
البوق .. ، بقلم : د. ميسون حنا
كان يغزل من خيوط الشمس قنديلا يضيء به عتمة البائسين، كاد طموحه يصل إلى السماء، ويرفعه إلى النجوم، حتى إنه ذات يوم رافق غيمة علمته فنون السحر، لعب بالنار دون أن يصطلي بها، وعندما سال المال بين يديه وهب بلا تردد.
أحبوه … وأحبهم، نظروا إليه بحب وامتنان، خبأ نظراتهم في قلبه وقودا للأيام المقبلات وارتضى، أمعن بالرضى فطلب الخلوة، طالت خلوته، ضجر، خرج للعامة، استقبلوه بترحاب، وتفننوا بالتعبير عن اشتياقهم وحبهم، فرحوا به فرحا عظيما استساغه هو إلى درجة أنه أدرك أخيرا مدى أهميته، نظر في عيونهم، لكنه لم ير حبهم فيها كالسابق، بل رأى فقط انعكاسا لصورته في تلك العيون، ثم قرر إن يتوارى بين الحين والحين ليحظى بحرارة الترحيب، وليؤكدوا له حبهم المتجدد، ابتكروا طريقة جديدة بأن قرعوا الطبول لعل ذلك يُدخل الفرح إلى قلبه، استساغ اللحن، ومن باب المشاركة الوجدانية كما اعتقد لوهلة تحول إلى بوق، وعندما سألوه عن سبب تحوله، قال: إنما فعل ذلك ليحافظ على اتساق الألحان وارتضى … ومنذ ذلك الحين تتبعه زمرة الطبالين فقط، وعندما ينظر في عيونهم لا يرى حتى انعكاسا لصورته فيها، ثم اكتشف أنه أصبح بلا ملامح، أمسك بالبوق ونفخ ليؤكد ذاته، نفخ طويلا عله يستعيد ملامحه المفقودة، نفخ حتى سالت الدموع من عينيه … أخيرا رمى البوق وبكى … والعجيب أن الطبالين تخلوا عنه ببساطة، وتركوه يبكي وحده.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.