
“فتح” تتمدد وتنتصر .. حتى حين تُعصب العيون برايتها ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
في إحدى لحظات الاعتقال لدى جهاز الأمن الداخلي في غزة، لم يكن المشهد مجرد احتجاز عابر، بل محاولة لإرباك المعنى قبل الجسد.
كان من بين تفاصيل تلك اللحظة أن جرى تعصيب عينيّ، والعشرات من أبناء حركة “فتح”، بطريقة حملت رمزية مقصودة، إذ استُخدمت راية الحركة الصفراء في المشهد، وكأنها تُراد أداة ضغط أو إهانة، في محاولة لإيصال رسالة تتجاوز حدود الاعتقال نفسه.
لكن ما لم يكن في حساب تلك اللحظة، أن الرموز حين تُمسّ في سياق القهر لا تفقد معناها، بل تزداد رسوخاً في الوعي.
كان أحدهم يردد بسخرية: “يا فتحاوية… مش لاقيين إلا اللون الأصفر؟ لون الهسهس”. لم تكن العبارة مجرد استفزاز لفظي، بل محاولة لتفريغ الرمز من قيمته، وتحويله إلى مادة للاستهانة.
حينها دار بيني وبينه نقاش رغم القيود، قلت له إن الألوان لا تُدان، ولا تُهزم بالوصف أو السخرية. فاللون الأصفر هو لون الشمس حين تشرق، ولون القمح حين ينضج، ولون الضوء حين ينتصر على العتمة.
ثم استحضرت له دلالة قرآنية معروفة في قصة بقرة بني إسرائيل: “صفراء فاقع لونها تسر الناظرين”، حيث يتحول اللون إلى علامة جمال ووضوح وقوة حضور، لا إلى مادة تهكم أو تقليل.
كان الجدل في جوهره أعمق من لون أو راية؛ كان صراعاً بين من يرى الرمز وسيلة كسر، ومن يدرك أنه جزء من هوية لا تُنتزع بسهولة.
ومع كل ذلك، بقيت الحقيقة أوضح من اللحظة نفسها: أن محاولات الإهانة لا تُسقط المعاني، بل تكشفها أكثر.
فـ“فتح” ليست مجرد راية تُرفع أو لون يُستهدف، بل مشروع وطني ممتد، تشكل عبر عقود من التجربة والنضال، وصار جزءاً من الوعي الفلسطيني لا يمكن عزله أو محوه بمحاولات الضغط أو التشويه.
وهنا يتقاطع ذلك المشهد مع المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، الذي لا يُقرأ كحدث تنظيمي فحسب، بل كاختبار حقيقي لقدرة الحركة على التجدد، وعلى إعادة صياغة حضورها في لحظة فلسطينية معقدة.
فالمؤتمر ليس مجرد أرقام أو مقاعد، بل سؤال مفتوح: كيف تبقى “فتح” قادرة على التمدد في الواقع السياسي والشعبي، كما تمددت في الوعي رغم كل محاولات الإقصاء والتشويه؟
من داخل التجربة، ومن بين لحظات الاعتقال ومحاولات كسر الرموز، تتأكد الفكرة ذاتها: أن ما يُراد له أن ينكسر، قد يتحول مع الوقت إلى علامة صمود.
فالراية الصفراء التي أُريد لها أن تُستخدم في سياق الإذلال، تبقى في الوعي رمزاً مختلفاً: رمزاً لحركة تتجدد، وتتمدد، وتعود لتؤكد أن المعنى لا يُعتقل، وأن الفكرة لا تُهزم.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم: قد تُعصب العيون، لكن البصيرة لا تُعصب… وقد تُستهدف الرموز، لكن المعاني حين تكون حيّة في الناس، فإنها تبقى قادرة على التمدد والانتصار.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.