11:08 صباحًا / 6 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

التنشئة الأسرية مدخل لحماية الطفل وتعزيز تماسك الأسرة ، بقلم : منى سامي موسى

التنشئة الأسرية مدخل لحماية الطفل وتعزيز تماسك الأسرة ، بقلم : منى سامي موسى

تُعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل، وتتكون من خلالها ملامح شخصيته، واتجاهاته، وأساليب تفاعله مع الآخرين. فهي ليست مجرد إطار بيولوجي للرعاية، بل فضاء اجتماعي ونفسي يتعلم فيه الطفل معاني الأمان، والانتماء، والحوار، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخر. ومن خلال التنشئة الأسرية يكتسب الطفل القيم والسلوكيات والمهارات التي تساعده على الاندماج في المجتمع بصورة متوازنة.

إلا أن الحروب لا تؤثر فقط في البنية المادية للأسرة من حيث فقدان المنزل أو الدخل أو الاستقرار المكاني، بل تمتد آثارها إلى البنية الداخلية للعلاقات الأسرية. فالحرب تعيد تشكيل الأدوار داخل الأسرة، وتفرض على أفرادها ضغوطًا يومية قاسية، تجعل الاهتمام بالاحتياجات الأساسية أولوية تتقدم على الحوار والتواصل والرعاية العاطفية. وفي ظل النزوح، وضيق المساحات، وفقدان الخصوصية، يصبح التواصل الأسري أكثر هشاشة، وتضعف قدرة الأسرة على أداء دورها التربوي والاجتماعي بالشكل المعتاد.

لقد فرضت الحرب واقعًا جديدًا على الأسرة، أصبح فيه كل فرد مشغولًا بمهام تفوق قدرته أحيانًا. فالأب منشغل بتأمين الطعام والماء والحماية، والأم تتحمل أعباء متزايدة تتعلق بالرعاية، والنظافة، وإدارة شؤون الأسرة في ظروف غير مستقرة، بينما يجد الطفل نفسه مشاركًا في مسؤوليات لا تتناسب مع مرحلته العمرية. فقد أصبح كثير من الأطفال جزءًا من رحلة البحث اليومي عن الماء، والغذاء، والمساعدات، والاحتياجات الأساسية، الأمر الذي أدى إلى تراجع المساحة المخصصة للعب، والتعلم، والتعبير عن الذات.

لا يكون الخلل في التنشئة الأسرية ناتجًا عن غياب المحبة أو انعدام الاهتمام، بل عن تراكم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تضعف قدرة الأسرة على التواصل. فحين تصبح الأولوية للبقاء وتأمين الحد الأدنى من الحياة، يتراجع الحوار، وتصبح الجلسات الأسرية أقل حضورًا، ويحل الصمت أو التوتر أو الانشغال الفردي محل التفاعل الأسري الدافئ.

ومن أبرز التحولات التي أحدثها النزوح فقدان الخصوصية داخل الأسرة. فقد اضطرت كثير من الأسر إلى العيش في خيام، أو في أماكن مزدحمة، أو داخل بيوت تضم أعدادًا كبيرة من الأقارب والنازحين. هذا الاكتظاظ حرم أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال والفتيات، من المساحة الآمنة للتعبير عن مشاعرهم أو مشكلاتهم أو مخاوفهم. فالطفل الذي يريد أن يتحدث مع أمه قد لا يجد مكانًا بعيدًا عن سمع الآخرين، والفتاة التي تحتاج إلى الإفصاح عن قلقها أو تجاربها قد تفضل الصمت خوفًا من انكشاف خصوصيتها.

ومع تراجع الخصوصية، بدأت تظهر أنماط بديلة للتنفيس والتواصل؛ منها الانعزال، أو الإفراط في استخدام الهاتف، أو اللجوء إلى الكتابة، أو البحث عن شخص خارج الأسرة للتعبير عما لا يمكن قوله داخل البيت. وهذا التحول يعكس ضعفًا في وظيفة الأسرة كمكان آمن للاحتواء والحوار، ويدل على حاجة ملحة لإعادة بناء قنوات التواصل داخلها.

كما أدت الحرب إلى اضطراب الأدوار الأسرية. فالأدوار التي كانت واضحة نسبيًا قبل الحرب أصبحت أكثر تداخلًا وتعقيدًا. الأم لم تعد تقوم بدور الرعاية فقط، بل أصبحت مسؤولة عن إدارة الخوف، والنقص، والنزوح، والمرض، واحتياجات الأبناء اليومية. والأب قد يجد نفسه عاجزًا أمام ظروف تفوق إمكاناته، مما ينعكس على علاقته بأسرته. أما الطفل، فقد يتحول من متلقٍ للرعاية إلى مشارك في أعباء الحياة اليومية. هذا التحول، وإن كان مفهومًا في سياق الطوارئ، إلا أنه يصبح مقلقًا عندما يفقد الطفل حقه في الطفولة، واللعب، والتعبير، والتعلم.

إن التنشئة الأسرية السليمة لا تقتصر على توفير الطعام والملابس والمأوى، رغم أهمية هذه الاحتياجات، بل تشمل أيضًا توفير الأمان النفسي والاجتماعي. فالطفل يحتاج إلى من يسمعه، ومن يجيبه عن أسئلته، ومن يطمئنه عندما يخاف، ومن يساعده على فهم ما يحدث حوله. وفي أوقات الحرب، تزداد أسئلة الأطفال، ويزداد خوفهم، وتظهر لديهم مشاعر متناقضة من القلق، والغضب، والحزن، والارتباك. وإذا لم تجد هذه المشاعر مساحة آمنة للتعبير داخل الأسرة، فقد تتحول إلى عزلة، أو عدوانية، أو اضطرابات في السلوك، أو ضعف في الثقة بالآخرين.

لذلك، يصبح استعادة الحوار الأسري ضرورة تربوية ونفسية واجتماعية. والحوار هنا لا يعني النقاش الطويل أو المثالي، بل يعني أن يجد الطفل وقتًا قصيرًا يشعر فيه بأنه مرئي ومسموع. قد يكون ذلك من خلال سؤال يومي بسيط، أو جلسة عائلية قصيرة، أو إتاحة الفرصة للطفل كي يتحدث عن يومه ومخاوفه ورغباته. فالاستماع الفعال داخل الأسرة يعزز شعور الطفل بالأمان، ويمنحه الإحساس بأن مشاعره مهمة وأن صوته له قيمة.

كما أن التشاور داخل الأسرة يمثل أحد مكونات التماسك الأسري. فعندما يشعر أفراد الأسرة أن آراءهم مسموعة، وأن القرارات اليومية يمكن أن تتم بروح المشاركة لا الفرض، تنشأ بيئة أكثر احترامًا وتوازنًا. وهذا لا يقلل من سلطة الوالدين، بل يعززها بصورة إيجابية قائمة على الثقة لا الخوف. فالطفل الذي يتربى داخل أسرة تحترم الحوار، يتعلم كيف يعبّر عن نفسه دون عنف، وكيف يختلف مع الآخرين دون عدوان، وكيف يحترم وجهات النظر المختلفة.

ومن الجوانب المهمة في التنشئة الأسرية زمن الحرب الانتباه إلى مواهب الأطفال واحتياجاتهم النمائية. فالحرب قد تجبر الطفل على أداء مهام يومية صعبة، لكنها لا يجب أن تلغي حقه في اللعب، والرسم، والكتابة، والخيال، والتعلم. إن تشجيع الطفل على ممارسة موهبته، ولو بإمكانات بسيطة، يعد شكلًا من أشكال الحماية النفسية. فالورقة والقلم، واللعبة الجماعية، والحكاية، والرسم، والغناء، كلها وسائل تساعد الطفل على تفريغ مشاعره واستعادة جزء من توازنه.

إن الأسرة، تمثل خط الدفاع الأول عن الطفل. فهي العمود الفقري الذي يستند إليه في مواجهة الخوف والحرمان وعدم الاستقرار. وإذا حافظت الأسرة على قدر من الحوار والاحتواء والاحترام، فإنها تساهم في تقليل الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على الأطفال. أما إذا تحولت الأسرة إلى فضاء للصمت، أو الصراخ، أو الإهمال العاطفي، فإن الطفل قد يفقد شعوره بالأمان حتى وهو بين أفراد أسرته.

وبناءً على ذلك، فإن دعم التماسك الأسري يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي تدخل إنساني أو اجتماعي موجه للأطفال والأسر في أوقات الحرب والنزوح. فلا يكفي تقديم المساعدات المادية دون الالتفات إلى العلاقات داخل الأسرة، وطبيعة التواصل بين أفرادها، وقدرتها على احتواء الأطفال. فالحماية الاجتماعية للطفل تبدأ من داخل الأسرة، ومن قدرة الوالدين أو مقدمي الرعاية على الاستماع، والاحتواء، وتنظيم الأدوار، وتخفيف التوتر، وخلق مساحة آمنة للتعبير.

ويمكن للأسرة، رغم صعوبة الظروف، أن تتبنى ممارسات بسيطة لكنها ذات أثر عميق، مثل تخصيص وقت يومي قصير للحوار، الإصغاء للأطفال دون مقاطعة أو سخرية، الإجابة على أسئلتهم بما يتناسب مع أعمارهم، تشجيعهم على التعبير بالرسم أو الكتابة، توزيع المهام بما يتناسب مع قدراتهم، وتجنب تحميلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم. كما ينبغي تعزيز ثقافة الاعتذار، والتشاور، والاحترام المتبادل داخل الأسرة، لأن الطفل يتعلم من النماذج اليومية أكثر مما يتعلم من التوجيهات المباشرة.

في الختام، يمكن القول إن الحرب لا تهدد حياة الأسرة ماديًا فقط، بل تهدد أيضًا وظيفتها التربوية والاجتماعية. فهي تضعف الحوار، وتربك الأدوار، وتقلص الخصوصية، وتزيد من الضغوط النفسية على الوالدين والأطفال. لكن رغم ذلك، تبقى الأسرة قادرة على استعادة دورها إذا وُجد الوعي بأهمية التواصل والاحتواء.

شاهد أيضاً

الصين تصدر تفسيرا قضائيا حول قانون الإيكولوجيا والبيئة

الصين تصدر تفسيرا قضائيا حول قانون الإيكولوجيا والبيئة

شفا – (شينخوا) أصدرت المحكمة الشعبية العليا بالصين اليوم الخميس مجموعة من الأحكام التي تمثل …