
دبلوماسية البحث العلمي والتطوير الأكاديمي: نحو تعاون عراقي صيني مستدام ، بقلم : الكاتب أحمد محمد
في عالم تتراجع فيه الحدود التقليدية بين الدول أمام قوة المعرفة والتكنولوجيا، أصبحت دبلوماسية البحث العلمي إحدى أهم أدوات التواصل الحضاري والتعاون الدولي. فلم تعد العلاقات بين الدول تبنى فقط على المصالح السياسية والاقتصادية، بل أصبحت الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية تمثل جسورًا جديدة للحوار والتقارب الإنساني، حيث تتحول المعرفة إلى لغة عالمية تتجاوز الاختلافات الثقافية والجغرافية.
إن البحث العلمي في جوهره ليس مجرد عملية إنتاج للمعرفة، بل هو فعل إنساني يسعى إلى فهم العالم وتطويره. ومن هنا تنبع أهمية الدبلوماسية العلمية التي تجعل من المختبرات وقاعات الدراسة ومنصات البحث فضاءات للتعاون المشترك، وتسهم في بناء الثقة بين الشعوب من خلال تبادل الخبرات والتجارب والأفكار.
كما تعد الصين من أبرز النماذج العالمية في توظيف البحث العلمي كأداة للتنمية والتعاون الدولي. وتبرز في هذا السياق جامعات نانجينغ، التي تأسست عام 1902 وتعد واحدة من أعرق الجامعات الصينية وأكثرها تأثيرًا في مسيرة البحث العلمي والابتكار. وتحتل الجامعة مكانة متقدمة على المستويين الوطني والدولي، إذ تعد من أبرز المؤسسات الأكاديمية في الصين وعضوًا رئيسيًا في تحالف الجامعات الرائدة الداعمة للتطوير الصناعي والابتكار. كما تمتلك سجلًا متميزًا في التصنيفات العالمية بفضل كوادرها العلمية المتقدمة ومنصاتها البحثية الوطنية والدولية وإنجازاتها الأكاديمية الرصينة.كما تبرز جامعة نانجينغ للتكنولوجيا، التي تأسست عام 2001 . وتعد الجامعة اليوم واحدة من أهم الجامعات البحثية الحكومية في الصين، وتتميز ببرامجها المتقدمة في الهندسة الكيميائية وعلوم المواد والتكنولوجيا الحيوية.
وقد حققت الجامعة مكانة عالمية متقدمة في المجالات الهندسية والعلمية، حيث تصنف ضمن أفضل الجامعات عالميًا في تخصصات الهندسة الكيميائية والكيمياء. كما تمتلك قاعدة بحثية متطورة تركز على الهندسة الكيميائية والتكنولوجيا وعلوم المواد والتكنولوجيا الحيوية والهندسة المدنية، وهو ما يجعلها شريكًا أكاديميًا وبحثيًا مهمًا للمؤسسات التعليمية والبحثية حول العالم.
وانطلاقًا من الإيمان بأهمية الدبلوماسية العلمية ودورها في بناء شراكات استراتيجية مستدامة، شهد مشروع التعاون الدولي الذي تتبناه الجامعة المستنصرية خطوات متقدمة ومهمة خلال الفترة الأخيرة. فقد تم رسميًا تسليم مذكرات التفاهم إلى جامعات نانجينغ , الصين للصيدلة و نانجينغ للتكنولوجيا، حيث جرت مراسم التسليم إلى ممثلين الجامعات الثلاث، بعد أكتمال التوقيع عليها و تصديقها أصوليا ، سلسة من الأجتماعات مع إدارات التعاون الدولي لبحث فرص التعاون الأكاديمي والعلمي وآليات تنفيذ بنود الاتفاقيات بما يخدم المصالح المشتركة للمؤسسات المشاركة.
وتبرز أهمية هذه الاتفاقيات في كونها لا تمثل مجرد وثائق إدارية، بل تشكل إطارًا عمليًا لبناء شراكات علمية وأكاديمية مستدامة تسهم في تطوير البحث العلمي وتبادل الباحثين والأساتذة والطلبة وتنفيذ المشاريع المشتركة ونقل الخبرات والتقنيات الحديثة، بما ينعكس إيجابًا على تطوير البيئة الأكاديمية العراقية وتعزيز حضورها الدولي.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة لأنها تقوم على مبدأ التكامل وتبادل المنافع بين المؤسسات الأكاديمية العراقية والصينية. فالعراق يمتلك طاقات علمية وكفاءات بحثية متميزة وخبرات متراكمة في العديد من التخصصات، بينما توفر الجامعات الصينية بيئة بحثية متقدمة وبنية تحتية علمية متطورة وتجربة رائدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار.
ومن خلال الجمع بين هذه المقومات، تتوفر فرص حقيقية لإطلاق مشاريع بحثية مشتركة وزيادة الإنتاج العلمي وتعزيز النشر الأكاديمي الدولي وتبادل الخبرات والمعارف، بما يسهم في الارتقاء بمستوى التعليم العالي والبحث العلمي في البلدين.
كما تمثل هذه الشراكات جسرًا للتواصل العلمي والحضاري، إذ تتيح للمؤسسات العراقية الاستفادة من التجربة الصينية المتقدمة في مجالات التطوير العلمي والتكنولوجي، وفي الوقت نفسه تعزز حضور الجامعات الصينية وانفتاحها الأكاديمي في منطقة الشرق الأوسط.
وبهذا تتحول العلاقة الأكاديمية بين الجانبين إلى نموذج متوازن للتعاون القائم على المعرفة والابتكار، بما يدعم التنمية العلمية المستدامة ويعزز قدرة الطرفين على مواجهة التحديات المشتركة وإنتاج حلول علمية تخدم المجتمع والاقتصاد والتنمية.
لقد استغرق الوصول إلى هذه المرحلة سنوات من العمل المتواصل والمثابرة. خلال عامي 2024 و2025 تم التواصل مع أكثر من اثنتي عشرة مؤسسة عراقية، وزيارة تسع مؤسسات من قبل فريق أكاديمي صيني مرموق منها لعرض المشروع والتعريف بأهدافه وإمكانياته.
وقد كانت الجامعة المستنصرية من أوائل المؤسسات التي آمنت بالفكرة ورحبت بها، كما تم تبني المشروع ومخرجاته رسميًا من قبل المركز العراقي لبحوث السرطان والوراثة الطبية، الذي قدم دعمًا مباشرًا ومهمًا لإنجاح هذه المبادرة بقيادة الأستاذ الدكتور علي حسين علوان، مدير عام المركز.
كما كان للدعم العلمي والإداري والأكاديمي الذي قدمه الأستاذ المساعد الدكتور موفق ساجت سمير من قسم المنظمات والاتفاقيات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي دور بارز في تحويل هذه المبادرات إلى واقع ملموس، وصولًا إلى إبرام الاتفاقيات مع جامعة نانجينغ للتكنولوجيا وجامعة الصين للصيدلة وغيرها من المؤسسات الأكاديمية الصينية.
ولا يمكن إغفال الدور المهم الذي قام به الدكتور زياد طارق محسن ، ممثل جامعة نانجينغ في العراق و التدريسي في المركز العراقي لبحوث السرطان والوراثة الطبية ، والذي أسهم بشكل فاعل في بناء جسور التواصل الأكاديمي وإطلاق هذه المبادرات العلمية التي تعزز فرص التعاون بين المؤسسات العراقية والصينية.
وقد كان للممثلية الملحقية الثقافية العراقية في بكين وللمعاون الثقافي الاستاذ المساعد الدكتور مهند نجاح جواد دورا محوريا في أدامة الزخم الدبلوماسي بين الشركاء ، و الاشراف المباشر على مراجعة وتصويب بنود الاتفاقيات بما يتلائم مع شروط و ضوابط ومحددات الجانب العراقي.
إن أهمية هذه الاتفاقيات لا تقتصر على المؤسسات الموقعة عليها فحسب، بل تمتد إلى تعزيز مكانة العراق بوصفه شريكًا فاعلًا في حركة البحث العلمي الدولية. فكل مشروع بحثي مشترك، وكل طالب مبتعث، وكل ورقة علمية تصدر نتيجة لهذا التعاون، تمثل خطوة إضافية نحو دمج العراق في الشبكات العلمية العالمية وفتح آفاق جديدة للتنمية والابتكار ونقل التكنولوجيا.
كما أن هذه الشراكات تسهم في تعزيز العلاقات بين العراق والدول الصديقة، وفي مقدمتها الصين، من خلال بناء نموذج جديد للتعاون قائم على المعرفة والعلم والاحترام المتبادل. فالدبلوماسية العلمية لا تنتج المعرفة فقط، بل تصنع الثقة وتبني المستقبل وتؤسس لعلاقات أكثر استدامة وتأثيرًا من كثير من أشكال التعاون التقليدي.
إن المستقبل لن يكون لمن يمتلك الموارد فقط، بل لمن يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها. ومن هنا فإن دبلوماسية البحث العلمي والتطوير الأكاديمي تمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد في الإنسان والعلم والتنمية، وهي الطريق الذي يمكن للعراق من خلاله أن يعزز حضوره العلمي والأكاديمي على الساحة الدولية، وأن يسهم بفاعلية في صناعة مستقبل أكثر ازدهار للأجيال القادمة.
*- أحمد محمد – عضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.



شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.