3:38 مساءً / 15 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

عظامُكَ تعرفُ الطريق .. (إلى سليم النفّار، الشاعر الشهيد، الذي ما زالت عظامه تحت أنقاض غزة) بقلم : محمد علوش

عظامُكَ تعرفُ الطريق .. (إلى سليم النفّار، الشاعر الشهيد، الذي ما زالت عظامه تحت أنقاض غزة) بقلم : محمد علوش

يا سليمُ،
تركتَ القصيدةَ
نصفَ بابٍ
على ريحٍ من الدم،
وتركتَ صوتَكَ
معلّقاً في زقاقٍ
لم يعدْ يعرفُ
إلى أينَ يمضي.

خرجتَ من البيت
ولم تخرجْ منه؛
ظلَّ ظلُّكَ
على عتبةِ الباب،
وظلَّت يدُكَ
تفتّشُ في الهواء
عن جملةٍ
لم يُمهلْها الخراب.

منذ ذلك الوقت،
وغزةُ
تقلّبُ أسماءَها
تحت الركام،
وتضعُ أذنَها
على صدرِ الأرض
لعلّها تسمعُ
دقّةً واحدةً
من قلبِ شاعر.

يا سليم،
لم يهدموا القصيدةَ،
هدموا جدارَها فقط؛
فخرجتْ إلى العراء،
حافيةً،
تجرحُها الحجارةُ
ولا تنكسر.

صار الكلامُ
أقربَ إلى التراب،
وصار الترابُ
أبعدَ من الكلام.

تحتَ هذا الركام
لا تنامُ وحدكَ
هناكَ
تحتَ طبقاتِ الليل،
حيثُ لا تصلُ الطائراتُ
إلى سرِّكَ الأخير،
تضعُ عظامُكَ
أذنَها على الأرض،
وتصغي.

البحرُ قريبٌ
كلُّ موجةٍ
تأتي من جهةِ المتوسط
تحملُ شيئاً من صوتِكَ،
تضربُ صدرَ المدينة،
ثم تعودُ
وفي فمِها
ملحٌ كثير
ولا جواب
كأن البحرَ
يعرفُ أنَّ الذينَ يرحلون
لا يتركونَ أجسادَهم كلَّها؛
شيءٌ منهم
يبقى في الرمل،
شيءٌ في جدارٍ مائل،
شيءٌ في يدِ أمّ،
وشيءٌ
يظلُّ معلّقاً
في آخرِ سطر.

يا سليم،
أيُّ موتٍ هذا
الذي يدفنُ الجسد
ويتركُ القصيدةَ
مستيقظة؟
أيُّ غيابٍ
هذا الذي كلما حاولَ
أن يُغلقَ الباب
دخلتْ منهُ غزة؟

أنتَ تحتَ المدينة،
والمدينةُ فوقَك
لكنَّ الأرضَ
لا تعرفُ كيفَ
تُخفي شاعراً
كلما أزاحَ الليلُ
حجراً عن حجر،
خرجَ من الشقوق
حرفٌ،
ومن الحرفِ
نَفَسٌ،
ومن النفسِ
وجهُ أمٍّ
لم تتعبْ من النداء
وكلما نامتْ غزةُ
على كتفِ الخراب،
مرّتْ قصائدُكَ
بين بيوتها المهدّمة،
تجمعُ من النوافذ
ما تبقّى من الضوء،
وتخبّئهُ
في جيبِ طفل.

لا تقلْ: غبتُ
فالغيابُ
أن تُغلقَ وراءكَ
كلَّ الجهات.
وأنتَ
تركتَ للريحِ جهة،
وللبحرِ جهة،
وللترابِ جهة،
وتركتَ غزةَ
مفتوحةً
على سؤالٍ
لا ينام:
متى يصيرُ الركامُ
أثقلَ من ضميرِ العالم؟
ومتى يفهمُ الذينَ
ينظرونَ من بعيد
أنَّ القصيدةَ
حين يكونُ الوطنُ
تحتَ الأنقاض،
ليست زينةَ الكلام،
بل آخرُ ما تبقّى
للروحِ كي لا تتحوّلَ
إلى حجر؟

يا سليم،
لا أريدُ أن أقولَ لكَ
نمْ
فالنائمُ
لا يسمعُ البحر
وأنتَ
تسمعُهُ الآن،
أعرف
تسمعُ غزةَ
وهي تقلبُ ليلَها،
وتسمعُ أمّاً
تتهجّى اسمَ ابنِها
على ركامِ بيت،
وتسمعُ طفلاً
يجرّ خطوتَهُ الصغيرة
نحوَ صباحٍ
لم يُكتبْ بعد.

سيأتي يومٌ،
ليس بعيداً عن التراب،
تمدُّ فيهِ يدٌ
إلى الحجر،
ثم يدٌ أخرى،
ويُزاحُ الصمتُ
طبقةً طبقة
وحينَ يجدونَكَ،
لن يقولَ الترابُ:
هنا جثمان
سيقول:
هنا
كانَ رجلٌ
يضعُ قلبَهُ
في قصيدة،
ثم يمضي
وسيخرجونَ عظامَكَ
من عتمتِها
كما يُستعادُ جذرُ شجرةٍ
ظلَّ طويلاً
يعملُ في الظلام.

لن تكونَ وحدكَ
ستنهضُ معكَ
أسماءٌ كثيرة،
وأمهاتٌ
حفظنَ أبناءَهنَّ
في الذاكرة
حين عجزَت الأرضُ
عن حفظِهم،
وقصائدُ
لم تجدْ وقتاً
لتقولَ تماماً ما أرادت
وحينها،
يا سليم،
لن يكونَ للترابِ
آخرُ الكلام
فالعظامُ
لا تضيعُ
حين تكونُ لها
جهةٌ
وعظامُكَ تعرفُ الطريق
من تحتِ الركام
إلى جذورِ الشجر،
ومن جذورِ الشجر
إلى ظلٍّ فلسطينيّ
يمتدُّ فوقَ البحر،
ثم إلى يدِ شاعرٍ آخر
يفتحُ ديوانَكَ
فيقرأ:
غزةُ ليست
ما تبقّى من مدينة
غزةُ
ما تبقّى من الإنسان
حين يسقطُ كلُّ شيء
وغزةُ
ستكتبُ اسمَها
بالحجرِ
والملحِ
والدمِ
والشعر
وستعرفُ،
ذاتَ فجرٍ
لا يعرفُهُ الركام،
أنَّ عظامَكَ
لم تكنْ تحتَ الأرض
كانتْ
تحتَ القصيدةِ،
تُمسكُ جذورَها
كي لا تسقط.

شاهد أيضاً

الرئيس الصيني شي جين بينغ

نشر مقال شي بشأن تعزيز قدرات إدارة الكوارث

شفا – من المقرر أن يُنشر مقال بقلم شي جين بينغ، الأمين العام للجنة المركزية …