
الاستيطان رسالة ضد قيام الدولة الفلسطينية ، بقلم : فاضل المناصفة
في كل مرة تعلن فيها إسرائيل عن مصادرة مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية، أو تقر إنشاء بؤر استيطانية جديدة، أو تهدم منازل في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يتكرر الخبر، وتتكرر معه ردود الفعل. لكن القضية لم تعد تتعلق بعدد الدونمات المصادرة أو المنازل المهدمة، بقدر ما تتعلق بأن هذه الأحداث لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من سياسة مستمرة تعيد رسم المشهد على الأرض عامًا بعد عام.
فالاستيلاء مؤخرًا على نحو 500 دونم من الأراضي الفلسطينية، وإقامة ثماني بؤر استيطانية جديدة، إلى جانب استمرار هدم المنازل والمنشآت في نعلين وعرابة وسلوان وبيت حنينا وجبل المكبر، ليست وقائع منفصلة، وإنما حلقة جديدة في مسار بدأ منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، وتواصل بأشكال مختلفة حتى اليوم.
عندما وُقّع اتفاق أوسلو، كان يُنظر إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج) باعتباره ترتيبًا انتقاليًا يقود في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن السنوات مضت، وتحول المؤقت إلى واقع دائم. فالمنطقة (ج)، التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وأصبحت المجال الأوسع للتوسع الاستيطاني، في وقت تراجعت فيه قدرة الفلسطينيين على البناء أو الاستثمار، بل وحتى البقاء في أجزاء واسعة منها.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح. فما يزال المجتمع الدولي يتمسك، من حيث المبدأ، بحل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، بينما تتغير الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية باستمرار. فقيام الدول لا يعتمد على الاعتراف السياسي وحده، بل يحتاج أيضًا إلى مساحة جغرافية متصلة وقابلة للحياة. وكلما اتسعت المستوطنات، وازدادت الطرق الالتفافية والمناطق العسكرية، أصبحت هذه المساحة أكثر تجزئة، وأصبح تحقيق هذا التصور أكثر تعقيدًا.
وتقول إسرائيل إن سياساتها في الضفة الغربية تستند إلى اعتبارات أمنية وقانونية، في حين ترى الأمم المتحدة ومعظم دول العالم أن المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 تخالف القانون الدولي. وبين هذين الموقفين، تستمر الوقائع على الأرض في فرض إيقاعها بعيدًا عن الجدل السياسي والقانوني.
وربما تكمن المشكلة الأهم في عامل الزمن. فكل توسع استيطاني جديد يضيف واقعًا يصعب التراجع عنه لاحقًا. وعندما تُستأنف أي مفاوضات مستقبلية، إن حدث ذلك، فلن تبدأ من الخرائط التي طُرحت في جولات التفاوض السابقة، وإنما من واقع مختلف تشكل تدريجيًا خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، لم يعد السؤال يقتصر على شرعية الاستيطان، بل أصبح يتعلق أيضًا بمدى قدرة أي تسوية سياسية مستقبلية على مواكبة هذه التحولات. فكلما تغيرت الوقائع على الأرض، ازدادت الفجوة بين التصورات السياسية وما يمكن تطبيقه عمليًا.
أما على المستوى الإنساني، فإن الفلسطيني الذي يرى أرضه تُصادر أو منزله يُهدم يفقد تدريجيًا ثقته بجدوى العملية السياسية، بينما يرى قطاع من الإسرائيليين أن استمرار التوسع الاستيطاني يعزز الوقائع التي يمكن البناء عليها مستقبلًا. وبين هذين التصورين، تتراجع الثقة المتبادلة، وتتسع مساحة الخطابات الأكثر تشددًا على حساب فرص التسوية.
كما أن المشهد الميداني يعيد إنتاج نفسه بصورة متكررة؛ فكل توسع استيطاني يزيد من الاحتقان، يعقبه تصاعد في التوتر والمواجهات، ثم مزيد من الإجراءات الأمنية، قبل أن تبدأ الدورة من جديد. وخلال عقود طويلة، لم تؤد هذه المعادلة إلى استقرار دائم، كما لم تُقرب أيًا من الطرفين من سلام مستدام.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الرهان الفلسطيني لم يعد يقتصر على مواجهة الاستيطان ميدانيًا، بل يمتد إلى الساحة القانونية والدبلوماسية. فتوثيق الانتهاكات، والاستفادة من قرارات الأمم المتحدة، واللجوء إلى الهيئات القضائية الدولية، وحشد الدعم الدولي، وتعزيز صمود الفلسطينيين في المناطق المهددة، أصبحت أدوات يراها كثيرون أكثر أهمية في مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.