

شفا – استقبل محافظ محافظة قلقيلية اللواء حسام أبو حمدة في دار المحافظة ، الأمين …