
قراءة في رواية “سلالة من طين” للكاتبة قمر عبد الرحمن ، همسات: زياد جيوسي
في مشروعها الروائي “سلالة من طين”، تواصل قمر عبد الرحمن اشتغالها على الحفر في الجرح الإنساني والاجتماعي، واضعةً نصها في منطقة تتقاطع فيها الرمزية مع الواقع، والتوثيق مع الخيال، والخاص مع العام. غير أن هذا الاشتغال، رغم غناه في بعض المقاطع، يفتح بابًا واسعًا للمساءلة النقدية، سواء على مستوى العنوان، أو البناء السردي، أو التوثيق القانوني والتاريخي داخل النص.
أولاً: العنوان وإشكالية الدلالة
“سلالة من طين” عنوان ينهض على خلفية دينية وإنسانية مشتركة، إذ إن المرجعية في الخلق من طين هي مرجعية جامعة للبشر، لا تميّز “سلالة” عن أخرى من حيث الأصل. وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كان الأصل واحدًا، فأين تتمايز “السلالة”؟ وما الذي تريد الرواية أن تفصله أو تفرزه من هذا الطين؟
إن العنوان، في صيغته الحالية يفتح أفقًا تأويليًا واسعًا، لكنه في الوقت ذاته يخلق نوعًا من التعميم، كان يمكن للكاتبة تجاوزه بعنوان أكثر توترًا ودلالة، مثل “حب وحرب”، أو أي صيغة تُعلن عن ثنائية الصراع بدل الاكتفاء بالأصل الإنساني العام.
ثانيًا: الإهداء وبناء التلقي المسبق
الإهداء: “إلى كلّ قلبٍ جُبِلَ على عشق فلسطين!”
يؤسس مباشرة لتلقٍّ عاطفي سياسي، ويوجّه القارئ نحو أفق محدد قبل الدخول إلى النص. وهو إهداء جميل في انحيازه الإنساني، لكنه في النقد البنيوي يحدّ من حيادية التلقي، ويدفع القارئ نحو قراءة مسبقة الاتجاه.
ثالثًا: الاشتغال السردي والبعد الاجتماعي
من أهم نقاط القوة في المشروع الجرأة في مقاربة قضايا المرأة، لا سيما:
فضح العنف الزوجي المغلّف بخطاب ديني زائف.
الإشارة إلى التناقض بين التدين الظاهري والسلوك القمعي.
فتح باب القانون أمام المرأة عبر تقديم البلاغ باسمها.
هذه النقاط تشكّل وعيًا سرديًا مهمًا، يخرج من دائرة الشكوى إلى دائرة الفعل.
كما أن أنسنة البحر في عبارة “سأل آدم البحر” تمثل إضافة تخييلية جميلة، تمنح النص بعدًا رمزيًا قابلًا للتأويل.
رابعًا: إشكاليات المنطق القانوني والسرد الواقعي
في مشهد مقتل “مريم”، يبرز خلل واضح في البنية الواقعية والإجرائية:
من غير المنطقي قانونيًا أن يُحسم في قضية وفاة مشكوك فيها على أنها “انتحار” في يوم واحد، دون تحويلها إلى الطب الشرعي أو النيابة العامة.
كما أن مشهد تدخل الأب وقتل ابنته يحتاج إلى ضبط نفسي وقانوني أكبر، لتبرير هذا الانفجار الدرامي.
إن الرواية هنا تتكئ على الصدمة العاطفية أكثر من الاتساق الإجرائي، وهو ما يضعف الحدث رغم قوته التراجيدية.
خامسًا: التوثيق السياسي والتاريخي
في مقاربة ملف الأسرى ومعبر رفح، يظهر اشتباك النص مع التاريخ السياسي، لكنه يحتاج إلى دقة أعلى:
مسألة التوقيف الإداري للأسرى تحتاج إلى استكمال سياقي يعكس طبيعة القرار الإسرائيلي حتى اللحظة الأخيرة.
الإشارة إلى الصيادين كضحايا يجب أن تُقدَّم بوصفها سياسة ممنهجة، لا خبرًا عابرًا، لأن التكرار جزء من بنية الاحتلال، لا من أحداثه العرضية.
ملف معبر رفح وتواريخه (2005–2007 وما بعدها) يحتاج إلى ضبط شديد، لأن أي خلل زمني ينعكس على مصداقية الخلفية السياسية للرواية، خصوصًا عند ربطه بالحصار.
سادسًا: البناء العام
يسير البناء العام للنص إلى درجة من الاكتفاء الذاتي في بعض المقاطع دون إشكالات تُذكر، كما يشير في مواضع أخرى إلى تفاوت في مستويات الاشتغال داخل العمل نفسه.
خاتمة
رواية “سلالة من طين” تقدم نصًا يحمل نَفَسًا إنسانيًا وسياسيًا واضحًا، ويشتبك مع قضايا المرأة والوطن والظلم الاجتماعي بجرأة لافتة. لكنه في المقابل يحتاج إلى: ضبط لغوي أكثر صرامة، وتدقيق قانوني وتاريخي في بعض الوقائع، وتخفيف الاعتماد على الصدمة العاطفية لصالح بناء سردي أكثر تماسكًا.
إن رواية “سلالة من طين” لقمر عبد الرحمن تُبشّر بقدرة على النمو، لكنها في طور التشكل، حيث لم يتحول الطين إلى شكل نهائي بعد، وما يزال مادة قابلة للتكوين، أو ربما لإعادة التشكيل.
ملاحظة هامة جدًّا:
اختلطت هذه الكلمات بدموع العين وذاكرة القلب، إذ جاءتني عبر العزيزة ذؤابة، ابنة المرحوم زياد جيوسي، على شكل ملاحظات نقدية دقيقة كان قد بدأها، ولم يُمهله القدر لإكمالها، كما وعدني بها قبل رحيله بأيام قليلة.
كان من المفترض أن تكون هذه القراءة امتدادًا لحوار نقدي حيّ بيننا، لكنه غادر هذا العالم قبل أن يكتب السطر الأخير، تاركًا وراءه أثرًا لا يُمحى، وأسلوبًا في الكتابة النقدية ظلّ حاضرًا في تفاصيل كل ملاحظة، وكأن صوته ما زال يوجّه النص ويعيد تشكيله بهدوء العارف، وخبرة العاشق للكلمة.
رحل زياد جيوسي، لكن ملاحظاته بقيت حيّة، تنبض بين السطور، وتذكّرني أن النقد الحقيقي ليس حكمًا على النص، بل حبٌّ عميق له، ومحاولة لفهمه حتى آخر نبضة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.