10:39 صباحًا / 2 يونيو، 2026
آخر الاخبار

جمع حَشَفاً وسوءَ كَيْلٍ ، بقلم : د. علاء موقدي

جمع حَشَفاً وسوءَ كَيْلٍ ،

جمع حَشَفاً وسوءَ كَيْلٍ ، بقلم : د. علاء موقدي

لم يعد المشهد الاقتصادي الفلسطيني مجرد أزمة عابرة أو اختلالات ظرفية يمكن احتواؤها بسياسات قصيرة المدى، بل بات واقعاً ممتداً لسنوات طويلة، يتشكل تحت ضغط مباشر من إجراءات الاحتلال التي طالت أهم ركيزتين في الدورة الاقتصادية الفلسطينية: أموال المقاصة من جهة، وتشغيل العمال الفلسطينيين في الداخل من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، تراكمت الأزمة حتى تحولت إلى حالة استنزاف مالي ومعيشي مستمر، ينعكس أثره على كل بيت فلسطيني.

في هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة العجز المالي والرواتب بمعزل عن حجز أموال المقاصة بشكل كامل ومنع تحويلها، كما لا يمكن فصل أزمة البطالة والدخل عن منع وتقييد عمل عشرات آلاف العمال الفلسطينيين في الداخل. فالأزمتان، رغم اختلاف أدواتهما، تنبعان من مصدر واحد، وتلتقيان في نتيجة واحدة: تجفيف مصادر الدخل الفلسطيني الأساسية وإضعاف قدرة الاقتصاد على الاستمرار.

أزمة الرواتب والعجز المالي: مقاصة محجوزة واقتصاد مُنهَك

تُعد أزمة الرواتب في فلسطين أحد أكثر الأزمات المالية تعقيداً واستمرارية، لكنها في جوهرها ليست أزمة داخلية فقط، بل انعكاس مباشر لسياسات تقوم على حجز أموال المقاصة بشكل كامل ومنع تحويلها للسلطة الفلسطينية. هذا الإجراء أدى إلى اختناق مالي حاد، وضع الموازنة العامة في حالة عجز مزمن، وجعل الوفاء بالالتزامات المالية، وفي مقدمتها الرواتب، عملية شديدة التعقيد.

هذا الواقع لا يعني فقط تأخيراً أو اقتطاعات، بل يعني شللاً شبه كامل في أحد أهم مصادر الإيرادات العامة، وتحويل الموازنة إلى إدارة أزمة دائمة بدل أن تكون أداة تخطيط وتنمية. ومع استمرار هذا الحجز، تتراجع القدرة على الإنفاق العام، وتضعف الحركة الاقتصادية الداخلية، وتدخل الأسواق في حالة ركود متكرر ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

وبذلك، فإن أزمة الرواتب ليست خللاً مالياً داخلياً، بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية مقيدة تُستخدم فيها أموال المقاصة كأداة ضغط حاد تُبقي الاقتصاد الفلسطيني في حالة اختناق مالي مستمر.

منع العمال في الداخل: شريان دخل يُغلق بقرار

إلى جانب أزمة المقاصة، تأتي أزمة العمال الفلسطينيين في الداخل كضربة اقتصادية أخرى لا تقل خطورة، إذ شكّل العمل في الداخل لعقود طويلة أحد أهم مصادر الدخل للأسر الفلسطينية، ورافعة أساسية للاقتصاد المحلي من خلال التحويلات والإنفاق.

غير أن القيود المتصاعدة على دخول العمال، وتقليص فرص العمل بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، أدت إلى فقدان شريحة واسعة من القوى العاملة لمصدر رزقها الأساسي. وهذا لا يعني فقط ارتفاع نسب البطالة، بل يعني أيضاً انقطاع شريان مالي كان يغذي الاقتصاد المحلي بشكل مباشر ويخفف من حدة الأزمات الداخلية.

إن تقييد هذا المسار لم ينعكس على العمال وحدهم، بل امتد أثره إلى كامل الدورة الاقتصادية: تراجع في الاستهلاك، ضعف في الحركة التجارية، وزيادة الضغط على سوق عمل داخلي محدود أصلًا. ومع استمرار هذا الواقع، يتحول فقدان العمل في الداخل إلى أحد أخطر عوامل الانكماش الاقتصادي.

بين المقاصة والعمالة: حصار اقتصادي ممتد

عند النظر إلى الأزمتين معاً، يتضح أن المشكلة ليست في تفاصيل مالية أو سوق عمل فقط، بل في سياسة اقتصادية ضاغطة تستهدف أهم مصدرين للدخل الفلسطيني: أموال المقاصة المحجوزة بالكامل، ودخل العمال في الداخل الذي يتم تقليصه تدريجياً.

وبين حجز المقاصة وتقييد العمالة، يتشكل واقع اقتصادي خانق:


دخل عام مُجمّد، ودخل عائلي ينكمش، وسوق محلي يفقد قدرته على الدوران الطبيعي. ومع استمرار هذا المسار لسنوات، تتحول الأزمة من ضغوط متفرقة إلى بنية اقتصادية مُنهكة، تعيد إنتاج العجز بدل أن تسمح بتجاوزه.

في المحصلة، لا يبدو الواقع الاقتصادي الفلسطيني نتاج خلل داخلي فقط، بل نتيجة مباشرة لمنظومة قيود مستمرة استهدفت أهم مصادر الدخل وأساسات الاستقرار المالي. وبين المقاصة والعمالة، يتعمق العجز عاماً بعد عام، حتى يصبح الاقتصاد في حالة استنزاف دائم، لا يملك أدوات كافية لاستعادة توازنه.

شاهد أيضاً

سور الصين العظيم في شمالي الصين

سور الصين العظيم في شمالي الصين

شفا – تانغشان 2 يونيو 2026 (شينخوا) في الصورة الملتقطة يوم أول يونيو 2026، منظر …