1:14 مساءً / 4 يوليو، 2026
آخر الاخبار

مذكرات مطارد: حكايات من جبال الزاوية ، بقلم : د. عمر السلخي

مذكرات مطارد: حكايات من جبال الزاوية ، بقلم : د. عمر السلخي

مذكرات مطارد: حكايات من جبال الزاوية ، بقلم : د. عمر السلخي

حين أصبح العلم معركة… والجبل شاهداً

عام 1986… كانت بلدة الزاوية تعيش واحدة من أكثر مراحل الانتفاضة اشتعالاً.

في مبنى مدرسة الزاوية المختلطة (التي تُعرف اليوم بمدرسة الزاوية الأساسية للذكور)، وتحديداً على نافذة غرفة المعلمين المطلة على الشارع القبلي، رُفع أول علم فلسطيني في البلدة. لم يكن علماً قماشياً عادياً، بل كان علماً رُسم بألوان الصابون، ثم عُلّق في منتصف الليل بمشاركة عمتي التي رافقتني في تنفيذ المهمة.

مع إشراقة الصباح، وقف الجميع أمام المشهد. لم يجرؤ أحد من جنود الاحتلال على الاقتراب منه في تلك اللحظات. تجمع الطلبة والمعلمون، وتحول الشارع إلى مقصد لأهالي البلدة الذين جاءوا يشاهدون العلم المرفرف. كان حدثاً استثنائياً ظل حديث الناس لأيام، لكنه دفع الاحتلال إلى حملة اعتقالات طالت سبعة من شباب البلدة، تعرضوا خلالها لتحقيقات قاسية وتعذيب شديد.

قبل ذلك، كانت الاستعدادات تبدأ من قمة الجلجل غرب الزاوية، حيث كنا نعقد اجتماعاً سرياً لتوزيع المهام على المجموعات.

المجموعة الأولى أوكل إليها إغلاق مداخل البلدة بالحجارة.

والمجموعة الثانية كانت مهمتها تعليق العلم الفلسطيني على أسلاك الكهرباء القطرية في منطقة خلة الشرقية. ذلك العلم الذي عُرف لاحقاً بين الأهالي باسم “العلم الصامد”، لأن جنود الاحتلال لم يتمكنوا من إنزاله، وكانوا كثيراً ما يطلقون عليه الرصاص في محاولة لإسقاطه دون جدوى.

أما المجموعة الثالثة، فكانت مسؤولة عن تعليق الأعلام على الأعمدة وكتابة الشعارات الوطنية على الجدران.

بينما كانت المجموعة الرابعة، التي كنت أحد أفرادها، تتولى المهمة الأصعب والأكثر خطورة: رفع العلم فوق مئذنة مسجد الزاوية.

بعد صلاة الفجر، حملنا العلم الذي خاطته بأيديهن الأمهات والأخوات، إلى جانب سارية حديدية يبلغ طولها مترين، واتجهنا نحو منطقة الهدد، قلب البلدة القديم.

كان باب المئذنة مفتوحاً. صعدنا الدرج حتى وصلنا إلى الصيوان، وهناك بدأ بطل المهمة، الأخ المناضل سفيان شقور، الذي أمضى خمس سنوات مطارداً وخمس سنوات أسيراً، يتسلق قبة المئذنة التي ترتفع أكثر من أربعة أمتار، من دون حبل أو أي وسيلة حماية، حاملاً العلم والسارية، فيما كانت الرياح تعصف بالمكان.

مرت دقائق بدت وكأنها ساعات…

ثم ارتفع العلم الفلسطيني فوق المئذنة.

في تلك اللحظة، لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان رسالة تقول: نحن هنا… باقون… وهذه الأرض فلسطينية بامتياز.

غادرنا المكان بسرعة، واتجهنا إلى الجبل الأزرق، بينما كانت البلدة تستعد مع أول ضوء نهار ليوم جديد من مواجهة الاحتلال؛ أعلام ترفرف، شعارات وطنية تملأ الجدران، سواتر حجرية تغلق الطرق، وحجارة ومقاليع تنطلق في كل الاتجاهات.

في المقابل، كانت قوات الاحتلال تقتحم البلدة، تفتش المنازل، وتمحو الشعارات، وتزيل الأعلام والسواتر، لكن المسيرة كانت تتجدد في كل يوم.

داخل كهوف الجبل الأزرق، كانت المجموعات تلتقي بعد أن يسلك كل منها طريقاً مختلفاً. كنا ننام بينما يتولى أحد الإخوة الحراسة.

وفي إحدى الليالي، أيقظنا أبو العبد على عجل.

كانت إشارات المراقبة تعلن اقتراب قوات الاحتلال، وظهرت آليات الجيش على طريق رافات. نهضنا بسرعة، رتبنا أغراضنا، وغادرنا المكان باتجاه جبل الكروم.

عندما عدنا في اليوم التالي، أدركنا من آثار تحركات الجنود أنهم اكتشفوا مكان مبيتنا.

قررنا أن نترك لهم رسالة.

كتب المناضل سفيان شقور باللغة العبرية:

“الكابتن سفيكا… لا تُتعب نفسك ، هذه الجبال تعرفنا، ونحن نعرف دهاليزها، حتى أشجار الزيتون تخبرنا عن تحركاتكم ، الليلة الماضية وصلتم الساعة الثالثة فجراً، وتوقفت جيباتكم على طريق رافات، ثم احتجتم نصف ساعة سيراً حتى وصلتم إلى المكان… بينما كنا لا نبتعد عنكم سوى أمتار قليلة.”

تركنا الرسالة في الموقع، وانتقلنا إلى سفح الجبل المقابل نراقب ما سيحدث.

وقبيل منتصف الليل، عادت إشارات المراقبة تعلن وصول الجيش.

جلسنا بصمت نترقب…

ولم تمضِ سوى دقائق حتى أضاءت السماء بالقنابل الضوئية والانفجارية، في محاولة للقبض علينا.

رغم خطورة الموقف، شعرنا بالفخر؛ فقد نجحنا مرة أخرى في إرباك الاحتلال واستنزافه.

في تلك السنوات، كان مجرد كتابة شعار وطني أو تعليق علم فلسطيني كفيلاً بأن يحكم على صاحبه بالسجن عاماً كاملاً.

وبعد سنوات، وخلال أحد التحقيقات، دخل ضابط المخابرات المعروف باسم “الكابتن سفيكا”، وقال لي ساخطاً:

“بتتخوث عليّ انت و الصوص؟”

ابتسمت في داخلي، فقد رحل سفيكا عن المنطقة مع مرور الزمن، أما المناضلون فبقوا، وبقيت الحكاية شاهدة.

وكما يقول المثل الشعبي:

“ما بظل في الواد إلا حجاره.”

شاهد أيضاً

بلدية بيت لحم تبحث مع وفد أوروبي سبل التعاون وتعزيز المناصرة الدولية

بلدية بيت لحم تبحث مع وفد أوروبي سبل التعاون وتعزيز المناصرة الدولية

شفا – استقبل رئيس بلدية بيت لحم الأستاذ حنا حنانيا، في دار البلدية، الدكتورة هند …