12:43 مساءً / 12 يونيو، 2026
آخر الاخبار

هندسة الخوف العمراني في محافظة سلفيت ، بقلم : د. عمرالسلخي

هندسة الخوف العمراني في محافظة سلفيت ، بقلم : د. عمرالسلخي

من إدارة الأرض إلى إدارة الإنسان: كيف أصبحت الجغرافيا أداة لإعادة تشكيل الوجود الفلسطيني؟

ما وراء الهدم والإخطارات

عندما يُذكر واقع البناء الفلسطيني في محافظة سلفيت، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى أوامر وقف البناء أو عمليات الهدم أو صعوبة الحصول على التراخيص، لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن القضية تتجاوز الجانب العمراني إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يتعلق بإدارة الجغرافيا كوسيلة لإدارة الإنسان نفسه.

فما يحدث في محافظة سلفيت لا يقتصر على تنظيم استخدام الأرض، بل يندرج ضمن سياسة طويلة المدى تهدف إلى التحكم بمسارات النمو الفلسطيني، وتحديد اتجاهات التوسع العمراني، وإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية والجغرافية بما يخدم المشروع الاستيطاني.

اتفاق أوسلو وميلاد الجغرافيا المقيدة

عندما قُسمت الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، كان يفترض أن يكون هذا التقسيم مرحلة انتقالية مؤقتة.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تحولت المناطق المصنفة (ج) إلى أداة دائمة للسيطرة على الأرض الفلسطينية.

في محافظة سلفيت، حيث تقع نحو 76% من الأراضي ضمن مناطق (ج)، لم يعد التقسيم مجرد توصيف إداري، بل أصبح محددًا رئيسيًا لمستقبل التنمية والسكن والاستثمار.

أما في بلدات مثل الزاوية وديربلوط، حيث تصل نسبة مناطق (ج) إلى نحو 93%، فإن الحديث عن التخطيط الفلسطيني المستقل يصبح أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع.

تجميد التخطيط كوسيلة للسيطرة

في الدول الطبيعية، يُستخدم التخطيط العمراني لتنظيم النمو واستيعاب التوسع السكاني.

أما في الحالة الفلسطينية، فقد تحولت المخططات الهيكلية في كثير من الأحيان إلى أداة لتقييد النمو.

معظم قرى وبلدات محافظة سلفيت ما زالت تعمل وفق مخططات لم تشهد توسعات جوهرية منذ عام 1985، رغم الزيادة الكبيرة في عدد السكان واحتياجاتهم.

وبذلك نشأت معادلة خطيرة: مجتمع يتوسع ديمغرافيًا، ومساحة تنظيمية ثابتة لا تتوسع.

والنتيجة الحتمية هي دفع المواطنين نحو البناء خارج الحدود التنظيمية المتاحة، ثم ملاحقتهم لاحقًا بحجة عدم الترخيص.

هندسة الخوف العمراني

الهدف الأعمق لهذه السياسات لا يتمثل فقط في منع بناء منزل أو هدم منشأة، بل في إنتاج حالة دائمة من الخوف وعدم اليقين.

الخوف هنا ليس حالة نفسية عابرة، بل أداة سياسية تؤثر في قرارات الأفراد والعائلات والمستثمرين.

فعندما يخشى المواطن بناء منزله، ويتردد المستثمر في إقامة مشروعه، ويتردد المزارع في تطوير أرضه، تتحقق السيطرة بأقل قدر من القوة المباشرة.

وهنا يتحول الخوف إلى سياسة، ويتحول العمران إلى ساحة صراع يومية.

الاستيطان والنمو غير المتكافئ

بينما يواجه الفلسطيني قيودًا واسعة على البناء، تتوسع المستوطنات بوتيرة متسارعة.

تجثم على اراضي محافظة سلفيت 24 مستوطنة و10 بؤر استيطانية و6 بؤر رعوية، تنتشر فوق المرتفعات الاستراتيجية والأراضي الزراعية والمواقع الحيوية.

هذا التوسع لا يغير الخريطة فقط، بل يعيد توزيع موازين القوة على الأرض، ففي الوقت الذي تُقيد فيه إمكانيات التوسع الفلسطيني، تُمنح المشاريع الاستيطانية المجال للنمو والربط والبنية التحتية والتوسع المستمر.

وبذلك لا يصبح الصراع على الأرض فحسب، بل على المستقبل الذي سترسمه تلك الأرض.

من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الديمغرافيا

لا يمكن فصل القيود العمرانية عن آثارها السكانية، فعندما تضيق فرص السكن والعمل والاستثمار، تتأثر أنماط الاستقرار والهجرة والزواج وتأسيس الأسر.

ومع مرور الزمن، تصبح الجغرافيا أداة للتأثير في الديمغرافيا، ويصبح التحكم بالمكان وسيلة غير مباشرة للتأثير في المجتمع نفسه، ومن هنا تكمن خطورة سياسات التخطيط والهدم، لأنها لا تستهدف الحجر فقط، بل تستهدف القدرة على إنتاج حياة طبيعية ومستقرة.

محافظة سلفيت في قلب المواجهة الجغرافية

تمثل محافظة سلفيت واحدة من أكثر المحافظات الفلسطينية تعرضًا لهذا النوع من الصراع، فهي تقع في منطقة استراتيجية وسط الضفة الغربية، وتحيط بها الكتل الاستيطانية من جهات متعددة، وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، كما تقع فوق أحد أهم الأحواض المائية في فلسطين.

لذلك فإن ما يجري فيها لا يمكن اعتباره قضية محلية تخص أبناء المحافظة وحدهم، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الأرض الفلسطينية وقدرتها على الصمود.

معركة الوجود قبل أن تكون معركة البناء

في جوهر القضية، لا يتعلق الأمر بمنزل يُهدم أو إخطار يُسلَّم أو مخطط هيكلي لم يُحدَّث، القضية الحقيقية هي الصراع على الحق في النمو، والحق في التخطيط، والحق في البقاء.

إن هندسة الخوف العمراني ليست مجرد سياسة تنظيمية، بل استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية عبر التحكم بالحياة اليومية للناس.

وفي محافظة سلفيت، تتجسد هذه المعركة بأوضح صورها؛ حيث يواجه الفلسطيني تحديًا لا يتعلق فقط بحماية أرضه، بل بحماية حقه في أن يعيش ويتوسع ويبني مستقبله فوقها.

ولهذا، فإن الدفاع عن العمران الفلسطيني ليس قضية هندسية أو قانونية فحسب، بل هو في جوهره دفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني ذاته.

شاهد أيضاً

مشرع صيني رفيع المستوى يحضر حفل استقبال “يوم روسيا” في بكين

شفا – (شينخوا) حضر بنغ تشينغ هوا، نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب …