
لا تلتفت ، فلسفة الشجاعة أن تمضي كأنك لم تُكسر، وأن تترك ما انتهى خلفك بلا رجعة ولا ندم ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
ليست الحياة طريقاً مفروشاً بالطمأنينة، ولا حكاية تُروى بنبرةٍ واحدة، بل هي ميدانٌ واسع تتناوب عليه الفصول، وتتعاقب فيه الانكسارات كما تتفتح فيه البدايات. هي امتحانٌ دائم للشجاعة، لا تلك الشجاعة التي تُرفع بها الرايات في المعارك الظاهرة، بل الشجاعة الأعمق، الأشد خفاءً: شجاعة الشفاء، وشجاعة إعادة البناء، وشجاعة أن تقف بعد كل سقوط وكأنك لم تنكسر يوماً.
الألم ليس خياراً يمكننا تجاوزه، ولا محطة يمكننا القفز عنها؛ إنه جزء أصيل من نسيج الحياة، كالمطر حين يثقل السماء قبل أن يغسلها. لكن الفارق الجوهري بين إنسانٍ وآخر، ليس في مقدار الألم الذي يمر به، بل في قدرته على إعادة تشكيل مصيره رغم هذا الألم. فالمصير لا يُكتب مرة واحدة، بل يُعاد خلقه كل صباح، كما تُشرق الشمس على عالمٍ لم يعد كما كان بالأمس.
وحين تنتهي العلاقات، لا ينبغي أن تُعامل كصفحاتٍ قابلة للمراجعة، بل كقبورٍ يجب أن تُصان حرمتها. فالقبور لا تُنبش، ليس قسوةً، بل احتراماً لما مات، ورحمةً بما تبقى في القلب. إن العودة إلى ما انتهى، كمن يحاول إحياء ظلٍّ بلا روح، أو كمن يسكب الماء في كفٍّ مثقوبة؛ تعبٌ بلا جدوى، ووجعٌ بلا معنى. ومن اختار أن يكون وراء ظهرك، فلا تُرهق روحك بمحاولة استعادته، لأن بعض الغياب رحمةٌ متخفية، وبعض الفقد نجاةٌ لا تُدرك إلا متأخراً.
إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان لنفسه، هو أن يتحرر من أسر ماضيه. فالماضي، مهما كان جميلاً أو مؤلماً، لا ينبغي أن يكون سجناً يُقيّد خطواتك، بل درساً يُضيء طريقك. لا تكن أسير ذكرياتٍ تُعيدك إلى الوراء كلما حاولت التقدم، ولا تمنح الفرص لمن أثبت الزمن أنه لا يستحقها؛ فلو كان في بقائه خير، لما غادر، ولو كان في حضوره أمان، لما تركك في منتصف الطريق.
أما المعارك التي لا طائل منها، فهي أشبه برمالٍ متحركة؛ كلما حاولت الوقوف فيها، ابتلعتك أكثر. ليست كل معركة تستحق أن تُخاض، وليست كل مواجهة دليل قوة. أحياناً، يكون الانسحاب هو ذروة الحكمة، ويكون إدارة الظهر فعل شجاعة لا يقدر عليه إلا من أدرك قيمة نفسه. فالطاقة التي تُهدر في معارك عبثية، هي ذاتها التي تحتاجها لتبني بها مستقبلك، وتنهض بها من جديد.
والأماكن التي تقتل شغفك، لا تختلف كثيراً عن سجونٍ بلا قضبان. قد تبدو مألوفة، لكنها تُطفئ فيك شيئاً فشيئاً، حتى تجد نفسك غريباً عن ذاتك. غادرها دون تردد، فالحياة أقصر من أن تُعاش في أماكن تُقلص روحك. اذهب حيث يتسع صدرك، حيث تنمو أحلامك، حيث تشعر أن وجودك إضافة لا عبء.
وتذكّر دائماً: لك وجهة، لك غاية، لك مكانٌ في هذا العالم لم تصل إليه بعد. الطريق قد يكون غير واضح، وقد تتعثر خطواتك، لكن هذا لا يعني أن تتوقف. وإن لم تجد الطريق، فاصنعه بيديك. كن كالنهر، لا ينتظر إذناً ليجري، بل يشق طريقه بين الصخور حتى يصل. وكن كالفجر، لا يستأذن الظلام ليولد، بل يفرض حضوره حتى يبدده.
في النهاية، الحياة ليست ما يحدث لك، بل ما تصنعه أنت مما يحدث لك. هي قرار يومي بأن تنهض، بأن تُغلق الأبواب التي تُؤذيك، وأن تفتح نوافذ جديدة للضوء. هي أن تختار نفسك، لا أن تُهملها، وأن تبني روحك كما يُبنى البيت: حجراً فوق حجر، وصبراً فوق صبر، حتى تقف يوماً وتنظر إلى ذاتك، فتدرك أنك لم تنجُ فقط… بل وُلدت من جديد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.