
مذكرات مطارد: حكايات من زمن الانتفاضة الاولى ، بقلم : د. عمر السلخي
رغيف الطابون… وطعم الوطن
اشتد الشتاء، وأصبح البرد يلسع العظام حتى كأنه “يقص المسمار”. كنا نفترش الأرض ونلتحف السماء، نبيت في أحضان الجبل الأزرق، نراقب الغيوم الثقيلة، ونعدّ ومضات البرق بين هدير الرعد.
لم يكن يحمينا من قسوة الشتاء سوى بدلات عسكرية مهربة وملابس بلاستيكية عازلة للمطر، جعلتنا قادرين على النوم في أي مكان، وحفظت أجسادنا المنهكة من برد الليالي الطويلة.
مع اقتراب الفجر، ارتفع أذان المسجد معلنًا بداية يوم جديد. جمعنا أمتعتنا على عجل قبل أن ينتشر رعاة الأغنام في الجبال، بينما كانت مروحيات الاحتلال تحلق بكثافة فوق البلدة، في إشارة إلى أن يومًا صعبًا ينتظرنا.
تحركنا نحو جبل الكروم، وكانت خطتنا دخول البلدة من جهتها الغربية.
لكن قبل أن يُتم المؤذن الأذان، انقطع صوته فجأة، وخرجت عبارة بدت للناس عادية، لكنها بالنسبة إلينا كانت رسالة إنذار واضحة:
“الغنم عالخروب…”
تكررت العبارة مرة أخرى.
تبادلنا النظرات، وفهمنا المقصود.
الخطر يقترب.
استدرنا فورًا وعدنا من حيث أتينا.
ومع شروق الشمس، راقبنا المشهد من بعيد بواسطة المنظار. كانت قوات الاحتلال منتشرة في كل مكان؛ بين الجبال، وعلى مداخل البلدة، وفوق المباني المرتفعة، في عملية عسكرية واسعة أحكمت الطوق حول المنطقة.
قررنا مغادرة المكان باتجاه دير بلوط، حيث لجأنا إلى كهف يقع بين التكوينات الصخرية العالية.
وجدنا هناك رفاق المطاردة الذين لم يغادروا الكهف منذ يومين، بعدما أغلقت قوات الاحتلال الطرق، وسيطرت على السهل والبلدة بالكامل.
نفد الطعام.
لكن الطبيعة كانت دائمًا تقف إلى جانبنا.
جمعنا أوراق اللوف التي تنبت بين الصخور، وأعددنا منها وجبة متواضعة، بدت لنا يومها أشهى من أي طعام فاخر.
ثم جلسنا نلعب الشطرنج.
كانت الأيدي تحرك القطع، بينما كانت العقول كلها في مكان آخر…
في البلدة…
عند الأهل…
نتساءل: ماذا جرى؟
بعد يومين، وصل المرسال يحمل خبر انسحاب قوات الاحتلال من دير بلوط.
مع حلول الليل، تسللنا إلى أحد البيوت، وكانت أبواب البيوت آنذاك تُفتح للمطاردين بمحبة وشجاعة. استحممنا، وتناولنا الطعام، واستعدنا شيئًا من قوتنا بعد أيام طويلة من المطاردة.
وفي الصباح، واصلنا المسير شمالًا، مرورًا بمغر عامر، ثم العين، حيث شربنا من مياهها الباردة، ومنها إلى خلة الرهبان ومنطقة البركة.
هناك التقينا بالأصدقاء، وعرفنا ما حدث.
كانت البلدة قد عاشت واحدة من أعنف حملات التفتيش. اقتُحمت معظم المنازل، وعاش الناس، وخاصة الأطفال والنساء، ساعات طويلة من الرعب.
حينها لم أعد أستطيع مقاومة الشوق.
خمسة أشهر كاملة مرت، ولم أدخل بيتي.
اشتقت إلى شجرة التين التي كبرت معها.
اشتقت إلى الليمونة في ساحة الدار.
اشتقت إلى الحمام الذي كان ينتظر حبات القمح على سطح المنزل.
اشتقت إلى والدي، وإلى مداعبة أخواتي الصغيرات.
اشتقت إلى أمي…
إلى رغيف الخبز الخارج لتوه من الطابون.
إلى فنجان القهوة على البرندة.
حتى إلى الجارات، ودفء الصباحات القديمة؛ زجاجة الحليب التي تصل من بيت، وسلة الصبر من بيت آخر، وكعكة بيتية ترسلها جارة بمحبة.
كانت تلك الأيام تُبنى على البساطة، وتُحفظ بالمحبة.
اعترض رفاقي على فكرة دخول المنزل. كانوا يرون أن المخاطرة كبيرة، وأن البلدة ما زالت مليئة بالعيون والقوات الخاصة.
لكن شوق الإنسان إلى بيته لا يقاس بالحسابات الأمنية.
اتخذت قراري.
لن أتراجع.
وافق عمي، ولكن بطريقته الخاصة.
انتشر الشباب على ثلاثة خطوط مراقبة، وتمركز آخرون فوق أسطح المنازل، بينما تحرك عدد من المطاردين علنًا في الجهة الغربية للبلدة، ليجذبوا أنظار المراقبين ويشتتوا الانتباه.
وعندما جاءت الإشارة، ألقى عمي نحوي كيسًا.
فتحته.
وجدت بداخله عباءة سوداء.
ارتديتها، وحملت على رأسي “جونة” كما تحملها نساء القرية، وسلكت طريقًا لم يكن يعرفه سوى قلة قليلة.
وقفت أمام باب البيت.
طرقت الباب.
جاءني الصوت الذي حفظته منذ طفولتي:
“مين؟”
كان صوت والدي…
هادئًا، رزينًا، كما عهدته دائمًا.
دخلت، وأغلقت الباب خلفي.
نزعت العباءة عن رأسي.
نظر إليّ، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، كانت نادرة لكنها كانت تساوي الدنيا كلها.
قال بهدوئه المعتاد:
“يا هلا… هلا.”
قبلت يديه، فرفع كفيه إلى السماء يدعو الله أن يحفظني ويردني سالمًا.
دخلت أخواتي الصغيرات، وامتلأ البيت بالفرح.
سألت عن أمي.
قالوا إنها عند الطابون.
خرجت إليها.
كانت تخرج أرغفة الخبز الساخنة من النار.
سكبت قليلًا من زيت الزيتون في صحن، ووضعت إلى جانبه حبة بندورة.
جلست تحت شجرة التين، أمام الطابون، وقلت لها:
“اليوم… أريد أن آكل بهدوء… كما يأكل الناس.”
اقتربت مني تحمل الخبز الساخن، ثم أسرعت إلى المطبخ تريد أن تزيدني من الطعام.
أكلت.
وأطعمت الحمام الذي بدا وكأنه هو الآخر اشتاق إلي.
عشت يومًا عاديًا…
لكنه بالنسبة إليّ كان استثنائيًا.
يومًا يشبه الحياة التي كنا نحلم باستعادتها.
وعندما حان وقت الرحيل، خرجت من البيت، وسرت في منتصف الشارع، أتنفس هواء البلدة، وأحفظ في ذاكرتي رائحة المكان.
كانت دقائق قليلة من الحرية…
لكنها كانت تكفي لتمنح مطاردًا قوة أشهرٍ جديدة من الصمود.
ملاحظة : المطارد هو نذير السلخي ابو جهاد ، الاحداث في بلدة الزاوية / محافظة سلفيت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.