11:53 صباحًا / 12 يوليو، 2026
آخر الاخبار

حين يصبح اليأس أقوى من الأمل ، بقلم : الكاتبة عطاف الزيات

حين يصبح اليأس أقوى من الأمل ، بقلم : الكاتبة عطاف الزيات

لماذا تتزايد حوادث الانتحار والعنف الأسري في مجتمعاتنا؟


لم تعد هذه الأخبار استثناءً يثير الدهشة، بل أصبحت تتكرر بصورة تدعو إلى القلق. نسمع بين الحين والآخر عن شاب أنهى حياته، أو فتاة لم تجد أمامها سوى طريق اليأس، أو زوج قتل زوجته، أو زوجة أنهت حياة شريكها، وكأن العنف أصبح لغة يتحدث بها البعض عندما يعجز عن التعبير أو تحمل الضغوط.


هذه الوقائع ليست أحداثًا فردية منعزلة، بل هي مؤشرات على أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تتراكم بصمت حتى تصل إلى نقطة الانفجار. وما نراه في النهاية ليس سوى النتيجة الأخيرة لمسار طويل من الألم والمعاناة.


إن الإنسان لا يولد عنيفًا، ولا يولد راغبًا في إنهاء حياته، بل تدفعه ظروف قاسية، إذا اجتمعت دون وجود دعم أو احتواء، إلى قرارات مأساوية. فالضغوط الاقتصادية، والبطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، والشعور بالعجز عن تأمين مستقبل الأسرة، كلها عوامل تستنزف الإنسان نفسيًا، خاصة إذا اقترنت بضعف العلاقات الأسرية أو فقدان الدعم الاجتماعي.


كما أن العزلة، والإدمان، والتنمر، والخلافات الزوجية المتكررة، والتفكك الأسري، وسهولة انتشار خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل تزيد من هشاشة الإنسان النفسية، وتجعله أكثر عرضة للانهيار أو السلوك العدواني. ولا يمكن إغفال دور الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق، والتي تحتاج إلى علاج متخصص، تمامًا كما تحتاج الأمراض الجسدية إلى طبيب.


إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تنتهي بوقوع الحادثة، بل تبدأ بعدها مآسٍ جديدة. فالأسرة تعيش صدمة قد تستمر سنوات، والأبناء يفقدون الشعور بالأمان، والمجتمع يفقد جزءًا من تماسكه، وتنتشر مشاعر الخوف واليأس، وقد تؤثر هذه الأخبار في أشخاص آخرين يعانون أصلًا من ضغوط نفسية.


ومن هنا، فإن المواجهة لا تكون بالعقاب وحده، ولا بإلقاء اللوم على الضحية أو الجاني، وإنما ببناء مجتمع أكثر احتواءً ورحمةً. تبدأ الوقاية من داخل الأسرة بالحوار، والاستماع، والاحتضان، وعدم السخرية من مشاعر الأبناء، ثم تمتد إلى المدرسة التي يجب أن تغرس قيم الاحترام والتسامح، وإلى المؤسسات الدينية والإعلامية التي يقع على عاتقها نشر ثقافة الأمل، وتعزيز قيمة الحياة، وتشجيع الناس على طلب المساعدة عند الحاجة.


كما ينبغي أن يصبح الاهتمام بالصحة النفسية جزءًا طبيعيًا من حياتنا، وأن نتخلص من الفكرة الخاطئة التي تعتبر مراجعة الأخصائي النفسي ضعفًا أو عيبًا. فالصحة النفسية ليست ترفًا، بل هي أساس الاستقرار الأسري والاجتماعي.


إلى شبابنا… لا تسمحوا للحظة ألم أن تقرر مصير حياتكم. لا توجد أزمة تبقى إلى الأبد، ولا ظلام لا يعقبه فجر. تحدثوا مع من تثقون به، واطلبوا العون عندما تشعرون أن الحمل أصبح ثقيلًا. إن طلب المساعدة شجاعة، وليس ضعفًا.


وإلى الآباء والأمهات… قد تكون كلمة طيبة، أو حضن صادق، أو جلسة استماع هادئة، سببًا في إنقاذ حياة ابن أو ابنة. فلا تستهينوا بمشاعر أبنائكم، ولا تعتبروا صمتهم علامة على أنهم بخير.


إن بناء مجتمع آمن لا يبدأ ببناء الجدران، بل ببناء الإنسان. فالإنسان الذي يشعر بأنه محبوب، ومسموع، ومقدر، أقل عرضة لليأس، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة مهما اشتدت صعوباتها.


فلنجعل شعارنا: “ننشر الأمل، ونحتوي الألم، ونحمي الحياة”. فكل حياة تُنقذ هي مستقبلٌ يُكتب من جديد.

  • – د. عطاف الزيات – كاتبة فلسطينة .

شاهد أيضاً

الجبهة العربية الفلسطينية : قانون الإعدام تشريع للفاشية الصهيونية وإعلان حرب مفتوحة على شعبنا وأسراه

الجبهة العربية الفلسطينية: إرهاب المستوطنين برعاية جيش الاحتلال، ارهاب دولة منظم وحرب مفتوحة على أبناء شعبنا تستوجب محاسبة دولية عاجلة

شفا – تدين الجبهة العربية الفلسطينية بأشد العبارات موجة الإرهاب المنظم التي تنفذها عصابات المستوطنين …