
ما بعد الاتفاق الأمريكي–الإيراني: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الشرق الأوسط بين التفاهم الأمريكي–الإيراني والتحفظ الإسرائيلي ، بقلم : محمد زيات
ليست كل الاتفاقات الكبرى تُقاس بحجم البنود التي تتضمنها، بل بحجم التحولات التي تفرضها على البيئة السياسية المحيطة بها، ومن هذا المنطلق، يبدو الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير حدثاً يتجاوز كثيراً حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، ليتحول إلى محطة مفصلية قد تعيد رسم خرائط التوازنات الإقليمية وتفرض على مختلف الفاعلين مراجعة حساباتهم السياسية والأمنية.
فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر غير المسبوق، اختار الطرفان الانتقال من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة الصراع عبر التفاوض، وبينما احتفت بعض العواصم بهذا التحول باعتباره فرصة لتجنب حرب إقليمية واسعة، استقبلته أطراف أخرى بحذر شديد، معتبرة أن ما جرى لا يمثل حلاً للأزمة بقدر ما يمثل تأجيلاً لمواجهة مؤجلة.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن الاتفاق لم ينهِ الجدل حول مستقبل المنطقة، بل فتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيداً: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية؟ أم أمام هدنة مؤقتة ستختبرها ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها الملف اللبناني؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة وإيران تحويل التفاهم المرحلي إلى تسوية أوسع، أم أن التناقضات البنيوية بين الطرفين ستعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة؟
الاتفاق الأمريكي_الإيراني… ما الذي تغير فعلاً؟
بعيداً عن اللغة الدبلوماسية المعتادة، يمكن القول إن الاتفاق يعكس حقيقة سياسية واضحة: لا واشنطن استطاعت فرض رؤيتها بالكامل، ولا طهران خرجت من المواجهة مهزومة بالشكل الذي أراده خصومها.
الولايات المتحدة، التي وجدت نفسها أمام مخاطر توسع الحرب وما قد يرافقها من تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية، بدت أكثر ميلاً إلى تثبيت التهدئة وفتح نافذة تفاوضية جديدة، أما إيران، فقد تعاملت مع الاتفاق باعتباره اعترافاً ضمنياً بأنها ما زالت لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه أو فرض ترتيبات أمنية في المنطقة من دونه.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في وقف العمليات العسكرية أو إطلاق مسار تفاوضي يمتد لستين يوماً، بل في كونه يعكس تحوّلاً في أولويات الطرفين؛ من السعي إلى كسر الإرادة السياسية للطرف الآخر، إلى محاولة إدارة التنافس ضمن سقوف أقل كلفة وأكثر قابلية للضبط.
لكن التاريخ السياسي للشرق الأوسط يعلمنا أن الاتفاقات المرحلية كثيراً ما تكون بداية لاختبارات أصعب، لا نهايتها.
إسرائيل… الحليف الذي لم يُخفِ تحفظاته
إذا كان الاتفاق قد منح واشنطن وطهران فرصة لالتقاط الأنفاس، فإنه في المقابل أثار موجة من القلق داخل إسرائيل، سواء على المستوى السياسي أو الأمني.
فالاعتراض الإسرائيلي لا يرتبط فقط ببنود الاتفاق الحالية، بل أيضاً بما تعتبره تل أبيب غياباً لمعالجة ملفات تراها جوهرية، مثل الملف النووي، والبرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة النفوذ الإقليمي الممتدة في عدد من الساحات العربية، كما أن دوائر إسرائيلية عديدة تنظر إلى أي تخفيف للضغوط المفروضة على إيران باعتباره خطوة قد تمنح طهران مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية.
واللافت أن النقاش لم يعد يقتصر على مضمون الاتفاق نفسه، بل امتد إلى طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال هذه المرحلة، فقد كشفت الأيام الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، وظهرت مؤشرات على توتر غير مألوف في الخطاب المتبادل بين بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين، في مشهد نادر نسبياً قياساً إلى طبيعة التحالف التقليدي بين الطرفين، والتي كان آخرها الرد اللاذع لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس على التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين الإسرائيليين حول الاتفاق الأمريكي الإيراني.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ تفسير هذه التباينات باعتبارها قطيعة استراتيجية، فالعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية أعمق من أن تتأثر بملف واحد، لكن ما يجري يعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات؛ إذ تبدو واشنطن منشغلة بمنع الانزلاق إلى حرب طويلة، بينما تركز إسرائيل على ضمان ألا يتحول الاتفاق إلى نقطة انطلاق لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة.
لبنان… ساحة الاختبار الأولى
في الشرق الأوسط، كثيراً ما تتحول الملفات المحلية إلى ساحات تعكس صراعات إقليمية أوسع، ومن بين هذه الملفات، يبرز لبنان بوصفه المرشح الأبرز ليكون أول اختبار عملي لمدى صلابة التفاهم الأمريكي–الإيراني.
فاللافت أن التفاهم المعلن تضمن وقفاً للعمليات العسكرية يشمل الساحة اللبنانية أيضاً، وهو ما يعكس إدراكاً لدى الطرفين بأن أي استقرار مستقبلي سيكون هشاً إذا بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة على احتمالات التصعيد.
لكن أهمية لبنان لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي أو من ارتباطه المباشر بمعادلات الأمن الإقليمي، بل من كونه يمثل نقطة تقاطع بين المصالح الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية في آن واحد، ولذلك فإن نجاح التهدئة هناك سيُقرأ بوصفه مؤشراً على إمكانية انتقال الاتفاق إلى مراحل أكثر استقراراً، بينما قد يؤدي أي تدهور ميداني إلى تقويض الثقة وإعادة طرح الأسئلة حول جدوى التفاهم بأكمله.
ومن هنا، لا يبدو مستبعداً أن يتحول الملف اللبناني خلال الأشهر المقبلة إلى ميدان سياسي لاختبار النوايا أكثر منه ميداناً للمواجهة العسكرية المباشرة، فكل طرف يدرك أن أي خطوة في لبنان ستكون لها ما لها من انعكاسات تتجاوز حدوده، لتصل إلى مستقبل الاتفاق نفسه.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة
السيناريو الأول: من التفاهم المؤقت إلى التسوية التدريجية
يفترض هذا السيناريو نجاح فترة التهدئة في بناء حد أدنى من الثقة يسمح للطرفين بالانتقال إلى تفاهمات أوسع حول الملفات الأكثر تعقيداً.
في هذه الحالة، قد نشهد تراجعاً تدريجياً في مستوى التوتر الإقليمي، وتوسعاً في قنوات التواصل غير المباشر، ومحاولات لإدارة ملفات الخلاف ضمن أطر تفاوضية بدلاً من الساحات العسكرية.
رغم أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، لكنه يبقى ممكناً إذا اقتنع الطرفان بأن كلفة العودة إلى المواجهة أعلى من كلفة تقديم التنازلات المتبادلة.
السيناريو الثاني: إدارة الأزمة دون حلها
وهو السيناريو الأكثر واقعية في المدى المنظور.
فبموجبه يستمر الاتفاق ويمنع الانفجار الكبير، لكنه لا ينجح في معالجة جذور الخلاف، وفيه تبقى الملفات النووية والأمنية والإقليمية محل نزاع، لكن ضمن حدود تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وفي هذه الحالة، يدخل الشرق الأوسط مرحلة يمكن وصفها بـ”التنافس المنضبط”، حيث تستمر الخصومات السياسية والاستراتيجية، لكن تحت سقف يمنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.
السيناريو الثالث: تعثر التفاهم والعودة إلى التصعيد
أما السيناريو الثالث فيقوم على احتمال فشل المفاوضات اللاحقة أو وقوع أحداث ميدانية تعيد خلط الأوراق.
فالاتفاق الحالي، رغم أهميته، ما يزال هشاً بطبيعته، ويعتمد إلى حد كبير على قدرة الأطراف المختلفة على ضبط سلوكها خلال الفترة المقبلة، وأي أزمة مفاجئة أو انهيار للثقة قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة التصعيد.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تتحول الساحات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها لبنان، إلى نقاط احتكاك تعكس التوتر المتجدد بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
في الختام…
في السياسة الدولية، لا تكمن أهمية الاتفاقات الكبرى في لحظة توقيعها، بل في قدرتها على الصمود أمام أول اختبار حقيقي، واليوم يقف الشرق الأوسط أمام لحظة من هذا النوع؛ لحظة تختلط فيها فرص التهدئة بمخاوف الانهيار، وتتقاطع فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية مع الهواجس الإسرائيلية وتعقيدات الملفات الإقليمية.
لقد نجح الاتفاق في إيقاف مسار تصعيد كان يمكن أن يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع، لكنه لم ينجح بعد في إزالة الأسباب العميقة التي أنتجت الأزمة من الأساس، ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الاتفاق قد وُقع أم لا، بل ما إذا كان قادراً على التحول إلى مسار سياسي مستدام.
وبين واشنطن وطهران، وبين التحفظ الإسرائيلي وحساسية الملف اللبناني، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، أما الشرق الأوسط، فسيبقى كما كان دائماً: المنطقة التي لا تُحسم فيها النتائج عند توقيع الاتفاقات، بل عند أول اختبار لقدرتها على البقاء.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.