
انتهت أعمال المؤتمر العام الثامن .. ماذا بعد؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
بانتهاء أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، تكون الحركة قد أنجزت واحدة من أهم محطاتها التنظيمية والسياسية في السنوات الأخيرة، بعد مرحلة طويلة من التحديات الداخلية والضغوط الوطنية والتغيرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية.
ورغم أن الأنظار انشغلت خلال الأيام الماضية بنتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري، إلا أن السؤال الأهم اليوم لم يعد متعلقًا بمن فاز ومن خسر، بل بما هو أبعد من ذلك: ماذا بعد المؤتمر؟ وكيف ستتعامل الحركة مع المرحلة الجديدة تنظيميًا وحركيًا وسياسيًا؟
فالمؤتمر الثامن لم يكن مجرد استحقاق انتخابي، بل محطة لإعادة تشكيل المشهد الداخلي للحركة، وتجديد شرعياتها التنظيمية، وقياس نبض القاعدة الفتحاوية، في ظل ظروف وطنية شديدة التعقيد تعيشها القضية الفلسطينية.
مرحلة ما بعد المؤتمر .. الامتحان الحقيقي
التجارب التنظيمية داخل الحركات الكبرى تؤكد أن نجاح أي مؤتمر لا يُقاس فقط بحسن إدارة الانتخابات، بل بقدرة الحركة على إدارة اليوم التالي لها.
فالمرحلة المقبلة ستكون الأصعب، لأنها تتطلب:
احتواء آثار التنافس الانتخابي.
تجاوز حالة الاستقطاب الداخلي.
منع تشكل المحاور ومراكز القوى.
استيعاب الكوادر التي لم يحالفها الحظ.
إعادة توحيد الجسم التنظيمي.
فتح اليوم بحاجة إلى تحويل المنافسة الداخلية إلى حالة تكامل، بعيدًا عن عقلية الغالب والمغلوب، لأن وحدة الحركة تبقى الضمانة الأساسية لاستمرار قوتها وحضورها الوطني.
إعادة الاعتبار للبنية التنظيمية
من أبرز الرسائل التي حملها المؤتمر وجود رغبة واضحة داخل القاعدة الحركية بإعادة تفعيل المؤسسات التنظيمية، وإنهاء حالة الترهل والجمود التي أصابت بعض الأطر خلال السنوات الماضية.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى إعادة الاعتبار لـ:
الأقاليم التنظيمية.
المناطق والشُعب.
المكاتب الحركية.
الاتحادات والنقابات.
الأطر الشبابية والنسوية.
لجان التعبئة والتنظيم.
كما أن الحركة مطالبة بتعزيز العمل المؤسسي، وإنهاء حالة الفردية، وإعادة بناء العلاقة بين القيادة والقاعدة على أساس الشراكة والانضباط التنظيمي.
المكاتب الحركية ودور المرحلة القادمة
المكاتب الحركية ستكون أمام اختبار مهم خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الحاجة إلى استعادة حضور الحركة داخل القطاعات المهنية والنقابية والإعلامية.
فالمرحلة القادمة تتطلب:
مكاتب حركية أكثر فاعلية.
حضورًا أقوى داخل النقابات والاتحادات.
تطوير الخطاب الإعلامي والتنظيمي.
استقطاب الكفاءات المهنية والشابة.
تعزيز العلاقة مع القواعد الجماهيرية.
وقد أثبتت التجربة أن المكاتب الحركية القوية تشكل أحد أهم أدوات الحركة في تعزيز حضورها المجتمعي والتنظيمي.
صعود جيل جديد داخل الحركة
نتائج المجلس الثوري عكست بوضوح صعود جيل شاب وميداني داخل الحركة، إلى جانب حضور نسوي لافت تمثل بفوز 16 أختًا بعضوية المجلس الثوري، وهو ما يعكس تحولات داخلية مهمة في بنية الحركة التنظيمية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وصول الشباب والنساء إلى مواقع القيادة، بل في تمكينهم فعليًا من المشاركة في صناعة القرار، ومنحهم المساحة الكافية للعمل والإبداع والتأثير.
كما أن الحركة ستكون مطالبة بإعداد برامج تأهيل سياسي وتنظيمي قادرة على إنتاج قيادات ميدانية جديدة تمتلك أدوات المرحلة المقبلة.
تجديد الخطاب السياسي والإعلامي
المؤتمر جاء في ظل ظروف وطنية استثنائية، أبرزها الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان، وتراجع الثقة الشعبية بالأطر السياسية التقليدية، وهو ما يفرض على الحركة مراجعة خطابها السياسي والإعلامي.
فتح اليوم بحاجة إلى:
خطاب أكثر قربًا من الناس.
لغة سياسية موحدة.
إعلام تنظيمي أكثر حضورًا وتأثيرًا.
استعادة ثقة الجيل الشاب.
تعزيز الرواية الوطنية الفلسطينية.
فالرهان في المرحلة المقبلة لن يكون تنظيميًا فقط، بل جماهيريًا أيضًا.
إنهاء الترهل وتعزيز الانضباط
من أبرز التحديات التي تواجه الحركة بعد المؤتمر ضرورة إنهاء حالة الترهل التنظيمي التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
وهذا يتطلب:
تفعيل الاجتماعات الدورية.
إعادة تقييم الأداء التنظيمي.
تفعيل مبدأ الثواب والعقاب.
تعزيز الانضباط الحركي.
إنهاء الازدواجية في المرجعيات.
ضخ قيادات ميدانية فاعلة.
فالقاعدة التنظيمية تنتظر اليوم أداءً مختلفًا ينعكس على الميدان، لا مجرد تغييرات شكلية في المواقع القيادية.
استعادة الدور الجماهيري والوطني
فتح، باعتبارها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، مطالبة اليوم باستعادة دورها الجماهيري، والعودة بقوة إلى هموم الناس وقضاياهم اليومية.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى:
تعزيز العمل الشعبي.
دعم صمود المواطنين.
تفعيل دور المؤسسات المجتمعية.
تعزيز الوحدة الوطنية.
حماية المشروع الوطني الفلسطيني.
كما أن القيادة الجديدة ستكون أمام استحقاقات وطنية كبرى، تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، والوحدة الداخلية، وإعادة إعمار غزة، والعلاقة مع الفصائل، والتحركات الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية.
خلاصة القول:
انتهى المؤتمر العام الثامن، لكن المعركة الحقيقية تبدأ الآن.
فالحركة أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء ذاتها تنظيميًا وحركيًا وسياسيًا، واستعادة حيويتها الداخلية، وتجديد أدواتها الجماهيرية، وتعزيز حضورها الوطني.
وإذا كانت فتح قد نجحت في إنجاز استحقاقها الديمقراطي الداخلي، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيُقاس بقدرتها على تحويل المؤتمر من حدث انتخابي عابر إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر وحدة وانضباطًا وفاعلية، تعيد للحركة قوتها التنظيمية ومكانتها الوطنية في الشارع الفلسطيني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.