2:26 مساءً / 16 يوليو، 2026
آخر الاخبار

لماذا اختفت الفلسفة من الأنظمة التعليمية ، بقلم : د. فواز عقل

لماذا اختفت الفلسفة من الأنظمة التعليمية ، بقلم : د. فواز عقل


تبدأ هذه المقالة بقصة تربوية


يروى أن أحد المعلمين كان يتحدث طوال الحصة دون أن يمنح طلبته فرصة واحدة للمشاركة وفي نهاية الدرس رفع أحد الطلبة يده وقال:
يا أستاذ هل التعليم يعني أن نستمع لك فقط؟ أم أن نفكر ونسأل أيضا؟ فسكت المعلم لحظة مندهشا، وقال: شكرا لك
لقد تعلمت اليوم أن المعلم الحقيقي لا يحتكر الكلام بل يفتح أبواب الحوار
وهنا أنا أقول إذا كان المعلم يتكلم 90% من وقت الدرس، فمن الذي يتعلم؟
وأقول أيضا: التعليم الناجد لا يقوم على كثرة الكلام من المعلم بل على جودة التواصل واحترام الانسان وبناء الثقة المتبادلة.

أنا لا أدعو في هذه المقالة إلى دمج الفلسفة في المناهج التعليمية لجميع المراحل لزيادة المواضيع الدراسية على الطلاب ولا لإرضاء المتخصصين أو لزيادة العبء على المعلمين لأن الفلسفة ليست درسا مستقلا بل تظهر في تفاصيل الحياة اليومية للطالب و المجتمع ، تظهر في الإصغاء للآخر، تظهر في الحوار و التساؤل و في التسامح و تقديم البراهين و طريقة تفكير الإنسان، و إشغال العقل و بناؤه و تنويره لأنها تطرح أسئلة أكثر من أجوبة لأنها تساعد على النظر للأمور من زوايا مختلفة لأن دمج الفلسفة يعني إدخال بوصلة جديدة إلى الصف و القدرة على النظر إلى العالم بعين ثانية ،و هي استثمار في عقل الإنسان لأنها تحول المعرفة إلى منهاج لقراءة الواقع لأنها تقي الفرد من أن يحول إلى كيان مشوه، لأنها تختلف عن الذكاء الاصطناعي، لأنها تنتج عقل واعي أما الذكاء الاصطناعي ينتج خطاب ، لأن إدخال الفلسفة إلى المنهج حتى لا تكون المدرسة بيئة لتخريج جيوشا من الحفظة، إدخال الفلسفة يؤدي إلى تحسين مهارة الحوار و تعزيز التسامح و مقاومة التعصب و تنمي التفكير النقدي.

و هنالك مجموعة من الأسئلة تثير كاهلي و كاهل الكثيرين من المهتمين بالفلسفة :

1-لماذا اختفت الفلسفة من التعليم العربي؟

2-لماذا تم تهميش العلوم الاجتماعية والإنسانية في التعليم؟
3-لماذا يسخر الناس من الفلسفة بقولهم: بكفي فلسفة.
4-لماذا تعتبر الفلسفة مصدر قلق؟
5-لماذا غاب الفلاسفة بعد ابن رشد؟
6-لماذا يتهم العقل العربي بأنه جامد و تبريري؟
7-هل أدى غياب الفلسفة إلى سيطرة النظرة الإلحادية والنظر للعالم من زاوية واحدة؟
8-لماذا يطالب عمالقة الذكاء الاصطناعي بالرجوع إلى الفلسفة، وأنهم الآن يبحثون عن متخصصين بالفلسفة بعرض مالي مغري؟

إن إدخال الفلسفة في هذا العصر أصبح من الركائز الأساسية لأنظمة التعليم لأنها وسيلة لتكوين عقل ناقد مستنير منفتح قادر على التحليل و التقويم و اتخاذ القرار، و في ظل التحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي و انتشار المعلومات المفبركة و المضللة و في ظل التحولات الثقافية و التعليمية و الاجتماعية تبرز الحاجة الملحة إلى إدخال الفلسفة في المدارس لجميع المراحل لتنمية التفكير النقدي و تقبل الآخر ، مرة أخرى، إن المطالبة بإدخال الفلسفة مطلب لا يخص أصحاب التخصص بل أصبحت مرتبطة بالتحولات المتسارعة التي فرضها الذكاء الاصطناعي.

فالمدرسة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة لأن المعرفة أصحبت متاحة للجميع بكبسة زر، أصبح المطلوب من المدرسة تنمية القدرة على فهم المعلومة و تحليلها و نقدها و تقويمها، فثورة المعلومات و ظهور الذكاء الاصطناعي خلقت بيئة معرفية جديدة، و هنا لا يكفي امتلاك المعرفة بل يعني القدرة على الحكم عليها و هنا تبرز مرة أخرى أهمية إدخال الفلسفة لأنها تنقل المتعلم من مرحلة استقبال المعلومة إلى مساءلة المعلومة، و من قبول الأفكار إلى اختبار الأفكار و من تكرار الإجابات إلى بناء الأسئلة و هنا لا بد من التذكير أن الأخلاق لا تقل أهمية عن التكفير و الذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة صعبة جديدة لم تكن معروفة من قبل و يقول الفيلسوف الفرنسي إيمانيويل كانط الذي أشار إلى أن جوهر التنوير قائم على امتلاك الإنسان الشجاعة لاستخدام عقله ، أما سقراط فقد ربط قيمة الحياة بقدرة الإنسان على نقدها و فحصها و هي دعوة مهمة في زمن أصبحت فيه الإجابات تنتج خلال ثواني.
و من منظور تعليمي فأن قيمة الفلسفة لا تقتصر على تنمية القدرات العقلية بل تتجاوزها إلى تشكيل الهوية للمتعلمين، فالمطلوب من المدرسة اليوم ليس تخريج طالب جيد بل إعداد مواطن يمتلك القدرة على الحوار و احترام الاختلاف و اتخاذ القرار و مرة أخرى ، المدرسة لن تكون مكان للتعلم إلا إذا علمت الطالب أن يقول لا و أن يستعمل عقله و أن يبحث عن الحقيقة.
في ظل التحولات المتسارعة لا بد من الإجابة على سؤال هل ينبغي أن يركز المنهج على تعليم الطلبة استخدام التكنولوجيا أم تعليمهم كيفية التفكير في التكنولوجيا و آثارها على الإنسان ، إن المستقبل لن يقاس بالقدرة على الوصول إلى المعلومة لأنها أصبحت متاحة للجميع و إنما سيقاس بقدرتهم على تفسير و تحليل و نقد المعرفة و من هنا تظهر أهمية الفلسفة كأحد مكونات المنهج المعاصر فهي لا تنافس الذكاء الاصطناعي بل تمنحه البعد الإنساني الذي يمنع انفصال التقدم التكنولوجي عن القيم و في عصر الذكاء الاصطناعي تبرز أهمية السؤال الفلسفي لأنه يحافظ على مركزية الإنسان و في عالم أصبحت الآلة قادرة على إنتاج كم هائل من الإجابات فالإنسان وحده هو المسؤول عن الأسئلة التي يجب أن تطرح و هي هذا العصر يجب أن لا نسمح للعلم بسرق إنسانيتنا.
أقوال عن الفلسفة :
قال أحد الحكماء إذا أردت أن تُعلم فدع غيرك يتكلم
التعليم يولد الحوار بدل من الاحتكار
التعليم ليس سباقا زمنيا و إنما رحلة من الفهم و النضج و بناء معنى-
جبران خليل جبران يقول المعلم الحقيقي لا يدخلك بيت الحكمة بل يقودك إلى عتبة عقلك
و يقول أيضا: المعلم الحقيقي هو الذي يعتبر نفسه جسرا يعبر عليه الطلاب ثم يدمر الجسر حتى يقوم الطلاب ببناء جسورهم الخصة
التعليم يبدأ بالدهشة ولا يجوز اغتيال الدهشة عند الطالب لأنها تدفع الطالب إلى البحث و التساؤل و تقود إلى الابتكار.
الفلسفة لا تعطي إجابات جاهزة و إنما تعلم كيفية التفكير
و سقراط يقول :الحياة غير الممحصة لا تستحق أن تعاش
الفلسفة تؤمن أن دور المعلم ليس تلقين المعرفة بل مساعدة الطالب على اكتشافها.
اليونسكو سنة 2007 أشارت إلى أن تعليم الفلسفة يسهم في بناء مواطنين قادرين على التفكير الحر و الحوار.
إن العقل مثل قطار البضائع، يصير ضجيج كلما كانت الحمولة أقل.
العقل كالأرض البور يمكن أن تنتج الورد ويمكن أن تنتج الشوك
وقال الشاعر: إن اللبيب إذا تفرق أمره فتق الأمور مناضلا و محاورا

نحن أمام خيارين ،إما صناعة الطالب أو صناعة سجين أفكار
و ختاما إن إدراج الفلسفة في المناهج الدراسية يمثل استثمارا في بناء الإنسان قبل بناء المعرفة ، فالفلسفة لا تهدف إلى تخريج فلاسفة بل تهدف إلى إعداد فرد قادر على التفكير المستقل و احترام الآخر و المشاركة الواعية في المجتمع و في عالم تتزايد فيه التحديات المعرفية و الأخلاقية تبدو الفلسفة أداة تربوية لإعداد أجيال تمتلك القدرة على النقد و تحمل المسؤولية و الإبداع و الفهم.
و مرة أخرى ، إلى متى ستبقى الفلسفة بعيدة عن المناهج الدراسية سيما أن دور المدرسة منذ أن وجدت فتح العقول للمعرفة من خلال تعليم فن الحوار، فن الأقناع و أدب المناظرة و أدب الخصومة عملا بقوله تعالى ” قل هاتوا برهانكم إن كنت صادقين”
وأخيرا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربيع والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.

شاهد أيضاً

الأمثال الشعبية الفلسطينية… جسرٌ يربط طلبة "نادي الفتوة الصيفي" بذاكرة الوطن

الأمثال الشعبية الفلسطينية… جسرٌ يربط طلبة “نادي الفتوة الصيفي” بذاكرة الوطن

شفا – بدعوة كريمة من مدير ملتقى الشباب المسلم الدكتور محمد الشربيني، وبمشاركة وحدة الإصدارات …