
زوارقُ الوضاعة… حينَ اختصرَ بعضُ الوعّاظِ غزةَ في غريزةٍ مريضة ، بقلم: د. وليد العريض
في الوقت الذي كانت فيه غزة تُذبح على الهواء مباشرة، ويُنتشل أطفالها من تحت الركام، ويبحث أهلها عن رغيفٍ بين النار والجوع، خرج محمد الفيزازي ليمنحنا درسًا جديدًا في انحطاط الخطاب؛ إذ لم يرَ في أسطولٍ إنسانيٍّ أبحر لكسر الحصار سوى “زوارق نكاح”، وكأنّ الرجل لم يعد قادرًا على رؤية العالم إلا من ثقب غريزته الضيق؛ فبينما كان بعض البشر يركبون البحر حاملين دواءً ورسالةً وضميرًا، كان هو يفتّش داخل السفن عن أسرّةٍ متخيَّلة، ويحوّل المأساة الإنسانية إلى نكتةٍ سوقيةٍ ثقيلة الدم، رخيصة المعنى، قذرة الدلالة:.
ما الذي يجعل إنسانًا يرى في سفينةٍ متجهة إلى غزة مشروعَ “خلوةٍ بحرية” لا مبادرةً أخلاقية؟
ما الذي يدفع عقلًا يُفترض أنه عقل داعية إلى الانشغال بالاختلاط الوهمي أكثر من انشغاله بالمجازر الحقيقية؟
الحقيقة أن الإنسان لا يرى في الأشياء إلا ما يسكنه؛ فالنبيل يرى شجاعةً، وصاحب الضمير يرى تضامنًا، أما الذي غرق طويلًا في أوحال الهواجس الرخيصة، فإنه لا يستطيع أن ينظر إلى امرأةٍ تشارك في عمل إنساني دون أن يتخيل سريرًا يتحرك فوق الماء؛ ولذلك لم تكن عبارة “زوارق النكاح” زلة لسان، بل كانت اعترافًا نفسيًا مكشوفًا، وسيرةً ذاتيةً مختصرةً لعقلٍ لم يعد يملك من أدوات الفهم سوى الغريزة المريضة:.
غزة بالنسبة إلى العالم الحر كانت اختبارًا أخلاقيًا، أما بالنسبة إلى بعض الوعّاظ فقد تحولت إلى فرصةٍ لمراقبة المقاعد المختلطة على السفن؛ فبدل أن يغضبوا للحصار، غضبوا من وجود نساءٍ على متن الأسطول، وبدل أن يسألوا عن الجوعى، انشغلوا بحساب المسافات بين الرجال والنساء؛ حتى بدا المشهد كأنّ الاحتلال الإسرائيلي أقلُّ خطرًا عندهم من امرأةٍ تحمل حقيبة إسعافات، أو صحفيةٍ تركب البحر لتقول إن غزة تختنق منذ سنوات:.
ويا للمفارقة الساخرة؛ أولئك الذين أبحروا نحو غزة كانوا يدركون أنهم قد يُعتقلون أو يُختطفون أو يُمنعون من الوصول، ومع ذلك ذهبوا، لأن في داخلهم شيئًا من الشرف الإنساني الذي لم يمت بعد؛ أما الذين بقوا على اليابسة، فلم يجدوا ما يفعلونه سوى إطلاق الشتائم الرخيصة، وكأنهم يريدون إقناع أنفسهم بأن كل بطولةٍ كذبة، وكل تضامنٍ رياء، وكل امرأةٍ شجاعة مشروعُ فضيحةٍ مؤجلة؛ وهكذا يصبح العاجزُ ساخرًا من الشجعان، ويصبح الجالسُ في الظل خبيرًا في تخوين من يواجهون البحر والبوارج والاعتقال:.
إن أكثر ما يثير السخرية أن الفيزازي لم يهِن المشاركين في الأسطول بقدر ما كشف حجم الخراب داخل خطابه؛ فالإنسان السوي حين يرى مدنيين يغامرون بحريتهم لأجل شعبٍ محاصر، يشعر بالاحترام أو على الأقل بالصمت، أما أن تتحول القضية كلها في رأسه إلى “نكاح بحري”، فذلك يعني أن الرجل لم يعد قادرًا على إدراك المعاني الكبرى أصلًا؛ لقد صار أسيرًا لخيالٍ متعبٍ يرى العورات في كل شيء، حتى في السفن التي تحمل الدواء والضمير معًا:.
ولو أن هؤلاء عاشوا زمنَ الحروب الكبرى، لربما اتهموا المقاومين بالخلوة داخل الخنادق، وفتشوا خيام الجرحى عن احتمالات الاختلاط، ولربما كتبوا خطبًا طويلة عن “فساد الأخلاق” بين من يحملون الماء للمصابين؛ لأن بعض العقول الصغيرة تعجز دائمًا عن رؤية البطولة، فتحاول تخفيضها إلى مستوى طينها الداخلي؛ وهي حين تفشل في أن تكون عظيمة، تسخر من كل عظمة تراها أمامها:.
لقد نجح “أسطول الصمود” حتى قبل أن يصل؛ نجح لأنه أعاد غزة إلى واجهة العالم، وفضح الحصار، وكشف خوف الاحتلال من مجرد سفنٍ مدنية؛ لكنه نجح أيضًا في فضح نوعٍ آخر من الحصار، حصار العقول التي تحاول اغتيال أي معنى نبيل بالسخرية القذرة والتلميحات المريضة؛ فإسرائيل تحاصر غزة بالبوارج، وبعضُ أبناء جلدتنا يحاصرونها بالرداءة، والفارق أن البارجة أقلُّ قبحًا أحيانًا من عقلٍ يرى في كل تضامنٍ فضيحة، وفي كل امرأةٍ عورة، وفي كل موقفٍ إنساني مناسبةً لإطلاق نكاتٍ من قاع المستنقع:.
وفي النهاية، سيبقى الذين ركبوا البحر نحو غزة أكبرَ من كل الشتائم؛ لأنهم تحركوا حين صمت كثيرون، وواجهوا الخطر بينما اختبأ آخرون خلف الشاشات والخطب الرخيصة؛ أما مصطلح “زوارق النكاح”، فلن يبقى منه إلا العار الذي التصق بصاحبه، بوصفه مثالًا فاضحًا على كيف يمكن للخطاب أن يسقط أخلاقيًا حين يعجز عن الارتفاع إلى مستوى المأساة والإنسانية معًا:.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.