
لماذا يحتاج الإنسان إلى الوهم أحيانًا كي يستمر؟ بقلم : مجيدة محمدي
منذ اللحظة التي وعى فيها الإنسان هشاشته فوق هذه الأرض، بدأ يبحث عن شيء يحميه من قسوة الحقيقة. لم تكن الحقائق دائمًا رحيمة ، فهي تخبره بأنه فانٍ، وأن أحلامه قد تتكسر، وأن جهوده قد لا تُكافأ، وأن العدالة ليست حاضرة في كل مكان كما يتمنى. لذلك نشأت داخل النفس البشرية قدرة غريبة على صناعة الأوهام أو التشبث بها، باعتبارها آليات خفية للبقاء.
فحين نتحدث عن الوهم، فإننا غالبًا نمنحه دلالة سلبية. نراه نقيضًا للحقيقة، وعدوًا للعقل، وحجابًا يمنع الرؤية الواضحة. لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد. فليس كل وهم خداعًا رخيصًا، وليس كل حقيقة قابلة للاحتمال في كل الأوقات. هناك لحظات يصبح فيها الوهم أشبه بعكاز نفسي مؤقت، يمنح الإنسان القدرة على عبور مرحلة لا يستطيع اجتيازها بقوة الواقع وحده.
من ذلك نرى عديد النماذج لحالات إنسانية تعبر عن هذا ، فالمريض الذي يصدق في أعماقه أنه سيتعافى، رغم أن المؤشرات لا تبدو مطمئنة، يعيش نوعًا من الوهم الجميل. والعاشق الذي يعتقد أن الغد سيكون أفضل، رغم كل الخيبات، يستند إلى صورة لم تتحقق بعد. والفقير الذي يواصل العمل سنوات طويلة وهو يتخيل حياة أكثر كرامة، إنما يتحرك بقوة فكرة لم تصبح واقعًا بعد. في كل هذه الحالات، يبدو الوهم كأنه طاقة كامنة تدفع الإنسان إلى الأمام.
ولعل المفارقة الكبرى أن الحضارة نفسها قامت على أوهام تحولت لاحقًا إلى حقائق. فقبل أن يطير الإنسان، كان الطيران حلمًا أقرب إلى الوهم. وقبل أن يصل إلى القمر، كان الأمر يبدو ضربًا من الخيال. إن كثيرًا مما نعتبره اليوم إنجازًا بدأ في الأصل بصورة ذهنية غير مؤكدة، وبإيمان يتجاوز حدود المعطيات المتاحة.
غير أن الوهم ليس دائمًا نعمة. فهناك أوهام تتحول إلى سجون مغلقة، حين تمنع الإنسان من رؤية العالم كما هو، أو تدفعه إلى إنكار الوقائع باستمرار. الفرق الجوهري يكمن في أن الوهم الصحي يمدّ الإنسان بالقوة إلى أن يواجه الحقيقة، بينما الوهم المرضي يجعله يهرب من الحقيقة إلى الأبد.
في العمق، لا يعيش الإنسان بالحقائق وحدها. إنه يعيش أيضًا بالمعاني، والرجاء، والاحتمالات، والتصورات التي يصنعها عن المستقبل. ولهذا فإن النفس البشرية لا تبحث دائمًا عن الواقع المجرد، بل عن واقع يمكن احتماله. أحيانًا يكون الوهم بمثابة جسر مؤقت بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الجرح والشفاء، وبين العجز والأمل.
وربما لهذا السبب لم يستطع البشر، عبر آلاف السنين، التخلي تمامًا عن الأحلام والأساطير والوعود والصور المثالية. فهم يدركون، بوعي أو دون وعي، أن الروح لا تقتات على الحقيقة وحدها. فكما يحتاج الجسد إلى الخبز، تحتاج النفس إلى شيء من الضوء البعيد، حتى وإن لم تكن متأكدة تمامًا من وجوده.
إن الإنسان لا يلجأ إلى الوهم دائمًا لأنه يكره الحقيقة، بل لأنه أحيانًا يحتاج إلى مساحة من الأمل تمكنه من احتمالها. وبين الحقيقة التي تجرح، والوهم الذي يواسي، تتشكل إحدى أكثر المعضلات الإنسانية عمقًا: كيف نستمر في العيش ونحن نعرف كل ما نعرفه عن هشاشتنا؟
لعل الجواب يكمن في أن الإنسان كائن لا يعيش بما يراه فقط، بل بما يتخيله أيضًا. وما دام المستقبل مجهولًا، فسيظل هناك دائمًا متسع لوهم صغير، يرافقه في الطريق، ويمنحه سببًا آخر كي يواصل المسير.
- – مجيدة محمدي ـ تونس
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.