11:16 صباحًا / 19 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

ما بعد اليسار التقليدي: يسار فلسطيني يستجيب لأسئلة العصر ويصوغ مشروع المستقبل ، بقلم : محمد علوش

ما بعد اليسار التقليدي: يسار فلسطيني يستجيب لأسئلة العصر ويصوغ مشروع المستقبل ، بقلم : محمد علوش

لم يعد السؤال المطروح أمام اليسار الفلسطيني اليوم متعلقاً بمجرد الحضور في المشهد السياسي أو بحجم التمثيل التنظيمي، بل أصبح سؤالاً يتصل بجوهر دوره التاريخي: ما معنى أن تكون يسارياً فلسطينياً في القرن الحادي والعشرين؟ وما الذي يستطيع اليسار أن يضيفه إلى النضال الوطني والاجتماعي والديمقراطي؟ وكيف يستعيد دوره قوة للاقتراح والتغيير، لا مجرد صوت للاعتراض أو حارساً لذاكرة الماضي؟


تفرض التحولات العميقة التي شهدها العالم والمجتمع الفلسطيني إعادة فتح هذا السؤال، فالعالم الذي نشأت فيه معظم تجارب اليسار لم يعد هو العالم نفسه، كما أن أنماط العمل والإنتاج والعلاقات الاجتماعية تغيرت بفعل التكنولوجيا واقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، وظهرت قوى وشرائح اجتماعية جديدة، وتبدلت طبيعة العلاقة بين الإنسان والعمل والثروة والقوة، ومن هنا، فإن تجديد اليسار لا يعني تجميل الخطاب أو استبدال الشعارات، وإنما إعادة تأسيس فكرية وسياسية وتنظيمية تحفظ جوهره التحرري والإنساني، وتعيد صياغته بما يستجيب لأسئلة العصر.


وفي نقاش فكري وسياسي معمق مع الرفيق حسن محمود من الساحة السورية، برزت أهمية الانتقال من الدفاع عن التجارب السابقة إلى نقدها وإعادة قراءتها، فالتجربة التاريخية لا تحترم بتقديسها، بل بفهم نجاحاتها وإخفاقاتها، والتمييز بين ما يبقى صالحاً من مبادئها وما يحتاج إلى تطوير، فاليسار ليس منظومة مغلقة أو عقيدة جامدة، وإنما هو منهج نقدي في فهم المجتمع، وموقف من الظلم والاستغلال والتفاوت، ومشروع للتحرر والعدالة، وإذا فقد هذه الروح النقدية، تحول من قوة تغيير إلى قوة تحافظ على ذاكرتها أكثر مما تصنع مستقبلها.


لقد كان اليسار الفلسطيني جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية، وأسهم في النضال ضد الاحتلال، وفي الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفئات المهمشة، وفي هذا السياق، تمثل تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني جزءاً من هذا الإرث، بما راكمته من حضور وطني واجتماعي وتنظيمي، ومن محاولة للجمع بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، غير أن قيمة التجربة اليوم لا تكمن في استعادتها كشعار، وإنما في قدرتها على الإسهام في تطوير رؤية يسارية جديدة تتجاوز حدود التنظيم إلى فضاء المجتمع، فالمطلوب ليس تكرار ما قاله اليسار في مراحل سابقة، بل طرح السؤال الأكثر أهمية: ماذا كان سيقول لو أنه واجه أسئلة عام 2026؟
لقد تغيرت طبيعة العمل والبنية الاجتماعية، فلم تعد الطبقة العاملة محصورة في الصورة التقليدية للعامل الصناعي، بل أصبحت تضم العامل في القطاعات الخدمية والإنتاجية، والموظف المؤقت، والمزارع، والعامل في الاقتصاد غير المنظم، والعامل الرقمي، والمهني الذي يواجه سوقاً متغيراً وغير مستقر، وأصبح الاستغلال أكثر تعقيداً، وتداخلت معه قضايا المعرفة والتكنولوجيا والأمان الوظيفي والحق في الحماية الاجتماعية.


لذلك، فإن إعادة تعريف اليسار لا تعني التخلي عن الطبقة العاملة، وإنما إعادة اكتشافها في صورتها الجديدة، والانتقال من البحث عن حامل اجتماعي واحد إلى بناء تحالف اجتماعي واسع يضم العمال والشباب والنساء والمثقفين والمهنيين والطلبة وسائر الفئات المهمشة، وكل القوى التي تتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة والكرامة، فاليسار الذي يريد التأثير لا ينبغي أن يبحث عن مجتمع يشبهه، بل أن يذهب إلى المجتمع كما هو، وأن يحول تنوعه إلى قوة قادرة على التغيير.


وهنا تتقدم مسألة العلاقة بين الوطني والاجتماعي بوصفها إحدى القضايا المركزية في إعادة بناء اليسار الفلسطيني، فالاحتلال والاستيطان والتهجير ومصادرة الأرض والسيطرة على الموارد ليست منفصلة عن البطالة والفقر والتفاوت وغياب الحماية الاجتماعية، كما أن العدالة الاجتماعية تظل ناقصة في ظل استمرار الاحتلال.
إن التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي ليسا مسارين متعارضين، بل وجهان لمشروع واحد، ففلسطين الحرة ليست فقط فلسطين التي تتخلص من الاحتلال، وإنما فلسطين التي تستحق الحرية: دولة ديمقراطية، ومجتمع عادل، واقتصاد منتج، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وحقوق متساوية، وكرامة وطنية وإنسانية.


ومن هذا المنطلق، ينبغي إعادة النظر في مفهوم المقاومة بوصفها فعلاً وطنياً ومجتمعياً متعدداً، يشمل المقاومة الشعبية والجماهيرية والنقابية والقانونية والدبلوماسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، ضمن رؤية وطنية متكاملة تجعل المجتمع شريكاً في فعل التحرر، لا مجرد متلقٍ للقرار السياسي، وتزداد هذه المهمة إلحاحاً في ظل ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من عدوان وحرب وتهجير في قطاع غزة، وتصعيد استيطاني وقمع وتهجير في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مواقف وبيانات فقط، وإنما إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على الدفاع عن المشروع الوطني، ومواجهة واقع وتداعيات الانقسام في الساحة الفلسطينية، واستعادة الديمقراطية، وبناء مؤسسات وطنية موحدة وجامعة، وفتح أفق سياسي أمام الشعب الفلسطيني.


ومن هنا ينبغي لليسار أن يطرح نفسه جزءاً من البديل الوطني الديمقراطي، لا مجرد طرف ثالث في المشهد السياسي، والبديل لا يعني شعاراً انتخابياً، بل مشروعاً لإعادة بناء الحياة السياسية على أساس الشراكة والمشاركة والتعددية والمساءلة وسيادة القانون، وربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية.


أما وحدة اليسار، فلم تعد خياراً تنظيمياً مؤجلاً، بل ضرورة سياسية، لكنها لا تبدأ بجمع الهياكل، وإنما بوحدة الرؤية والبرنامج، وهي تحتاج إلى مراجعة فكرية مشتركة، وتحديد واضح للمهمات الاستراتيجية والمرحلية، وبناء صيغة أكثر انفتاحاً على المجتمع، وأكثر قدرة على استيعاب الشباب والنساء والكفاءات الجديدة، والأهم أن وحدة اليسار ينبغي ألا تكون غاية مغلقة على ذاتها، بل خطوة جادة نحو بناء أوسع ائتلاف وطني ديمقراطي وتقدمي ومجتمعي، فاليسار الواثق من هويته الفكرية والسياسية والبرنامجية لا يخشى التحالفات، بل يجعل منها وسيلة لتوسيع أثره الاجتماعي والسياسي.


وفي الوقت نفسه، يحتاج اليسار إلى إعادة بناء علاقته بالمجتمع، فالمجتمع ليس جمهوراً انتخابياً يظهر في مواسم الانتخابات، بل شريك في صناعة السياسة، ولذلك يجب الانتقال من تنظيم يتحدث باسم الناس إلى تنظيم يصغي إليهم، وينظم طاقتهم، ويشاركهم إنتاج البدائل، وهذا يستدعي أيضاً تجديد الأدوات التنظيمية والسياسية، والانفتاح على الفضاء الرقمي، وإعطاء الشباب دوراً حقيقياً في صناعة القرار، فالجيل الجديد لا يمكن جذبه إلى السياسة بأدوات الماضي، بل بإشراكه في بناء أدوات المستقبل.
ومن هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي جزءاً من السؤال اليساري نفسه، لأنهما يعيدان تشكيل العمل والتعليم والمعرفة والثروة، ويطرحان قضايا جديدة تتعلق بالحقوق الرقمية والخصوصية وفرص العمل وتوزيع المعرفة، واليسار الذي لا ينتج موقفاً من هذه التحولات سيجد نفسه خارج جزء أساسي من مستقبل المجتمع.


وفي الحالة الفلسطينية، ينبغي أن تتحول المعرفة والتكنولوجيا إلى أدوات للصمود والتنمية وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مقاومة التبعية، من خلال الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والابتكار والمهارات، وربطها بمشروع اقتصادي وطني منتج، فاليسار لا يستطيع أن يرفع شعار العدالة الاجتماعية من دون تقديم تصور اقتصادي واضح يقوم على دعم الإنتاج الوطني، وحماية العمال، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير الزراعة، والاستثمار في التعليم والصحة والمعرفة، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني، وبناء علاقة أكثر توازناً بين القطاع العام والقطاع الخاص.


وفي هذا السياق، فإن الاشتراكية التي يحتاج إليها عصرنا ليست استنساخاً لتجارب تاريخية انتهت شروطها، وإنما فكرة متجددة للعدالة في توزيع الفرص والثروة والمعرفة والقوة، والاشتراكية الفلسطينية، إذا أرادت أن تكون قابلة للحياة، ينبغي أن تنبع من خصوصية المجتمع الفلسطيني وواقع الاحتلال وحاجته إلى اقتصاد مقاوم ومنتج وعادل، لا أن تستورد نماذج جاهزة.


إن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، بما تمتلكه من تجربة تاريخية ووطنية واجتماعية، يمكن أن تكون جزءاً من هذه العملية، لا عبر الاكتفاء بالحفاظ على حضورها التنظيمي، وإنما من خلال الإسهام في إنتاج رؤية يسارية فلسطينية معاصرة، وتحويل تجربتها المتراكمة إلى معرفة سياسية قابلة للتطوير، والانفتاح بصورة أوسع على مكونات المجتمع وقواه الجديدة، فالمنظمات لا تتجدد بتغيير شعاراتها، وإنما بتغيير علاقتها بالمجتمع، وطريقة إنتاج القرار، وقدرتها على استقطاب الأجيال الجديدة، وإنتاج المعرفة والسياسات، والانتقال من رد الفعل إلى المبادرة الخلاقة.


ولعل الدرس الأهم من التجارب اليسارية الفلسطينية والعربية والعالمية أن الأزمة لا تبدأ عندما يخسر اليسار الانتخابات، وإنما عندما يتوقف عن إنتاج الأسئلة، فالخسارة السياسية يمكن تعويضها، أما فقدان القدرة على التفكير فيعني فقدان الوظيفة التاريخية.


إن اليسار الذي نحتاج إليه ليس يساراً بلا ذاكرة، ولا يساراً أسير الذاكرة، إنه يسار يحول التاريخ إلى خبرة، والتراث إلى معرفة، والنقد إلى قوة بناء، يسار لا يهرب من قضايا الطبقة العاملة، بل يعيد اكتشافها؛ ولا يفصل الوطني عن الاجتماعي، بل يربط التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية؛ ولا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يقدم البديل.


إن المهمة اليوم ليست إنقاذ اليسار من التاريخ، وإنما استعادة دوره في المستقبل، وهذه هي اللحظة التي ينبغي فيها الانتقال من الدفاع عن الإرث إلى تطويره، ومن استعادة الماضي إلى صناعة المستقبل، ومن الحفاظ على الوجود إلى استعادة الدور، ومن تمثيل اليسار إلى إعادة بناء اليسار، ومن يسار التنظيمات إلى يسار المجتمع، فيسار المستقبل ليس يسار القوالب الجاهزة ولا الشعارات المستعادة، بل يسار الإنسان والحرية والعدالة والمساواة والكرامة؛ يسار يمتلك جذوراً عميقة في تاريخ شعبه، لكنه لا يعيش في الماضي؛ يقرأ العالم من حوله دون أن يفقد بوصلته؛ ويقاوم الاحتلال، وفي الوقت ذاته، يبني شروط المجتمع الذي يستحق أن يتحرر.


والتاريخ لا يمنح فرصه للقوى التي تكرر نفسها، وإنما للقوى التي تمتلك شجاعة السؤال، وجرأة النقد، وقدرة التجديد، وإرادة بناء البديل، واليسار الفلسطيني، إذا امتلك هذه الشجاعة، لا يزال قادراً على أن يكون أكثر من ذاكرة نضالية عظيمة؛ قادراً على أن يصبح قوة فاعلة في صياغة فلسطين القادمة.

شاهد أيضاً

اللواء علام السقا يلتقي رؤساء البلديات والهيئات المحلية وشخصيات وطنية ومجتمعية في ضواحي القدس

اللواء علام السقا يلتقي رؤساء البلديات والهيئات المحلية وشخصيات وطنية ومجتمعية في ضواحي القدس

شفا – عقد مدير عام الشرطة اللواء علام السقا، لقاءً مجتمعياً مع رؤساء البلديات والهيئات …