
انتخابات التشريعي… هل تستعيد فتح زمام المبادرة أم تعيد إنتاج أخطاء الماضي؟ بقلم : معروف الرفاعي
قرار تحديد موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية ليس مجرد إعلان عن استحقاق انتخابي جديد، بل هو لحظة سياسية فارقة تفرض على الجميع مراجعة الحسابات، وعلى حركة فتح بصورة خاصة أن تتوقف أمام سؤال جوهري: هل ستدخل الانتخابات بعقلية التجديد وبناء المستقبل، أم بعقلية إدارة الماضي وتكرار التجارب السابقة؟
فالانتخابات القادمة، في ظل المتغيرات الفلسطينية والإقليمية والدولية، لن تكون نسخة عن انتخابات سابقة. المواطن الفلسطيني تغير، والشارع الفلسطيني أصبح أكثر نقداً، ولم يعد يقبل بسهولة بمنطق المحاصصة التنظيمية أو فرض الأسماء من أعلى الهرم القيادي. الناخب يريد من يمثله، لا من يتم اختياره له.
تتحمل حركة فتح مسؤولية مضاعفة، ليس فقط لأنها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، بل لأنها اليوم أمام اختبار يتعلق بقدرتها على إعادة بناء نفسها واستعادة ثقة جمهورها.
المشكلة الأساسية التي تواجه فتح ليست في حجمها التاريخي أو انتشارها التنظيمي، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الرصيد إلى مشروع انتخابي قادر على إقناع المواطن، فالقوة التنظيمية وحدها لا تكفي، والتاريخ مهما كان عظيماً لا يعفي أي حركة من ضرورة التجدد.
الانتخابات المقبلة يجب أن تكون فرصة لفتح لإعادة تعريف علاقتها مع جمهورها، عبر قائمة تعكس روح الحركة الوطنية الفلسطينية بكل أجيالها، لا قائمة تقوم على موازين النفوذ الداخلي أو إرضاء مراكز القوى.
السؤال الأكثر إلحاحاً داخل حركة فتح هو: كيف ستختار مرشحيها؟
التجارب السابقة أثبتت أن اختيار المرشحين عبر التوافقات المغلقة أو التوزيع التنظيمي لم يكن دائماً الطريق الأفضل، بل أدى في بعض الأحيان إلى حالة من الإحباط داخل القاعدة الفتحاوية، وإلى شعور قطاعات واسعة بأن صوتها التنظيمي لا يصل إلى دائرة القرار.
اليوم تحتاج فتح إلى قرار شجاع: أن تجعل القاعدة التنظيمية شريكاً حقيقياً في صناعة القائمة الانتخابية.
إن إجراء انتخابات داخلية أو تمهيدية لاختيار المرشحين ستكون خطوة موفقة في تعزيز الديمقراطية داخل الحركة، وسيمنح القائمة قوة إضافية، لأن المرشح سيحمل شرعية تنظيمية وجماهيرية في آن واحد.
أما العودة إلى نفس الأسلوب السابق، عبر ترشيحات الأقاليم أو تدخل القيادات التنظيمية فقط، فقد تنتج قائمة تحمل أسماء معروفة داخل التنظيم، لكنها قد لا تكون بالضرورة الأكثر قدرة على جذب الناخبين خارج الإطار التنظيمي، ففتح بحاجة إلى برلمان وليس إلى قائمة مكافآت تنظيمية.
من أخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجه حركة فتح هو الدخول بأكثر من قائمة، فالتمثيل النسبي يجعل تشتت الأصوات خطراً حقيقياً، وأي انقسام داخلي قد يتحول إلى خسارة مقاعد، حتى لو بقيت القاعدة الشعبية للحركة واسعة.
إن تجربة الانقسامات السابقة يجب أن تكون درساً لا مجرد ذكرى، فالقوائم المتعددة قد تخدم طموحات فردية أو حسابات شخصية، لكنها تضعف الحركة سياسياً وتنظيمياً.
المطلوب هو قائمة فتحاوية واحدة، لكنها ليست قائمة مغلقة؛ قائمة تستوعب الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية وأصحاب الخبرة، وتفتح الباب لكل من يؤمن ببرنامج الحركة ومشروعها الوطني.
إذا غابت حركة حماس عن هذه الانتخابات، فإن طبيعة المنافسة ستتغير، لكنها لن تختفي، فقد تجد فتح نفسها أمام منافسة من قوائم مستقلة وشخصيات وطنية وفعاليات مجتمعية، وربما أمام منافسين جدد لا يعتمدون على البنية التنظيمية التقليدية، بل على خطاب قريب من الشارع.
ولهذا فإن غياب المنافس التقليدي لا يعني أن الطريق أصبح سهلاً، فالناخب الفلسطيني لا يمنح صوته فقط بناء على هوية الفصيل، بل بناء على الثقة والأداء والقدرة على التعبير عن تطلعاته.
قد تكون هذه الانتخابات فرصة تاريخية لفتح لتعزيز حضورها، لكنها قد تكون أيضاً اختباراً قاسياً إذا لم تدرك أن المزاج الشعبي تغير.
نجاح الانتخابات لا يمكن أن يكون مسؤولية فتح وحدها، ففصائل منظمة التحرير مطالبة بالخروج من منطق المنافسة التقليدية، والانتقال إلى منطق الشراكة الوطنية، والمطلوب منها أن تقدم برامج حقيقية، وأن تخاطب الناس بلغة المستقبل، لا أن تكتفي بإعادة إنتاج الخطابات القديمة.
كما أن احترام نتائج الانتخابات يجب أن يكون التزاماً وطنياً من الجميع، لأن قيمة الديمقراطية لا تظهر فقط في يوم الاقتراع، بل في القدرة على قبول النتائج والتعامل معها.
ربما يكون الناخب الفلسطيني هو العنصر الأكثر أهمية في هذه المعادلة، فنجاح الانتخابات لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها الفصائل، بل بنسبة المشاركة الشعبية ومدى شعور المواطنين بأن أصواتهم قادرة على إحداث التغيير.
المطلوب من المواطنين عدم التعامل مع الانتخابات باعتبارها مناسبة حزبية فقط، بل باعتبارها فرصة لاختيار من يحمل همومهم ويدافع عن قضاياهم.
كما أن مشاركة المستقلين والكفاءات الوطنية يجب أن تكون جزءاً من المشهد، لأن الحياة البرلمانية لا يمكن أن تقوم على الفصائل وحدها.
يبقى السؤال حول عدم إجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع التشريعية سؤالاً مشروعاً لدى الشارع الفلسطيني.
فتجديد الشرعيات لا ينبغي أن يكون انتقائياً، وإنما شاملاً لكل المؤسسات المنتخبة. صحيح أن هناك اعتبارات سياسية وقانونية وتنظيمية قد تفسر الفصل بين الاستحقاقين، لكن المطلوب هو وجود رؤية واضحة وجدول زمني معلن لاستكمال العملية الديمقراطية.
فالشعب الفلسطيني بحاجة إلى إعادة بناء الثقة بمؤسساته، وهذه الثقة لا تكتمل إلا بتجديد شامل للهيئات المنتخبة.
الانتخابات التشريعية المقبلة قد تكون فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، لكنها قد تتحول إلى أزمة جديدة إذا تعاملت معها القوى السياسية بعقلية الماضي.
حركة فتح تحديداً أمام لحظة تاريخية: إما أن تقدم نموذجاً جديداً في الديمقراطية الداخلية واختيار المرشحين وتجديد الخطاب السياسي، أو تخاطر بخسارة جزء من رصيدها التاريخي.
الفلسطينيون لا يحتاجون فقط إلى انتخابات، بل يحتاجون إلى بداية جديدة. بداية تعيد الاعتبار لصوت المواطن، وتجدد المؤسسات، وتمنح النظام السياسي الفلسطيني شرعية متجددة في مواجهة الاحتلال وتحديات المرحلة المقبلة.
فالانتخابات ليست معركة مقاعد فقط… إنها معركة ثقة، ومن يكسب ثقة الناس هو من يملك المستقبل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.