
خيمةٌ بلا نافذة.. حين يصبح الهواء أمنية ، بقلم : أكرم أبو شرخ
دخلتُ اليوم خيمةً في مواصي غزة، لم تكن مجرد مأوى مؤقت، بل مساحةً ضيقةً تحاصرها أقمشة الخيام. لا نافذة، ولا مروحة، ولا منفذ يتسلل منه الهواء. حرارةٌ خانقة، وهواءٌ راكد، وجريحٌ يصارع أنفاسه قبل أن يصارع ألمه.
كان كل شيء يوحي بأن الحياة تتباطأ؛ حتى الصمت بدا مثقلًا بالعجز.
الجرح خارج الخيمة خلّفته شظية، أما داخلها فهناك جرحٌ آخر اسمه الكتمة.
سألته: “كيف تنام هنا يا خال؟”
ابتسم ابتسامةً أنهكها الوجع، وقال: “لا أنام… أنتظر الفجر حتى أتنفس. هذا موتٌ بطيء.”
في تلك اللحظة أدركت أن المأساة لا تنتهي عند الإصابة، بل تبدأ من جديد حين يُترك الجريح داخل خيمة لا تردّ قيظ الصيف، ولا تحفظ كرامته، ولا تمنحه أبسط حقوقه: نسمة هواء.
منذ السابع من أكتوبر، لم يعد الجرحى سواء، فهناك من أنهكته الشظايا، وهناك من تستنزفه قسوة النزوح، فيخوض كل يوم معركةً صامتةً مع الحر وضيق الأنفاس.
المعادلة موجعة وواضحة:
خيمةٌ بلا نافذة… أقرب إلى تابوتٍ من قماش.
وجريحٌ بلا هواء… ضحيةٌ لموتٍ يتسلل على مهل.
ليست كل المآسي تُقاس بعدد الغارات، فبعضها يُقاس بدرجة الحرارة داخل خيمة، أو بليلةٍ طويلة يعجز فيها إنسان عن التقاط أنفاسه.
في غزة، لم تعد المروحة رفاهية، ولم يعد الهواء تفصيلًا عابرًا، بل أصبحا ضرورةً لإنقاذ حياة. فحق الإنسان لا يقتصر على العلاج والغذاء والمأوى، بل يبدأ بحقه في أن يتنفس. وعندما تتحول نسمة الهواء إلى أمنية، ندرك أن المعاناة بلغت حدًّا لا ينبغي أن يبلغه بشر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.