4:12 مساءً / 9 يونيو، 2026
آخر الاخبار

الجنوبُ ينهضُ من خطاه ، شعر: محمد علوش

كان أبي، في جنوبِ الجنوبِ،

الجنوبُ ينهضُ من خطاه
شعر: محمد علوش

كان أبي، في جنوبِ الجنوبِ،
يمضي وعلى كتفيه
تتبادلُ البلادُ وأحزانُها الأسماء.

لم يكن يحملُ الأرضَ؛
كانت الأرضُ تحملُ خطاه،
وتُخفي أثرَه في طبقاتها العتيقة،
كما تُخفي المعابدُ الأولى
أسرارَ آلهتها الغافيةَ في ذاكرةِ الحجر.

كان يمرُّ،
فتنهضُ السنابلُ من سباتِ الطين،
وتفتحُ الجهاتُ نوافذَها للريح،
كأنَّ الترابَ تعلَّمَ من وقعِ نعليه
بلاغةَ الإنبات.

وكان يحرسُ وردَ الشهداء؛
لا الوردَ وحده،
بل ذلك الضوءَ الخفيَّ
الذي يبقى عالقاً في الهواء
بعد أن يغادرَ الجسدُ هيئةَ التراب.

وإذا انحنى على قبرِ شهيد،
شعرتُ أنَّ الموتَ
يفقدُ شيئاً من جبروته،
وأنَّ الغيابَ
ليس سوى صورةٍ أخرى للحضور.

وكان يزرعُ رُمّانةً
رُمّانةً واحدةً،
لكنَّ الفصولَ كانت تخرجُ من خاصرتِها،
وكان تمّوزُ ينهضُ من حُمرةِ حبّاتها
كلّما ظنَّ العابرون
أنَّ الحكايةَ بلغتْ خاتمتَها.

في حبّاتِها
كانت تتجاورُ خرائطُ القرى،
وأصواتُ الأمهات،
وأسماءُ الذين عبروا إلى المجد
وتركوا ظلالَهم على السفوح.

وكان يزرعُ زيتونةً
فتتّسعُ الأرضُ حول جذعِها،
كأنها تستعيدُ نسبَها الأوّل
إلى الكنعانيِّ القديم،
ذلك الذي علَّم الحجرَ
كيف يصيرُ بيتاً،
وعلَّم الشجرةَ
كيف تُقيمُ في وجهِ العاصفة
دون أن تنحني.

كان أبي يعرفُ
أنَّ الزيتونَ ليس شجراً فحسب،
بل ذاكرةُ أرضٍ
تقاومُ النسيان.

لذلك كان يغرسُه
كما يغرسُ المؤمنُ دعاءَه
في قلبِ العتمة،
واثقاً أنَّ الضوءَ
يعرفُ طريقَه إلى الجذور.

وكان إذا تحدّثَ عن الوطن،
لا يُشيرُ إلى خارطةٍ معلّقةٍ على جدار،
بل إلى نبعٍ خفيٍّ
يجري تحت الجلد،
ويصعدُ مع النبض.

وكان يقول:
البلادُ ليست ما نراه،
بل ما يبقى فينا
حين يرحلُ كلُّ شيء.

وحين غاب،
لم يغبْ تماماً.

رأيتُه في انحناءةِ سنبلة،
وفي تجاعيدِ صخرةٍ شربتْ أعماراً من المطر،
وفي زيتونةٍ هرمةٍ
تمدُّ جذورَها في العتماتِ السحيقة،
كأنها تبحثُ عنه
في الجهاتِ التي لا تراها العيون.

ومنذُ رحيله،
كلّما هبّتْ ريحٌ من الجنوب،
أسمعُ وقعَ خطواته
يصعدُ من جوفِ التراب،
كأنَّ الأرضَ نفسها
تتلو سيرتَه على مسامعِ الفصول.

فأدركُ أنَّ الرجالَ الذين يذوبون في بلادهم
لا يموتون.

إنهم، كتمّوز،
يبدّلون هيئةَ الغياب،
ثم يعودون
في مواسمِ القمح،
وفي اخضرارِ الزيتون،
وفي الرُمّانةِ التي تنشقُّ عن قلبها القاني،
فتنثرُ على الحقول
حَبَّ الخلود.

وأدركُ أنَّ أبي
لم يكن رجلاً يعبرُ الأرضَ فحسب؛
كان جزءاً من لغتِها القديمة،
ومن نشيدِها السرّي،
ومن ذلك الحلمِ الكنعانيِّ العنيد
الذي كلّما ظنَّه الغزاةُ رماداً،
نهضَ من تحتِ الرماد
أكثرَ اخضراراً وأشدَّ رسوخاً في الضوء.

شاهد أيضاً

ياسر عباس وسفير فلسطين لدى لبنان محمد الأسعد يستقبلان مديرة شؤون الأونروا

ياسر عباس وسفير فلسطين لدى لبنان محمد الأسعد يستقبلان مديرة شؤون الأونروا

شفا – استقبل الممثل الخاص لفخامة الرئيس محمود عباس، السيد ياسر عباس، وسفير دولة فلسطين …