
شفا – تقدّم البروفيسور سعاد عبد القادر بسناسي قراءة نقدية عميقة لرواية “قطط إسطنبول”، تكشف من خلالها عن مأساة اللجوء السوري في تركيا، وعن أزمة الهوية والاغتراب التي يعيشها اللاجئون في فضاء اجتماعي وسياسي يضعهم على الهامش.
تنفتحُ الرّواية المعاصرة على فضاءات جديدة من التّجريب والبحث في قضايا الإنسان، حيث لم تعد مجرَّد سرد للأحداث أو تصوير للشّخصيّات، بل غدت أداةً لفحص الهواجس الفرديّة والجماعيّة، والتقاط التّحوُّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة. فهي تشتبكُ مع أسئلة الهويّة والانتماء، وتعيدُ مساءلة العلاقة بين الذَّات والآخر، وبين المركز والهامش، وبين الحلم والخذلان، لتكشف عن توتّرات العصر ومفارقات الواقع. تبرزُ في هذا السّياق، رواية “قطط إسطمبول” لزيّاد كمال الحمّاميّ بوصفها نصًّا ينهضُ على فكرة الاندماج المبتور، حيث يتجلَّى التَّهميش والخذلان في مسارات السَّرد، ويُستثمر حضور “القطط” كرمز دالّ على الكائن المهمّش الذي يعيش على تخوم المدينة، بعيدًا عن مركزها الصَّاخب. إنَّ الرّواية تحوّل الحيوان إلى مرآة للإنسان، وتستثمرُ الرَّمز لتعرية واقع اجتماعيّ وسياسيّ يفتقدُ العدالة والاحتواء. ننطلقُ من هذا التّوتّر بين الرّغبة في الاندماج وبين واقع الإقصاء، لطرح أسئلة حول معنى الانتماء، وحدود الهويّة، ومصير الفرد حين يُقصى من فضاء الجماعة. ومن هنا، فإنَّ التّحليل يتأسَّس على مفاهيم عامَّة مثل التّهميش، والخذلان، والاغتراب، والاندماج النَّاقص، وانشطار الذّات، وتصدّعات الانتماء، وتجاذبات الأنا والمنفى، وهي مفاهيم تتيحُ قراءة الرّواية في ضوء انشغالات الأدب المعاصر بقضايا الإنسان المهمّش، وتفتحُ المجال لتفكيك البنية الرّمزيّة واللّغويّة التي اعتمدها الكاتب في صياغة نصّه. بهذا الرّبط، نقتربُ من فهم كيف تُترجم هذه المفاهيم في النّصّ السّرديّ، وكيف تتحوّل القطط إلى استعارة كبرى لذوات تبحث عن مكانها في عالم لا يعترف بها إلّا على الهامش.
اللّجوء/ الانتقال القسريّ
تأتي رواية قطط إسطنبول للكاتب السّوريّ (زياد كمال الحمّاميّ) في سياق أدبيّ وإنسانيّ بالغ الحساسيّة، حيث تحوّل الّلجوء السّوريّ إلى واحدة من أكبر المآسي المعاصرة التي شغلت الفكر والوجدان العربيّ والعالميّ. لم يعد اللّجوء مجرّد انتقال قسريّ من مكان إلى آخر، بل أصبح تجربة وجوديّة مركّبة، تتقاطع فيها أبعاد النّفس والمجتمع والمكان والرّمز[1]، وتطرح أسئلة عميقة حول الهويّة والانتماء والاعتراف. في هذا الإطار، تبرز الرّواية بوصفها شهادة أدبيّة على مأساة اللّاجئين، لكنّها تتجاوز التّوثيق المباشر لتقدّم نصًّا رمزيًّا غنيًّا بالدّلالات.
لقد اختارَ الكاتب أن يجعلَ من “القطط” استعارة مركزيّة، ليعكس عبرها وضع اللَّاجئين السّورييّن في إسطنبول. فالقطط، تلك الكائنات التي تعيش على الهامش، بلا مالك ولا هويّة، تصبح مرآة للّاجئين الذين يتقاسمون معها الظّل والأزقّة والعيش المؤقّت. بهذا التّوظيف الرّمزيّ، تتحوّل الرّواية إلى نصّ بصريّ، يجعلُ مأساة الهويّة الممزّقة ملموسة للقارئ، ويكشف عن عمق الأزمة الإنسانيّة التي يعيشها اللَّاجئ.
تسعى هذه الدّراسة، إلى تقديم قراءة متعّددة الأبعاد للرّواية، تتجاوز التّحليل التّقليديّ إلى مقاربة شاملة تجمع بين المنظور النّفسيّ والسّوسيولوجيّ، والجغرافيّ، والرّمزيّ، والمقارن. سنتناول الاغتراب النّفسيّ وتمثُّلات الهويّة، حيث يظهر اللّاجئ ممزّقًا بين ماضٍ لا يستطيع العودة إليه وحاضر لا ينتمي إليه. أمّا المحور الثّاني فيرصد التّناقض بين التّهميش والاندماج، حيث يعيش اللّاجئ اندماجًا مبتورًا لا يحقّق له الاعتراف الكامل.
وتُقرأ إسطنبول هنا، كفضاء سرديّ مزدوج، يجمع بين الحلم والخذلان، ويصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل السّرد. لنقفَ عند رمزيّة القطط بوصفها استعارة بصريّة للهويّة الممزّقة، حيث الحيوان يصبح رمزًا للإنسان المهمّش. وأخيرًا، وضع الرّواية في سياق أدب اللّجوء العربيّ المعاصر، مقارنًا إيّاها بأعمال بارزة مثل روايات خالد خليفة وإبراهيم نصر الله وإلياس خوري، ليكشف عن خصوصيّتها الفنّيّة والفكريّة.
إنّ هذا البحث لا يهدف فقط إلى تحليل رواية بعينها، بل يسعى أيضًا إلى المساهمة في إثراء النّقد الأدبيّ العربيّ، عبر فتح آفاق جديدة لدراسة أدب اللّجوء والشّتات. فالرّواية، بما تحمله من رمزيّة بصريّة وعمق نفسيّ واجتماعيّ، تمثّلُ نموذجًا مركَّبًا لأدب المنفى، وتدعو إلى إعادة التّفكير في معنى الهويّة والانتماء في زمن تتسارع فيه التّحوّلات وتتشابك فيه الأزمات. وبذلك، تأتي هذه المقدّمة لتضع القارئ أمام الإشكاليّة الكبرى التي يعالجها البحث: كيف تعكس رواية قطط إسطنبول أزمة الهويّة والاغتراب عبر مستويات متعدّدة، وكيف يمكن أن تُقرأ في سياق أوسع لأدب اللّجوء العربي المعاصر؟ إنّها دعوة إلى قراءة النّصّ ليس فقط كحكاية عن لاجئ، بل كصرخة أدبيّة ضدّ التّهميش والاغتراب، وكوثيقة إنسانيّة عن مأساة عصرنا.
أزمة الهوية والاغتراب
توضح الدراسة أن الرواية تجسّد مأساة فقدان الهوية، حيث يتحوّل غياب الوثائق القانونية إلى فقدان للوجود الإنساني ذاته. اللاجئ يعيش ممزقًا بين ماضٍ لا يستطيع العودة إليه وحاضر لا ينتمي إليه، في حالة اغتراب نفسي واجتماعي مضاعف.
اندماج ناقص واعتراف مبتور
ترى الأستاذة سعاد بسناسي أن الرواية تكشف عن اندماج ناقص، إذ يجد اللاجئ نفسه جزءًا من المجتمع التركي لكنه محروم من الاعتراف الكامل. هذا التناقض بين التهميش والرغبة في الاندماج يولّد شعورًا دائمًا بالخذلان، ويحوّل المدينة إلى فضاء مزدوج يجمع بين الحلم والخيبة.
رمزية القطط
القطط في الرواية ليست مجرد كائنات شاردة، بل استعارة بصرية للهويّة الممزقة. فهي تعيش في الظل، حاضرة جسديًا وغائبة رمزيًا، تمامًا مثل اللاجئين. بهذا التوظيف الرمزي، تتحول الرواية إلى شهادة إنسانية على مأساة المنفى، وتعيد طرح سؤال الانتماء في عالم يزداد انغلاقًا أمام الآخر.
الأدب كوثيقة إنسانية
تضع البروفيسور سعاد عبد القادر بسناسي الرواية في سياق أوسع لأدب اللجوء العربي المعاصر، إلى جانب أعمال بارزة لخالد خليفة وإبراهيم نصر الله وإلياس خوري. وتؤكد أن “قطط إسطنبول” تمثل إضافة نوعية لهذا الأدب، إذ تجمع بين السرد الواقعي والرمزية المكثفة، لتصبح نصًا أدبيًا وفنيًا يعكس مأساة عصرنا.
بهذا التحليل، تكشف البروفيسور سعاد عبد القادر بسناسي أن رواية “قطط إسطنبول” ليست مجرد حكاية عن لاجئين، بل هي صرخة أدبية ضد التهميش والاغتراب، ومرآة لذوات تبحث عن مكانها في عالم لا يعترف بها إلا على الهامش.
لقد حاول هذا البحث أن يقدّم قراءة متعدّدة الأبعاد لرواية “قطط إسطنبول” للكاتب السّوريّ (زياد كمال الحمّاميّ)، بوصفها نصًّا أدبيًّا يعكس مأساة اللّجوء السّوريّ في تركيا، ويطرح أسئلة الهويّة والاغتراب والاندماج. اتّضح لنا بعد التّحليل أنّ الرّواية ليست مجرّد حكاية فرديّة عن شخصيّة “اللّولو”، بل هي شهادة جماعيّة عن تجربة اللّاجئين الذين يعيشون على هامش المجتمع، بلا اعتراف قانونيّ أو اجتماعيّ.
رأينا كيف تجسّدُ شخصيَّة “اللّولو” أزمة الاغتراب النّفسيّ، حيث يتحوّل غياب الهويّة القانونيّة إلى فقدان للهويّة الإنسانيّة ذاتها. ثمّ كشفنا عن التّناقض بين التّهميش والاندماج، حيث يعيش اللّاجئ اندماجًا مبتورًا، يظلّ فيه جزءًا من المجتمع دون أن يصبح واحدًا منه. وأبرزنا دور المكان، حيث تتحوّل “إسطنبول” إلى فضاء مزدوج يجمع بين الحلم والخذلان، ويصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل السّرد. كما وقفنا عند رمزيّة القطط بوصفها استعارة بصريّة للهويّة الممزّقة، حيث الحيوان يصبح مرآة للإنسان المهمّش. ووضعنا الرّواية في سياق أدب اللّجوء العربيّ المعاصر، لإبراز خصوصيّتها مقارنة بأعمال “خالد خليفة” و”إبراهيم نصر الله” و”إلياس خوري”.
تؤكّدُ هذه القراءة أنَّ (قطط إسطنبول) ليست مجرَّد رواية عن اللّجوء، بل هي نصٌّ مركَّبٌ يجمعُ بين البعد النّفسيّ والسّوسيولوجيّ والمكانيّ والرّمزيّ، ويضيفُ إلى أدب اللّجوء العربيّ بعدًا جديدًا يتمثّلُ في توظيف الحيوان كرمز للإنسان المهمّش. إنّها رواية تفتحُ أفقًا نقديًّا واسعًا، وتدعو إلى إعادة التّفكير في معنى الهويّة والانتماء في زمن المنفى والاغتراب. وبذلك، يمكن القول إنّ هذا البحث قدّم مقاربة شاملة للرّواية، جمعت بين التّحليل النّفسيّ والاجتماعيّ والجغرافيّ والرّمزيّ والمقارن، ليكشف عن عمقها الفنّيّ والفكريّ، وليضعها في موقع مميّز ضمن أدب اللّجوء العربيّ المعاصر.
- – برتراند راسل، بحث في المعنى والصّدق، ترجمة : حيدر حاج إسماعيل، توزيع، مركز دراسات الوحدة العربيّة، لبنان، ط1، لبنان، 2013.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.