
ماذا لو لم يخذل الإنجليز الشريف الحسين بن علي؟ بقلم : د. دانييلا القرعان
ليس في التاريخ كلمة أشد إيلاماً من كلمة “لو” فهي تفتح أبواب الاحتمالات على مصاريعها، وتدفعنا للتساؤل عما كان يمكن أن يكون لو أن مسار الأحداث سار في اتجاه آخر.
ومن أكثر الأسئلة حضوراً في وجدان العرب خلال القرن الماضي، ماذا لو لم يخذل الإنجليز الشريف الحسين بن علي؟ ماذا لو أوفوا بوعودهم للعرب بعد الثورة العربية الكبرى؟ ماذا لو قامت الدولة العربية التي حلم بها الثوار وسقط من أجلها الشهداء؟
في عام 1916 لم يرفع الشريف الحسين بن علي راية الثورة العربية الكبرى سعياً وراء عرش أو نفوذ بل حمل مشروعاً نهضوياً متكاملاً، كان الرجل يرى أمة عربية تستحق الحرية بعد قرون من التراجع، وشعوباً تستحق أن تحكم نفسها بنفسها، ومستقبلاً يقوم على الوحدة والكرامة والاستقلال.
استجاب العرب لندائه من الحجاز إلى الشام والعراق، وساروا خلف راية الثورة مؤمنين أن فجر الأمة قد اقترب، وعندما دخل الأمير فيصل دمشق عام 1918، بدا كأن الحلم العربي بات حقيقة قاب قوسين أو أدنى.
لكن ما جرى بعد ذلك لم يكن انتصاراً للحلم، بل بداية لتفكيكه، فبينما كان العرب يقاتلون على الأرض، كانت القوى الكبرى ترسم الخرائط في الغرف المغلقة، جاءت اتفاقية سايكس بيكو ثم وعد بلفور، ثم الانتداب الأجنبي، لتتحول الوعود إلى سراب، ويتحول المشروع العربي الكبير إلى دول وحدود وحواجز لم يعرفها العرب من قبل.
لو أن بريطانيا احترمت عهدها مع الشريف الحسين، لربما شهد العالم ولادة واحدة من أكبر الدول وأكثرها تأثيراً في القرن العشرين، دولة عربية تمتد من الحجاز إلى الشام والعراق، تجمع بين الثقل السكاني والموقع الاستراتيجي والموارد الاقتصادية والإرث الحضاري.
تخيلوا شرقاً عربياً بلا حدود مصطنعة، لا حروب بين الأشقاء، لا صراعات على الخرائط التي رسمها الآخرون، تخيلوا سوقاً عربية واحدة، جيشاً عربياً واحداً، مؤسسات جامعة قادرة على استثمار ثروات الأمة لمصلحة أبنائها.
ربما الأهم من ذلك، أن القضية الفلسطينية نفسها كانت ستواجه واقعاً مختلفاً تماماً، فوجود دولة عربية قوية وموحدة في قلب المشرق كان سيغير الكثير من الحسابات السياسية والديموغرافية والعسكرية التي سمحت لاحقاً بقيام إسرائيل وترسيخ وجودها.استشارات سياسية
وأثبتت التجربة الهاشمية، برغم كل التحديات، قدرتها على بناء الدولة وصناعة الاستقرار، ويكفي أن ننظر إلى الأردن الحديث لندرك جانباً مما كان يمكن أن يقدمه المشروع الهاشمي لو أُتيحت له الفرص
ة على نطاق أوسع، فالأردن، رغم محدودية الموارد وكثرة التحديات، استطاع أن يصبح نموذجاً في الاعتدال وبناء المؤسسات وحماية الاستقرار.
ولعل السؤال الحقيقي ليس ماذا لو نجحت الثورة العربية الكبرى بالكامل، بل ماذا خسر العرب عندما أُجهض مشروعها؟ لقد خسروا فرصة تاريخية لبناء كيان عربي كبير قبل أن تتجذر الانقسامات، وقبل أن تتحول الحدود المؤقتة إلى حقائق سياسية راسخة.
ومع ذلك، فإن الأفكار الكبرى لا تموت، فالثورة العربية الكبرى لم تكن مجرد معركة انتهت بانتهاء ظروفها، بل كانت رؤية للمستقبل. رؤية تقوم على الحرية والكرامة والوحدة والنهضة. وهي قيم ما زالت حية في وجدان الملايين من أبناء الأمة العربية.
بعد أكثر من مئة عام، لا يزال الشريف الحسين بن علي يقف في ذاكرة التاريخ رمزاً لرجل حاول أن يمنح العرب فرصة للنهوض في زمن كانت الأمم تعيد رسم مصائرها، وقد لا نعرف أبداً كيف كان سيبدو الشرق الأوسط لو لم يُخذل ذلك المشروع، لكن نعرف يقيناً أن المنطقة التي نعيشها اليوم ليست بالضرورة المنطقة التي حلم بها قادة الثورة العربية الكبرى.
وربما لهذا السبب ما زال السؤال يتردد جيلاً بعد جيل: ماذا لو لم يُخذل الشريف الحسين بن علي؟ وماذا لو مُنحت الأمة العربية فرصة حقيقية لتكتب تاريخها بيدها؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.