2:37 مساءً / 9 يوليو، 2026
آخر الاخبار

سردية الكرامة وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني في المشروع السردي والفكري لغسان كنفاني: مقاربة في فلسفة المقاومة الثقافية” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

سردية الكرامة وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني في المشروع السردي والفكري لغسان كنفاني: مقاربة في فلسفة المقاومة الثقافية” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

أيُّها القارئُ لحُروفي، لِتُصغِ إلى جرسِ كلماتي باحثًا عن موطنٍ في الوعي، ولا تتعجَّلِ في الوصولَ إلى نهاياتِها؛ فبعضُ النُّصوصِ تُقرأُ بالذَّاكرة، وبالضمير، وبذلكَ القلقِ الجميلِ الذي يُوقظهُ الأدبُ العظيمُ فينا.


تعالَ نُؤجِّلُ الأحكامَ قليلًا، ونفتحُ معًا نافذةً على غسَّان كنفاني لنُحاورَ إنسانًا ما زال يسألُ حاضرَنا، ويختبرُ صدقَ وعينا، ويُعيدُ ترتيبَ علاقتِنا بالكرامة، والوطن، والإنسان.
فإنْ وجدتَ في هذه الحروفِ ما يُربكُ يقينَك، فلا تخشَ ذلك؛ لأنَّ أعظمَ ما يفعله الأدبُ الحقيقيُّ أنَّه لا يمنحُنا الطمأنينةَ سريعًا، فهو يمنحُنا شجاعةَ أنْ نرى الحقيقةَ كما هي، وأنْ نبحثَ عنها كما ينبغي أنْ تكون.
فسلامٌ من الله عليكم أيّها القرّاء المثقفون، سلامٌ يدقُّ جدرانَ الذاكرة، ويَليقُ بمن اختاروا أنْ يجتمعوا حول الأدب، وهم يُدركون أنَّ بعضَ الكتبِ تُقرأُ لكي نفهمَ ما يجري حولَنا، وأنَّ بعضَ الكتّابِ يواصلون مساءلةَ الأزمنةِ اللاحقة، كلَّما ظنَّ العالمُ أنَّه تجاوزَ الأسئلةَ التي كتبوا من أجلها.
اِسْمَحوا لي أنْ أبدأَ مِنِ اعترافٍ شَخصيٍّ، لا أَقصدُ به تَزكيةَ النَّفسِ، ولا ادِّعاءَ امتلاكِ الحقيقةِ، وإنَّما أراهُ ضرورةً مَنهجيَّةً تُفسِّرُ اختياري لهذا الموضوع.
أنا، كَكُلِّ فِلَسطينيَّةٍ، لا أملكُ امتيازًا على أبناءِ شَعبي في مَحبَّةِ فلسطين، ولا أُزكِّي نَفسي على أحد، غيرَ أنَّني كنتُ مِنَ المحظوظينَ الذينَ قادَتْهُمُ القراءةُ مُبكِّرًا إلى غسَّان كنفاني.
ومُنذُ طفولتي، لم يكنْ غسَّانُ بالنسبةِ إليَّ اسمًا في تاريخِ الأدبِ الفلسطينيِّ، فقد كان يا أنارَ اللهُ بصيرتَكُم نافذةً تجاورُ النافذةَ الدرويشيّةَ، أُطِلُّ منها على فلسطينَ الأُخرى، فلسطينَ التي تَسكُنُ اللُّغةَ كما تَسكُنُ الجغرافيا، وتَعيشُ في الذَّاكرةِ كما تَعيشُ في المكان.
كبرتُ، وكَبُرَتْ معي رَغبتي في اقتناءِ كُتُبِهِ.
ولكم أنْ تتخيّلوا كيفَ أنني كنتُ أَعُدُّ كُلَّ كتابٍ يَصِلُ إلى مكتبتي الصغيرةِ قطعةً أُخرى مِنَ الوطن رغم صعوبةِ اقتنائها آنذاك، حتَّى اكتملتِ الرُّفوفُ بأعمالِهِ: مِن “موتِ سريرٍ رقمَ 12″، و”أرضِ البرتقالِ الحزين”، إلى “رجالٍ في الشَّمس”، و”ما تبقَّى لكم”»، و”أمِّ سعد”، و”عائدٍ إلى حيفا”، و” الشيء الآخر”، و” العاشق” و”عالم ليس لنا”، و”القميص المسروق”، مرورًا بمقالاتِهِ ودراساتِهِ في الأدبِ الفلسطينيِّ والأدبِ الصهيونيِّ، ومسرحيَّاتِهِ مثل: “الباب”، و”القبعة والنبي”، والتي لم تكنْ أقلَّ عُمقًا مِن رواياتِهِ.
أعترفُ بذنبٍ جميل، والاعترافُ في عُرفِ النبلاءِ فضيلةٌ لا تُنقِصُ صاحبَها بقدر ما تُزكِّي صدقَه، ذنبٍ اسمه غسَّان كنفاني، فمنذ أنْ صافحتُ حروفَه للمرةِ الأولى لم تغادرني، ولم أغادرها.
وما زالت كُتُبُه إلى اليوم تملأُ روحي، وتُعيدُ ترتيبَ أسئلتي عن الإنسانِ، والوطنِ، والحريَّة، والكرامة، وكلَّما ظننتُ أنني فرغتُ من قراءته اكتشفتُ أنَّه هو الذي بدأ يقرأني، ويكشفُ لي ما خفيَ من يقيني، وما سكتت عنه أسئلتي.
واليومَ، وأنا في الخامسةِ والأربعينَ مِن عُمري، وبعدَ سنواتٍ مِنَ القراءةِ، والكتابةِ، والاشتغالِ بالشَّأنِ الثَّقافيِّ، أعودُ إلى غسَّان كنفاني، فأشعُرُ أنَّني أدخلُ في حوارٍ جديدٍ مع نُصوصٍ ترفُضُ أن تستنفدَ معانيها.
وما يزالُ يُدهِشُني أنَّ الصَّفحةَ التي قرأتُها منذُ عشرينَ عامًا تكشفُ لي اليومَ معنًى لم أكنْ قد رأيتُهُ مِن قبل، ويكأنَّ النَّصَّ العظيمَ لا يشيخُ مع الزَّمن، فهو لعمري ينضجُ مع قارئِهِ.
وكلَّما مررتُ بكلماتِهِ، أُصابُ بما أستطيعُ أنْ أُسمِّيَهُ حُمَّى الوعي، ذلكَ الوجعُ النبيلُ الذي يُوقِظُهُ الأدبُ الحقيقيُّ في النَّفس، وربَّما يختلطُ هذا الوجعُ بالقهرِ وقتما أُقارِنُ بينَ الأسئلةِ التي طرحها غسَّانُ قبلَ أكثرَ مِن نصفِ قرنٍ، وبينَ واقعِنا الذي ما تزالُ تلكَ الأسئلةُ تخترقُهُ بقوَّةٍ مُؤلِمة، فأتعجَّبُ: كيف استطاعَ كاتبٌ رحلَ شابًّا أنْ يرى مِنَ المستقبلِ ما لم ننجحْ نحنُ، بكلِّ ما امتلكناهُ مِن وسائلَ ومعارفَ، في تجاوُزِهِ؟
ومن هنا بدأتْ رحلتي مع هذا البحث، الذي يحملُ عنوانَ مداخلتي اليوم، لقد شرعتُ فيه منذُ سنواتٍ، ثم توقَّفتُ لأنَّني شعرتُ أنَّ العودةَ إلى غسَّان تحتاجُ إلى نُضجٍ آخر، وإلى مسافةٍ زمنيَّةٍ تجعلُ القراءةَ أكثرَ إنصافًا، وأشدَّ عمقًا.
وعندما عدتُ إليه من جديدٍ، أدركتُ أنَّني كنتُ أبحثُ في العناوينِ الكُبرى: المقاومةِ، والهُويَّةِ، والمنفى؛ لكنَّني وجدتُ أنَّ هذه المفاهيمَ جميعَها كانت تصبُّ في نهرٍ واحدٍ هو الكرامة.
فماذا لو كانَ الوطنُ في لحظةٍ ما كلمةً قبلَ أنْ يكونَ أرضًا؟ وماذا لو كانتِ الهزيمةُ تبدأُ يومَ يفقدُ الإنسانُ قدرتَه على تسميةِ الأشياءِ بأسمائِها، لا يومَ يفقدُ بيتَه أو مدينتَه؟ وهل يستطيعُ الأدبُ أنْ يُعيدَ إلى الإنسانِ ما عجزتِ السِّياسةُ والتاريخُ عن استعادته؟

أسئلةٌ كهذه لا زالت تطرقُ ذهني وأنا أقرأُ غسَّانَ كنفاني، وتُلاحقُني كلَّما أغلقتُ أحدَ كُتُبِهِ.
كنتُ أظنُّ أنَّني أفرغُ من روايةٍ، فإذا بي أبدأُ رحلةً جديدةً مع سؤالٍ آخر، فكلُّ نصٍّ عنده يبدأُ من الصفحة الأخيرة؛ وكأنَّ غسَّانَ يزرعُ في قارئِهِ قلقًا معرفيًّا يظلُّ ينمو كلَّما تقدَّمتْ به السِّنون.
ولعلَّ هذا هو سرُّ الأدبِ العظيم؛ فهو لا يمنحُ قارئَه راحةَ الإجابات بقدر ما يمنحُه شجاعةَ الأسئلة.
ولذلك، كلَّما عدتُ إلى “رجالٍ في الشَّمس”، بسؤالها الخالد: “«لماذا لم تدقُّوا جدرانَ الخزَّان؟” أستثني نهايةً لثلاثةِ رجال، مستلهمة بدايةً لسؤالٍ أكبرَ عن الإنسانِ الذي يصمت.
وكلَّما قرأتُ “عائدًا إلى حيفا” أجدُ نفسي أمامَ رحلةٍ مؤلمةٍ إلى الضَّمير.
أمَّا “أمُّ سعد” فكانتْ درسًا في كيف تتحوَّلُ البساطةُ إلى بطولة، واليوميُّ إلى مقاومة.
أقولها بصدقٍ الآن: لم يَعُدْ يشغلُني سؤالُ: ماذا كتبَ غسَّانُ كنفاني؟ لأنَّ المكتبةَ العربيَّةَ أجابتْ عن هذا السُّؤالِ منذُ زمن، وإنَّما أصبحَ السُّؤالُ الذي يُلِحُّ عليَّ هو: أيُّ إنسانٍ كان يريدُ غسَّانُ كنفاني أن يبنيه من خلالِ الكتابة؟
ومن هذا السُّؤالِ تحديدًا، وُلِدَتْ هذه المداخلةُ التي تُحاولُ أنْ تقرأَ مشروعَه السَّرديَّ والفكريَّ من زاويةٍ أرى أنَّها ما تزالُ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التَّأمُّل، فهل تكونُ القراءةُ وفاءً للنَّصِّ إذا اكتفينا بالإعجابِ بجماليَّاتِهِ، أم أنَّ الوفاءَ الحقيقيَّ يبدأُ عندما يسمحُ النَّصُّ بأنْ يُعيدَ تشكيلَ وعينا، وأنْ يُزعزعَ يقينَنا، وأنْ يدفعَنا إلى مساءلةِ ذواتِنا قبلَ مساءلةِ العالم؟
إنَّني أؤمنُ بأنَّ الأدبَ العظيمَ لا يُغيِّرُ الأحداثَ مباشرةً، لكنَّه يُغيِّرُ الإنسانَ الذي يصنعُ الأحداث، فهو يُوقظُ ما كان كامنًا في عقولنا، ويُوقظُ الحسَّ بالعدل، والقدرةَ على التمييزِ بينَ الحقِّ والمِنَّة، وبينَ الحريَّةِ والوهم، وبينَ الحياةِ العادية وحياة الكرامة.
ولذلك، فإنَّ النُّصوصَ التي كتبها غسَّانُ كنفاني لا تطلبُ من قارئِها أن يتعاطفَ مع الفلسطينيِّ، فهي توجب عليه بأنْ يُعيدَ تعريفَ الإنسانِ في داخله، وأنْ يسألَ نفسَه: أيُّ كرامةٍ تبقى إذا صمتَ الضَّمير؟ وأيُّ وطنٍ يُبنى إذا تهدَّمَ الإنسانُ من داخله؟
ولعلَّ هذا هو السِّرُّ الذي جعلَ نُصوصَه تتجاوزُ حدودَ زمانِها ومكانِها؛ لأنَّها خاطبتِ البنيةَ العميقةَ للوعيِ الإنساني، فالأحداثُ يطويها الزَّمن، أمَّا الوعيُ فيظلُّ قادرًا على مقاومةِ النِّسيان، وعلى إعادةِ إنتاجِ المعنى كلَّما ظنَّ العالمُ أنَّ الحكايةَ قد انتهت.
ولهذا، فإنَّني لا أدعوكم اليومَ إلى قراءةِ غسَّانَ كنفاني من جديد، أنا أدعوكم بأنْ تدعوا غسَّانَ كنفاني يقرأُكم؛ لأنَّ النُّصوصَ الخالدةَ تظلُّ مفتوحةً في داخلِنا، تُقلقُنا، وتُربكُ يقينَنا، وتُعيدُ ترتيبَ سلَّمِ القِيَمِ فينا حتى نصبحَ بعدَ قراءتِها أشدَّ إنسانيَّةً، وأعمقَ وعيًا، وأكثرَ وفاءً للحقيقة.
ومن هنا جاء اختياري لعنوانِ هذه المداخلة:
“سرديَّةُ الكرامةِ وإعادةُ بناءِ الإنسانِ الفلسطينيِّ في المشروعِ السَّرديِّ والفكريِّ لغسَّان كنفاني: مقاربةٌ في فلسفةِ المقاومةِ الثَّقافيَّة”.
لقد اخترتُ هذا العنوانَ لأنَّني أرى في غسَّان كنفاني مُفكِّرًا أعادَ عبرَ السَّردِ بناءَ الإنسانِ الفلسطينيِّ كونُه ذاتًا واعيةً، وفاعلًا أخلاقيًّا، وحارسًا للذَّاكرة.
وهنا، في تقديري، تكمنُ عبقريَّةُ مشروعِهِ، وتبدأُ فلسفةُ المقاومةِ الثَّقافيَّةِ التي سأحاولُ أنْ أقرأَها معكم اليوم.
“فإذا كنَّا مُدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدرُ بنا أن نُغيِّرَ المُدافعين، لا أنْ نُغيِّرَ القضية”.
بهذه العبارةِ التي تُلزمُ كلَّ مثقَّفٍ حقيقيٍّ أخلاقيًّا، يُطلُّ علينا غسانُ كنفاني، من صفحاتِ كتبه، ومن قلبِ أسئلتِنا الراهنة، فالزمنُ يا رعاكم الله، على امتدادِ عقوده، لم يستطع أنْ يطويَ صوتَه، ولم ينجحِ الاغتيالُ في إسكاتِ كلماتِه.
أيُّها الأصدقاءُ… أنصِتوا، فما نحن بصدد استعادة سيرة رجلٍ رحل، فوالله كلُّ ما نحتاجه هو استحضار مشروعٍ فكريٍّ ما زال يكتبُ حاضرَنا، ويختبرُ ضمائرَنا، ويعلِّمُنا أنَّ الكلمة قد تعيشُ أطولَ من صاحبها، وأنَّ الأفكارَ العظيمة لا تُغتال.
فكيف يمكنُ أنْ نتحدَّثَ عن غسانِ كنفاني بصيغةِ الماضي، وهو الكاتبُ الذي ما زالت أسئلتُه تُصاغُ بصيغةِ الحاضر؟ وكيف يجوزُ لنا أنْ نُؤرِّخَ له، فيما نصوصُه ما تزالُ تسبقُ تاريخَها، وتفاجئُ قرَّاءَها كلَّما ظنُّوا أنَّهم أحاطوا بها؟ وأنّى لهم ذلك…
ألسنا، ونحن نجتمعُ اليومَ من أوطانٍ وثقافاتٍ متعدِّدة، نكتشفُ أنَّ الأدبَ العظيمَ لا يعترفُ بالحدود، وأنَّ فلسطينَ التي كتبها غسانُ كانت، وما زالت، امتحانًا دائمًا لمعنى الإنسان؟
لقد أدرك غسانُ كنفاني منذ وقتٍ مبكر أنَّ الاحتلالَ لا يكتفي بمصادرةِ الأرض، إنما يسعى إلى مصادرةِ الرواية بكل ما أوتي من جبروتٍ وبطشٍ وساديّةٍ؛ لذلك لم يكتبْ ليملأَ الفراغَ بين حَدثين، ولا ليضعَ جملةً معترضةً بين قوسَين، ولا ليَرْسمَ بحروفِه معشوقةً بضفيرتين، وإنَّما كتبَ يا أصحابَ الفضيلةِ ليمنعَ الفراغَ من أنْ يستوطنَ الذاكرة في أصقاعِ المشرقَين والمغربَين.
وعندما نقرأُ اليومَ صرختَه المُدوِّية في خاتمة “رجال في الشمس”: “لماذا لم تدقُّوا جدرانَ الخزَّان؟”، فإنَّنا نقرؤها بداية لروايةٍ أخرى تسائلُ الأخلاقَ والكرامةَ، وتتجدَّدُ كلَّما واجه الإنسانُ لحظةً يُختبَرُ فيها صمتُه، أو يخشى أنْ يدفعَ ثمنَ صوتِه.
لقد تحوَّل هذا السؤالُ من نهايةِ روايةٍ إلى بدايةِ وعيٍ، ومن حدثٍ روائيٍّ إلى استعارةٍ كبرى لمسؤوليَّة الإنسان أمامَ التاريخ.
ولذلك كان غسانُ يكتبُ ضدَّ الهزيمة، منشغلًا بمنعِ المأساةِ من أن تتحوَّل إلى هُويَّة. فالهزيمةُ، في مشروعِه ليست خسارةَ معركة، وإنَّما باتت قبولَ الإنسانِ بأنْ يُعادَ تعريفُه بعينِ مَن سلبَه حقَّه.
ولعلَّنا نجدُ صدى ذلك في “عائد إلى حيفا”، عندما يضعُ شخصيَّاتِه أمامَ حقيقةٍ مؤلمة في قوله: “الوطنُ هو ألَّا يحدثَ ذلك كلُّه”، فهذه العبارةُ المكثَّفةُ تكشفُ أنَّ الوطنَ منظومةٌ من العدالةِ والكرامةِ والاختيارِ بعيدا عن اختزالِه في مكانٍ معيّنٍ، فإذا انهارت هذه المنظومة، لم يعدِ المكانُ وحدَه كافيًا لاستعادةِ معنى الوطن.
ثمَّ يذهبُ أبعدَ من ذلك عندما يقولُ في موضعٍ آخرَ من الرواية: “الإنسانُ قضيَّة”، وهنا يبلغُ مشروعُه ذروتَه الفكريَّة؛ فالإنسانُ عند غسان قيمةٌ أخلاقيَّة، وفاعلٌ تاريخي، وحاملٌ لذاكرةٍ لا يجوزُ أن تُختزلَ في الحنين، وأرقامِ سجلّات اللجوء، والشاهدين على النكبة، وأعداد المخيمات.
ومن هنا نفهمُ لماذا كان يؤمنُ بأنَّ الدفاعَ عن الأرض يبدأُ بالدفاعِ عن الإنسان الذي يحملُها في وعيِه قبل أنْ يحملَها تحت قدميه.
فيا تُرى، ماذا كان سيقولُ غسانُ لو رأى عالَمَنا اليوم؟ أكان سيشعرُ أنَّه العالمُ الذي حذَّر منه، أم كانَ سيهمسُ إلينا كما لو أنَّنا ما زلنا نعيشُ في ذلك “العالَمِ الذي ليس لنا”، العالمُ الذي يُطالَبُ فيه الإنسانُ أنْ يتصالحَ مع اقتلاعِه، وأنْ يعتادَ فُقدانَ حقِّه، وأنْ يبحثَ عن وطنٍ له في المنافي، بينما الوطنُ الحقيقيُّ بائسٌ كسيرٌ ينتظرُ أبناءَه؟
فيا ليتنا أصغينا حقًّا إلى ما قاله، لكنّا وَعَينا المعنى الحقيقي للنصوصُ الكبرى التي تحيا لنحيا، فهي تكشفُ البِنيةَ العميقةَ للأسئلةِ التي لا يَكُفُّ التاريخُ عن تكرارها؛ لكننا ندمنا ولات حينَ مَندَم.
واليوم أحاولُ بما أمتلكُهُ من وقتٍ ضيّقٍ أنْ أحاورَ مشروعًا فكريًّا ما زال يقاومُ الاغتيالَ بالكتابة، ويؤكِّد لنا أنَّ الكلمةَ إذا خرجت من ضميرٍ حُرٍّ تستطيعُ أنْ تهزمَ النسيان، وأنْ تصنعَ من الذاكرةِ مستقبلًا، لا مجرَّدَ ماضٍ يُستعاد.
ولعلَّ أجملَ ما في غسان كنفاني أنَّه لا يسمحُ لنا بأنْ نقرأَه مرَّتين بالطريقةِ نفسِها، ففي كلِّ عودةٍ إليه تتغيَّرُ الأسئلة، وتتبدَّلُ زوايا النظر، حتى بدا لي أنَّ المشروعَ الذي كنتُ أظنُّه بحثًا في أدب المقاومة، كان في جوهره بحثًا في الإنسان.
إنَّ أوَّلَ لفظةٍ في عِنواني “السرديَّة”، تتنافرُ مع معناها الحكائيِّ الضيِّق، فهي منظومةٌ من المعاني، والقيم، والرؤى، تنتظمُ النصوصَ، وتوجِّه طرائقَ تمثيلِ العالم، والإنسان، والتاريخ. ومن هذا المنظور أصبحتِ الكرامةُ في الأدبِ الكنفاني بِنيةً عميقةً تنتظمُ خطابَه السردي.
أمَّا الكرامةُ، فلم أخترْها لأنَّها مفردةٌ وجدانية، أو شعارٌ إنساني، فهي المفتاحُ التأويليُّ الذي يجمعُ شتاتَ مشروعِ غسان كنفاني.
فكلَّما قرأتُ رواياتِه، وقصصَه، ومقالاتِه، وجدتُ أنَّ سؤالَ الأرض يقودُ إلى سؤالِ الهُويَّة، وسؤالَ الهُويَّة يقودُ إلى سؤالِ الحرية، لكنَّ هذه الأسئلةَ جميعَها كانت تعودُ، في النهاية، إلى سؤالٍ أشمل ألا وهو: كيف يبقى الإنسانُ إنسانًا عندما يُقتلعُ من أرضِه، ويُحاصَرُ في ذاكرتِه، ويُرادُ له أنْ يعتادَ فُقدانَ حقِّه؟ هنا تصبحُ الكرامةُ جوهرَ المشروع، لا أحدَ موضوعاتِه.
ثمَّ يأتي التعبيرُ الثاني المتمثّل في “إعادةُ بناءِ الإنسانِ الفلسطيني”، وقد تعمَّدتُ استعمالَ فعلِ إعادةِ البناء؛ لأنَّ غسان كنفاني يكتبُ عن إنسانٍ حاولَ الاستعمارُ أنْ يهدمَ وعيَه، وأنْ يعيدَ تعريفَه على أنّه لاجئٌ، أو ضحيةٌ، أو رقمٌ في سجلِّ النزوح.
غيرَ أنَّ السردَ عند كنفاني يقاومُ هذا الاختزال، ويعيدُ تشكيلَ الإنسانِ كذات أخلاقية، وفاعل تاريخيّ، وحامل لذاكرةٍ تُقاسُ بما حافظتْ عليه لا بما فقدته.
أمَّا قولي: “المشروعُ السرديُّ والفكريُّ”، فلأنَّني لا أنظرُ إلى رواياتِ غسان بمعزلٍ عن مقالاتِه وكتاباتِه السياسيةِ والنقدية. لقد بدا لي أنَّ هذه النصوصَ، على اختلافِ أجناسِها، تتحاورُ فيما بينها، وتنبني على رؤيةٍ واحدة، حتى غدتِ الروايةُ عنده امتدادًا للفكرة، وغدتِ الفكرةُ امتدادًا للسرد.
وأخيرًا، جاءت العبارةُ الفرعية: “مقاربةٌ في فلسفةِ المقاومةِ الثقافية”»؛ لأنَّني لا أتعاملُ مع المقاومةِ على أنها حدث عسكريّ، أو موقف سياسيّ فحسب، فهي أسمى بكثير من ذلك، إنها فعلٌ ثقافيٌّ يبدأُ من استعادةِ المعنى قبل استعادةِ المكان، ومن حمايةِ الذاكرة قبل حمايةِ الحدود، ومن إعادةِ بناءِ الإنسان قبل إعادةِ بناءِ الجغرافيا.
ولعلَّ هذا هو الدرسُ الأعمقُ الذي يقدِّمه لنا غسان كنفاني بأنَّ أخطرَ أشكالِ المقاومةِ هي تلك التي تمنعُ الإنسانَ من أنْ يُهزمَ من الداخل.
لهذا كلِّه كان العنوانُ خلاصةَ رحلةِ قراءةٍ طويلة، ومحاولةً للإجابة عن سؤالٍ ظلَّ يرافقني في كلِّ مرَّةٍ أعودُ فيها إلى غسان كنفاني.
فما الذي كان يكتبه غسانُ كنفاني حقًّا؟ أكان يكتبُ روايةً؟ أم كان يكتبُ فلسفةً كاملةً في معنى الكرامة؟
حينما نقرأُ العبارةَ المتداولةَ والمنسوبةَ إليه: “يسرقون رغيفَك، ثم يعطونك منه كِسرةً، ثم يأمرونك أنْ تشكرهم على كرمهم… يا لوقاحتهم!”، فهل كان يتحدَّث عن الرغيف؟ كلا. إنَّ الرغيفَ هنا ليس سوى استعارةٍ للحق، والكِسرةَ ليست سوى صورةٍ للحقِّ المنقوص، أمَّا الامتنانُ المفروض فليس إلا محاولةً لإعادة تشكيل وعي الإنسان، حتى ينسى أنَّ ما مُنح له لم يكن هبةً، فهو جزءٌ ممَّا سُلِب منه.
أفلا يحقُّ لنا أنْ نتساءل: أيُّ مقاومةٍ تبقى إذا فقد الإنسانُ قدرتَه على التمييز بين الحقِّ والمِنَّة؟ وأيُّ كرامةٍ تظلُّ قائمةً إذا تحوَّل المسلوبُ إلى شاكرٍ لمن سلبه؟ هنا تحديدًا يبدأ مشروعُ غسان كنفاني من استرداد الوعي قبل استرداد الرغيف.
ثم نقرأُ القولَ المتداولَ المنسوبَ إليه: “خُلِقَت أكتافُ الرجالِ لحملِ البنادق، فإمَّا عظماءُ فوق الأرض، أو عظامٌ في جوفها”.
أفنفهمُ هذه العبارةَ على ظاهرها؟ أم نتجاوزُ ظاهرَها إلى دلالتها؟ إنَّ البندقيةَ عند غسان رمزٌ لتحمُّل المسؤولية، فالرجلُ الذي يتحدَّث عنه ليس جسدًا يحملُ سلاحًا، وإنَّما إنسانٌ يحملُ قضية، فعظمةُ الإنسانِ تُقاسُ بعمق موقفه، وبما يدافعُ عنه.
وهنا أصلُ إلى العبارةِ التي أُعدُّها مفتاحًا لقراءة مشروعه كلِّه: “إنَّ قضيةَ الموت ليست في أنْ يموتَ المرء، بل في سبيلِ ماذا يموت.”.
تأمَّلوا معي… لم يقل: كيف يموتُ؟ ولم يقل: متى يموتُ؟ إنما سأل عن الغاية، فغسان ينقل سؤالَ الإنسان من دائرة البيولوجيا إلى دائرة الفلسفة؛ فالموت، في نظره موقفٌ أخلاقيٌّ يكشفُ معنى الحياة.
أليس هذا هو جوهرُ الكرامة؟ بأنْ يصبحَ الإنسانُ قادرًا على أنْ يمنح حياتَه معناها، فلا يتركُ الآخرين يفرضون عليه معناها؟
لهذا اخترتُ عنوانَ مداخلتي لأنني وجدتُ أنَّ الكرامةَ هي الخيطُ الناظمُ الذي يجمع هذه الأقوالَ كلَّها، كما يجمع رواياتِه ومقالاتِه.
فهو يدعو إلى مقاومةٍ تستعيد الإنسانَ أولًا؛ لأنَّ الأرض قد تُغتصب، أمَّا الإنسان، فإذا استسلم لاغتصابِ وعيِه، فقد خسر المعركةَ قبل أنْ تبدأ.
فلا تقرؤوا غسانَ كنفاني مؤرِّخًا للنكبة، ولا تحصروه في أدب المقاومة بمعناه الضيِّق، اقرأوه فيلسوفًا للسؤال الإنساني، وكاتبًا أدرك أنَّ أعظم انتصارٍ على القهر هو أنْ يبقى الإنسانُ وفيًّا لكرامته، وأن تبقى الكلمةُ قادرةً على أنْ تعيد بناءَ ما حاول الظلمُ أن يهدمَه.
ولعلَّ ما يدعوني إلى اقتراح هذه القراءة هو اقتناعي بأنَّ غسانَ كنفاني لا يزالُ بعد أكثر من نصف قرنٍ على رحيله، يُقرأ، في كثيرٍ من الأحيان، من خلال عناوين كبرى استقرَّت في الوعي النقدي، مثل: “أدب المقاومة” أو “أدب اللجوء”، وهي توصيفاتٌ صحيحةٌ في جانبٍ منها، لكنَّها لا تستوعب كلَّ أبعاد مشروعه.
فلو تأمَّلنا نصوصَه بعمقٍ لوجدنا أنَّ القضيةَ المركزية هي بناءُ الإنسانِ القادرِ على مقاومةِ تحويلِ المأساة إلى قَدَر، والاقتلاعِ إلى هُوية، والصمتِ إلى عادة.
في الحقيقةِ لم يكنْ مفهومُ “سَرْدِيَّةِ الكرامةِ” بالنِّسبةِ إليَّ مُصطلحًا نقديًّا جديدًا أبحثُ له عن موطئِ قدمٍ في الدِّراساتِ الأدبيَّة، بقَدْرِ ما كان محاولةً للإصغاءِ إلى ذلك الخيطِ الخفيِّ الذي ينتظمُ المشروعَ السَّرديَّ والفكريَّ لغسَّان كنفاني.
فالكرامةُ، كما تجلَّتْ في نُصوصِهِ هي البِنيةُ العميقةُ التي تُعيدُ صياغةَ العلاقةِ بين الإنسانِ والأرض، وبين الذَّاكرةِ والتاريخ، وبين الحُرِّيَّةِ والمسؤوليَّة، حتى يغدو الدِّفاعُ عن الوطنِ دفاعًا عن الإنسانِ أوَّلًا، ويغدو تحريرُ الأرضِ امتدادًا لتحريرِ الوعي، لا بديلًا عنه.
ولعلَّ هذا ما جعلني أُؤمنُ بأنَّ غسَّان كنفاني كتبَ فلسطينَ وهي تُعيدُ كتابةَ الإنسان.
وإذا كانتِ الرِّوايةُ، في معناها البسيط، تروي ما حدث، فإنَّ غسَّان كان يكتبُ ما ينبغي ألَّا يحدُثَ، ويوقظُ في قارئِهِ السُّؤالَ قبلَ أنْ يمنحَه الجواب، ويوقظُ فيه القلقَ الخلَّاقَ قبلَ أنْ يُغريَهُ بالطمأنينة؛ لأنَّ الأُممَ التي تتوقَّفُ عن مساءلةِ نفسِها، تتوقَّفُ في اللَّحظةِ نفسِها عن صناعةِ مستقبلِها.
إنَّ “سَرْدِيَّةَ الكرامةِ” هي بداية لقراءةِ غسان؛ لأنَّ النُّصوصَ العظيمةَ لا تمنحُنا أجوبةً نهائيَّةً، وإنَّما تُعلِّمُنا كيف نصوغُ أسئلتَنا بصورةٍ أفضل.
ولذلك، لا أزعُمُ أنَّني أحطتُ بهذا المشروعِ الكبيرِ في هذه المداخلةِ الوجيزة؛ فغسَّان كنفاني أكبرُ من أن يُختصرَ في بحث، وأعمقُ من أنْ يُقرأَ مرَّةً واحدة.
وكلُّ ما أرجوه أنْ أكونَ قد فتحتُ نافذةً صغيرةً على عالمٍ ما يزالُ يتَّسعُ لكلِّ قراءةٍ جديدة، ولكلِّ قارئٍ يُؤمنُ بأنَّ الكلمةَ قد تُغتال، لكنَّها لا تموت، وأنَّ الإنسانَ ما دام يحرسُ ذاكرتَه وكرامتَه يظلُّ قادرًا على إعادةِ بناءِ وطنِهِ حتى وإنْ تأخَّرَ موعدُ العودةِ الحتميّةِ.
أشكُرُكم على إيمانِكم بأنَّ الحوارَ حول الأدبِ هو في جوهرِهِ حوارٌ حولَ الإنسان.

شاهد أيضاً

الخليلي: الشباب الفلسطيني شركاء في صناعة الحاضر وحملة المشروع الوطني وصناع الأمل

الخليلي: الشباب الفلسطيني شركاء في صناعة الحاضر وحملة المشروع الوطني وصناع الأمل

شفا – شاركت وزيرة شؤون المرأة، أ. منى الخليلي، في المؤتمر الختامي لمشروع “تمكين الشباب …