
وزارة المالية الحقيقية… اسمها محلات الذهب ، بقلم: المهندس غسان جابر
لا تبحثوا عن حقيقة الاقتصاد الفلسطيني في المؤتمرات الصحفية.
ولا في البيانات الرسمية.
ولا في الجداول والإحصاءات التي تُنشر كل شهر.
إذا أردتم أن تعرفوا أين وصل المواطن الفلسطيني، فاتركوا المكاتب المكيفة، واذهبوا إلى أقرب محل للذهب.
هناك… تُكتب الحقيقة.
اليوم، دخلت سيدة في منتصف الأربعينيات إلى أحد محلات الصياغة. أخرجت قطعة ذهبية وباعتها. قبضت ثمنها بهدوء، ثم سألت الصائغ عن قطعة أخرى أجمل وأغلى، يتجاوز ثمنها ضعف ما حصلت عليه قبل دقائق.
توقفت أمام المشهد.
سألت الصائغ: هل جاءت لتبيع أم لتشتري؟
ابتسم، وقال:
“هي باعت لأنها بحاجة إلى المال… أما سؤالها عن القطعة الأخرى، فهو مجرد عزاء للنفس. تريد أن تقنع نفسها بأنها ستعود يومًا لتشتريها.”
في تلك اللحظة أدركت أن المرأة لم تكن تبحث عن قطعة ذهب…
كانت تبحث عن أمل.
هذه ليست قصة امرأة.
إنها قصة اقتصاد.
بل قصة مجتمع بدأ يستهلك آخر ما ادخره كي يستطيع الاستمرار.
في علم الاقتصاد، تمر المجتمعات بثلاث مراحل واضحة: يعيش الناس من دخلهم، ثم يلجأون إلى مدخراتهم عندما تضيق الأحوال، ثم يبدأون ببيع أصولهم عندما تصبح المدخرات غير كافية.
والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه اليوم بكل شجاعة:
في أي مرحلة يقف المجتمع الفلسطيني الآن؟
عندما تتحول الحلي إلى ثمن للدواء، والذهب إلى فاتورة جامعة، ومدخرات العمر إلى وقود وسيولة لتغطية احتياجات الحياة، فإن القضية لم تعد مجرد ارتفاع في الأسعار أو تأخر في الرواتب، بل أصبحت مؤشرًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق أن يُقرأ بجدية.
قد يختلف الناس في السياسة، لكن الأسواق لا تجامل.
ومحلات الذهب لا تصدر بيانات، ولا تعرف الانتماءات الحزبية، ولا تزين الواقع.
إنها تعكس، بصمت، ما يعيشه الناس.
فإذا ازداد البائعون وقل المشترون، فهذه ليست مجرد حركة سوق، بل رسالة تقول إن القدرة على الادخار تتراجع، وإن الضغوط المعيشية تتزايد.
لا شك أن الاحتلال بسياساته وقيوده هو العامل الأكبر في خنق الاقتصاد الفلسطيني وإضعاف فرص نموه. لكن هذه الحقيقة لا تعفي المؤسسات الحكومية من مسؤوليتها في إدارة الأزمة بما هو متاح، ووضع سياسات أكثر فاعلية لحماية الفئات الأكثر تضررًا، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز الثقة بالسوق، والتعامل مع الأزمات بمنطق المبادرة لا بمنطق انتظار الانفراج.
المواطن لا ينتظر المعجزات.
إنه يريد أن يشعر أن هناك من يقرأ وجعه قبل أن يطالبه بالصبر مرة أخرى.
أخطر ما في الأزمات ليس الفقر وحده.
بل أن يصبح الفقر أمرًا اعتياديًا.
وأخطر من بيع الذهب، أن يتحول بيع الذهب إلى سلوك متكرر، وإلى وسيلة معتادة لتأمين أساسيات الحياة.
عندها لا نكون أمام أزمة سيولة فقط…
بل أمام تآكل تدريجي لشبكة الأمان الأخيرة التي بنتها العائلات الفلسطينية عبر سنوات طويلة من العمل والتعب.
خرجت تلك السيدة من محل الذهب تحمل نقودًا ستكفيها أيامًا قليلة.
لكنها تركت خلفها سؤالًا ينبغي أن يؤرق كل صاحب قرار:
كم بقي لدى الفلسطيني ما يبيعه؟
فالدول لا تُقاس بما تملكه خزائنها من ذهب…
بل بعدد مواطنيها الذين اضطروا إلى بيع ذهبهم ليواصلوا الحياة.
نقول الذهب لا يكذب.
- – المهندس غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.