
اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من أزمة التنظيم إلى سؤال المشروع التاريخي ، بقلم : محمد علوش
لم تكن لدي رغبة في العودة مرة أخرى إلى الكتابة عن واقع اليسار الفلسطيني، فقد بدا لي أن ما كتب خلال السنوات الماضية كافٍ لإثارة النقاش حول أزمته وتعثره، غير أن مجموعة الأسئلة العميقة التي طرحها عليّ الرفيق العزيز أسامة شنارة أعادت فتح هذا الملف من زاوية مختلفة، ولم تكن تلك الأسئلة مجرد استفسارات سياسية، بل كانت تعبيراً عن قلق وطني وفكري مشروع، وعن محاولة جادة لفهم الأسباب التي دفعت أحد أهم التيارات التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني إلى التراجع عن موقعه التاريخي، بعدما كان في مراحل طويلة أحد أبرز صناع الحركة الوطنية وقادتها الفكريين والسياسيين.
وجاء ذلك متزامناً مع انتهائي من إعداد كتاب يحمل عنوان «بيان من أجل يسار عربي متجدد»، وهو مشروع فكري أحاول من خلاله إعادة التفكير في مستقبل اليسار العربي عموماً، واليسار الفلسطيني على وجه الخصوص، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأزمات التي يعيشها اليسار ليست حوادث عابرة أو تعثرات تنظيمية مؤقتة، بل هي أزمة مشروع تاريخي يحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد تعريف أدواره وأدواته ووظيفته الاجتماعية في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ولذلك فإن هذا المقال لا يهدف إلى توزيع الاتهامات، ولا إلى ممارسة جلد الذات، كما لا يسعى إلى الدفاع عن تجربة بعينها أو التقليل من شأن أخرى، وإنما ينطلق من إيمان بأن النقد الموضوعي هو الشرط الأول لأي عملية نهوض، فالحركات التي تخشى مراجعة نفسها محكومة بالبقاء أسيرة الماضي، أما الحركات الحية فإنها تجعل من النقد وسيلة لإعادة اكتشاف ذاتها وتجديد مشروعها التاريخي.
إن أزمة اليسار الفلسطيني لا يمكن فهمها باعتبارها أزمة تنظيمات سياسية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة علاقة بين الفكرة والواقع، وبين المشروع والمجتمع، وبين التاريخ والمستقبل، فاليسار لم يفقد جزءاً من حضوره بسبب أخطاء انتخابية أو تراجع تنظيمي فقط، وإنما لأن العالم الذي نشأ فيه قد تغير بصورة جذرية، بينما بقي جزء مهم من بنيته الفكرية والتنظيمية يتحرك داخل خرائط قديمة لم تعد قادرة على تفسير التحولات الجديدة أو التأثير فيها.
لقد نشأ اليسار الفلسطيني في سياق تاريخي اتسم بصعود حركات التحرر الوطني، وبالاستقطاب الدولي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وبهيمنة فكرة الدولة الوطنية والتنمية الموجهة ودور القطاع العام، وكانت تلك البيئة تمنحه فضاء فكرياً وسياسياً واسعاً، كما جعلته جزءاً من حركة أممية كبرى تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي.
غير أن انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، وصعود العولمة النيوليبرالية، والثورة الرقمية، والانتقال من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة والبيانات، كلها عوامل أعادت تشكيل السياسة والاقتصاد والثقافة، وفرضت على جميع التيارات السياسية مراجعة أدواتها وخطاباتها، وبينما استطاعت قوى عديدة أن تعيد إنتاج نفسها بدرجات متفاوتة، بقي جزء من اليسار العربي والفلسطيني يتحرك داخل منظومات تحليلية لم تعد كافية لفهم عالم الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وسلاسل الإنتاج العابرة للحدود والتحولات العميقة في بنية العمل ورأس المال.
ولعل من الخطأ اختزال أزمة اليسار الفلسطيني في بعدها التنظيمي، رغم أهمية هذا الجانب، فالأزمة التنظيمية ليست سوى انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بضعف القدرة على إنتاج رؤية جديدة للمجتمع الفلسطيني في ظل الاحتلال، وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، فالتنظيمات لا تضعف فقط عندما تتراجع عضويتها، وإنما عندما تتراجع قدرتها على إنتاج الأفكار، وعلى تقديم إجابات مقنعة للأسئلة التي يطرحها المجتمع.
لقد كان اليسار الفلسطيني، لعقود طويلة، أحد الأعمدة الرئيسة للمشروع الوطني الفلسطيني، وشريكاً مؤسساً في بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وصياغة الهوية الوطنية الجامعة، والدفاع عن النضال الوطني بوصفه مشروعاً للتحرر والعدالة في آن واحد، كما أسهم في تأسيس الحركة النقابية والطلابية والنسوية، وقدم آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، وأنجب نخبة من المفكرين والأدباء والمثقفين الذين أثروا الثقافة الفلسطينية والعربية.
غير أن التاريخ، مهما كان عظيماً، لا يمنح أحداً حصانة دائمة، فالشرعية النضالية ليست بديلاً عن الشرعية المتجددة التي يمنحها المجتمع باستمرار للقوى القادرة على تمثيل مصالحه والتعبير عن تطلعاته، والسياسة، في جوهرها، ليست حفظاً للذاكرة، وإنما صناعة للمستقبل.
ومن بين أبرز الإشكاليات التي واجهت اليسار الفلسطيني طبيعة علاقته بالسلطة الوطنية الفلسطينية بعد قيامها، فقد وجد نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو يعارض الأسس السياسية لاتفاق أوسلو، وفي الوقت ذاته يشارك بدرجات متفاوتة في مؤسسات السلطة، وكان الهدف المعلن هو التأثير في القرار الوطني والدفاع عن المشروع الوطني من داخل المؤسسات، غير أن هذه المعادلة أفرزت في أحيان كثيرة فجوة بين الخطاب والممارسة، وأوجدت حالة من الالتباس لدى قطاعات واسعة من الجمهور، التي لم تعد قادرة على التمييز بين المعارضة والشراكة، ولا بين النقد والمشاركة.
وفي الوقت نفسه، أخذت الأزمة التنظيمية تتعمق، فقد تقلصت العضوية، وضعفت آليات استقطاب الشباب، وغابت في بعض التجارب ثقافة التداول الديمقراطي الحقيقي، بينما بقيت الهياكل التنظيمية أسيرة أنماط عمل تقليدية لا تتناسب مع مجتمع رقمي سريع التغير، ولم يعد الجيل الجديد يبحث عن الانتماء الحزبي بوصفه قيمة في حد ذاته، بل عن مساحة للتأثير وصناعة القرار والإبداع والمبادرة.
ولم تكن المشكلة في ندرة الكفاءات، فالمجتمع الفلسطيني لا يزال غنياً بالعقول والخبرات، وإنما في محدودية قدرة المؤسسات الحزبية على استيعاب هذه الطاقات، وتحويلها إلى قوة منتجة داخل البنية التنظيمية، ولذلك بدا المشهد وكأن اليسار يخسر أبناءه الطبيعيين، لا لأنهم تخلوا عن قيم العدالة والحرية، بل لأنهم لم يجدوا الأطر التي تسمح لهم بالمشاركة في صياغة مستقبلها.
وعلى المستوى الفكري، تبدو الأزمة أكثر عمقاً، فاليسار، بحكم تعريفه التاريخي، ليس مجرد إطار تنظيمي، وإنما مدرسة نقدية لفهم الواقع وتغييره، غير أن المبادرة الفكرية تراجعت بصورة ملحوظة، وغاب الاجتهاد القادر على إعادة إنتاج الفكر الاشتراكي في ضوء الأسئلة الجديدة التي يطرحها العصر، ولم يعد كافياً الحديث عن العدالة الاجتماعية بمعناها التقليدي، بينما تتغير طبيعة العمل بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وتتبدل أشكال الإنتاج، وتظهر أنماط جديدة من الاحتكار تقوم على البيانات والمعرفة والمنصات الرقمية.
إن الاشتراكية التي لا تقدم تصوراً لمستقبل الاقتصاد الرقمي، ولحقوق العمال في اقتصاد المنصات، وللسيادة الوطنية على البيانات، وللعلاقة بين التكنولوجيا والعدالة الاجتماعية، تبقى أسيرة القرن العشرين، بينما يتحرك العالم بسرعة نحو منتصف القرن الحادي والعشرين.
وفي الحالة الفلسطينية، تزداد هذه التحديات تعقيداً بسبب استمرار الاحتلال، وسياساته الاستيطانية، والانقسام الداخلي، وتراجع العملية الديمقراطية، وتآكل المؤسسات الوطنية الجامعة، غير أن هذه الظروف، على قسوتها، لا تعفي اليسار من مسؤوليته التاريخية، بل تضاعفها، فكلما تعقدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى قوة تمتلك القدرة على الربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وبين مقاومة الاحتلال وبناء الإنسان، وبين الدفاع عن الأرض وبناء اقتصاد وطني منتج قائم على المعرفة والابتكار.
كما أن حضور اليسار في القضايا اليومية للمواطنين لم يعد بمستوى تاريخه، فالمواطن الفلسطيني، الذي يواجه البطالة والفقر وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، لا ينتظر بيانات سياسية فقط، بل ينتظر حلولاً ومبادرات ونضالات يومية تدافع عن حقه في العمل الكريم، والتعليم، والصحة، والسكن، والضمان الاجتماعي، فالسياسة لا تقاس ببلاغة الشعارات، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس.
ومن هنا فإن استعادة اليسار لدوره لا تبدأ بإعادة إنتاج التحالفات القديمة، ولا بمجرد توحيد الفصائل اليسارية في إطار تنظيمي جديد، رغم أهمية ذلك، وإنما تبدأ بإعادة بناء المشروع الفكري نفسه، وصياغة رؤية وطنية ديمقراطية حديثة تجعل الإنسان الفلسطيني محور التنمية وغاية النضال، وتربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، وبين الديمقراطية والاقتصاد المنتج، وبين المعرفة والسيادة الوطنية.
إن المطلوب اليوم ليس يساراً يحرس ذاكرة الماضي، بل يساراً يصنع المستقبل؛ يساراً يعيد الاعتبار للفكر قبل التنظيم، وللمجتمع قبل الحزب، وللمشروع قبل المواقع، وللقيم قبل الحسابات السياسية الضيقة، يساراً يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وجرأة مراجعة المسلمات، والقدرة على استيعاب التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل العالم، فالقرن الحادي والعشرون يفرض على اليسار أسئلة جديدة حول الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والعدالة المناخية، ومستقبل سوق العمل، والحقوق الرقمية، وأمن المعرفة، وهي كلها قضايا ينبغي أن تصبح جزءاً من البرنامج الوطني والاجتماعي لليسار الفلسطيني، لأن الدفاع عن الإنسان اليوم لم يعد يقتصر على حقه في الأجر والعمل، بل يشمل حقه في المعرفة، وفي التكنولوجيا، وفي الوصول العادل إلى الموارد الرقمية، وفي المشاركة المتكافئة في الاقتصاد الجديد.
إنني لا أعتقد أن اليسار الفلسطيني استنفد دوره التاريخي، كما لا أعتقد أن مستقبله محكوم بالتراجع، لكنني أؤمن بأن المستقبل لا يمنح لمن يكتفي بترديد أمجاد الماضي، بل لمن يمتلك شجاعة إعادة اكتشاف ذاته، فكل مشروع سياسي يتوقف عن التجدد يبدأ بالتآكل، مهما كان تاريخه عريقاً.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى: هل يريد اليسار الفلسطيني أن يكون شاهداً على التحولات، أم فاعلاً في صناعتها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مستقبل اليسار وحده، بل تحدد أيضاً مستقبل الحياة السياسية الفلسطينية، لأن المجتمع الفلسطيني لا يحتاج إلى يسار يعيش في ذاكرته، بل إلى يسار يصنع أفقه، ويستعيد دوره بوصفه قوة تحرر وطني، ومشروعاً للديمقراطية، وحاملاً لقيم العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في وطن ما زال يناضل من أجل حريته واستقلاله.
⦁ محمد علوش – عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.