
البيت الذي كان يسكننا ، لوحة: الفنان محمد الدغليس ، كلمات: د. وليد العريض
حين تنظر إلى هذه اللوحة…
لا تشعر أنك أمام صورةٍ لعائلةٍ عابرة،
بل كأنك تقف على عتبة بيتٍ قديمٍ في سلفيت،
في الحارات الغربية والشرقية والقبلية والشامية،
حيث كانت الأزقة الضيقة تحفظ أسماء أهلها أكثر مما تحفظها الدفاتر
وحيث كانت الحجارة تعرف وقع أقدام الجدّات قبل أن تعرفه الطرقات.
هذه ليست لوحةً تُرى بالعين فقط…
بل تُشمّ كرائحة البيوت القديمة بعد المطر،
كرائحة الخبز الخارج من تنور أمٍّ فلسطينيةٍ
كانت تعجن القمح بالدعاء
وتخبز لأبنائها عمرها كله دون أن تشتكي.
أنظر إلى الأم…
ليست امرأةً مرسومة بريشة فنان،
بل امتدادٌ لكل أمهات سلفيت،
أمهات الحارات القديمة،
اللواتي كنّ يجلسن عند أبواب البيوت الحجرية مع خيوط المغيب،
يحملن مفاتيح البيوت في أطراف أثوابهنّ
ويحملن الوطن كلّه في قلوبهنّ.
وجهها المتعب يشبه وجه الأرض بعد موسم الزيتون،
فيه تعبٌ نبيل
وفيه حنانٌ لا يشيخ.
كأنها تُخفي في عينيها حكايات الجدّات اللواتي رحلن،
لكن أصواتهن ما زالت تسكن الجدران العتيقة
وتخرج ليلًا مع رائحة الزعتر والقهوة.
أما الأب…
فليس رجلًا واحدًا.
إنه صورة الآباء جميعًا؛
أولئك الذين خرجوا مع الفجر إلى الحقول
وعادوا مع الغروب محمّلين بالغبار والتعب والكبرياء.
رجالٌ لم يقولوا كثيرًا: “نحبكم”
لكنهم بنوا الحبَّ حجرًا فوق حجر
وسقفًا فوق سقف
وحياةً كاملة فوق أكتافهم المتعبة.
يقف الأب في اللوحة كأنه واحدٌ من رجال الحارة الشامية في سلفيت
أو من أولئك الذين كانوا يجلسون عند عتبات البيوت في الحارة القبلية،
يتبادلون أخبار الزيت والمطر والحصاد
ويخفون همومهم خلف صمتٍ ثقيل يشبه الوقار.
وفي المقدمة يقف الطفلان…
كأنهما ذاكرة العائلة الأخيرة.
البنت تنظر بعينين واسعتين
تشبهان شبابيك البيوت القديمة المطلة على الأزقة الحجرية،
كأنها تسألنا بحزنٍ بريء:
“هل ستبقى البيوت عامرة بأهلها؟
أم ستصبح مجرد صورٍ معلّقة وذكريات؟”
أما الطفل الصغير،
فيُشبه أبناء زمانٍ كنّا نظنه بسيطًا،
حين كان الفرح رغيفًا ساخنًا
ولعبةً في الحارة
وصوت أمٍّ تنادي أبناءها مع الغروب.
يا الله…
كم تشبه هذه اللوحة بيوت أجدادنا.
بيوتًا لم تكن واسعة،
لكنها كانت تتّسع للقلوب جميعًا.
كان البيت فيها وطنًا صغيرًا
وكانت العائلة شجرة زيتون؛
قد تُرهقها الريح
لكن جذورها لا تموت.
هذه الوجوه المتلاصقة ليست مجرد تكوينٍ فني،
إنها تاريخٌ عربيٌّ كامل من التكاتف والصبر.
تشبه جلسات الشتاء حول المدفأة
وصوت الحكايات القديمة
وصينية الشاي التي كانت تجمع العائلة أكثر مما تجمعهم الدنيا اليوم.
في هذه اللوحة شيءٌ من فلسطين القديمة
شيءٌ من عمان
وشيءٌ من سلفيت التي كانت الحارات فيها تتعانق كالأقارب،
لا فرق بين شرقية وغربية وقبلية وشامية
إلا بقدر ما تختلف رائحة الخبز بين بيتٍ وآخر.
وما أوجع الحقيقة التي تهمس بها اللوحة دون كلام:
أن الإنسان لا يشيخ حين يتعب…
بل يشيخ حين يفقد ذلك البيت الذي كان يعود إليه
فيجد أمًّا تنتظر
وأبًا يسأل بصمت
ورائحة قهوةٍ تقول له:
الحمد لله… لقد عدت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.