
حين تُعلّق البلاد قلبها على صندوق: الانتخابات بين الحلم والاختبار ، بقلم : سماحه حسون
ليس يوم السبت المقبل يوماً عادياً في الذاكرة الفلسطينية؛ إنّه أقرب إلى عرسٍ وطنيٍّ تُزيَّن فيه الشوارع بما تبقّى من أمل، وتُعلّق القلوب على صندوقٍ صغير، كأنّه قادر—ولو لوهلة—أن يُعيد ترتيب الفوضى، أو على الأقل يمنحها معنى.
في بيت أمرين، تلك القرية التي تعرف أسماء بعضها بعضاً أكثر مما تعرف عناوينها، لا تبدو الانتخابات مجرّد حدث إداري. هنا، تتحوّل العملية إلى مرآة مكبّرة للعلاقات الاجتماعية، للقرابة، للثقة، وللخيبات القديمة أيضاً. العائلة ليست فقط وحدة اجتماعية، بل كتلة تصويتية، والصداقة ليست دائماً محايدة حين تدخلها السياسة من الباب الضيّق.
قبل الانتخابات، يتبدّل إيقاع القرية. الوجوه التي كانت تمرّ عابرة، تُصبح أكثر حضوراً، والكلمات التي كانت مؤجلة، تُقال دفعة واحدة. وعود تُزرع في الطرقات، وشعارات تُعلّق على الجدران، وأحاديث طويلة تُنسج في المقاهي وعلى عتبات البيوت. هناك من يراها فرصة للإصلاح، وهناك من يتعامل معها كواجبٍ اجتماعي لا أكثر، بينما يقف آخرون على الحياد، يراقبون المشهد بشيء من الشكّ، كأنهم جرّبوا الحلم كثيراً حتى تعبوا من تصديقه.
في بيت أمرين، كما في كثير من القرى، تتداخل المعايير: الكفاءة تُزاحمها القرابة، والنزاهة تُختبر أمام النفوذ، والخبرة تُقارن بالقدرة على الحشد. ليس لأن الناس لا تعرف الفرق، بل لأن الواقع أحياناً يفرض منطقه الخاص، حيث تصبح “القابلية للفوز” معياراً بحد ذاته.
أما على امتداد فلسطين، فالصورة أكثر تعقيداً وأوسع ظلالاً. الانتخابات هنا ليست فقط اختيار مجالس محلية، بل محاولة متجددة لترميم فكرة المشاركة في ظل واقع سياسي متشظٍ. في مدن كبرى وقرى صغيرة، يتكرّر السؤال ذاته: هل ما زالت الانتخابات قادرة على أن تكون أداة تغيير حقيقية، أم أنها مجرّد طقس ديمقراطي نحافظ عليه كي لا نفقد ما تبقّى من شكل الدولة؟
قبل الانتخابات، تتصاعد اللغة، وتُشحذ الانتماءات، وتُعاد صياغة التحالفات. هناك من يخوضها برؤية واضحة، وهناك من يدخلها بدافع المنافسة فقط، وهناك من ينسحب بصمت، لأنه لا يرى جدوى في لعبةٍ تبدو نتائجها—في نظره—محكومة سلفاً.
لكن اللحظة الأهم ليست يوم الاقتراع، بل ما بعده.
حين تُفتح الصناديق، لا تُفرز فقط الأوراق، بل تُفرز العلاقات أيضاً. فائزون يبتسمون بثقة، وخاسرون يحاولون التماسك، وقرية تعود تدريجياً إلى حياتها اليومية، ولكن بشيء تغيّر في العمق. هنا يظهر الاختبار الحقيقي: هل تتحوّل الوعود إلى أفعال؟ هل يصبح المجلس المنتخب خادماً للناس، أم سيّدًا عليهم؟ وهل يستطيع المواطن أن يُحاسب، أم سيكتفي بالمراقبة الصامتة؟
رأي المواطن بعد النتائج غالباً ما يكون أكثر صدقاً، لأنه خالٍ من ضجيج الحملات. البعض يشعر بالرضا، كأنه ساهم في رسم ملامح الغد، والبعض الآخر يعود إلى شكوكه الأولى، قائلاً إنّ شيئاً لم يتغيّر. وبين هذا وذاك، تبقى فئة ثالثة، أكثر صمتاً وعمقاً، تراقب الأداء، لا الشعارات، وتُكوّن حكمها ببطء.
في بيت أمرين، كما في سائر فلسطين، ستنتهي الانتخابات، لكن الأسئلة لن تنتهي. لأن الديمقراطية ليست صندوقاً فقط، بل ثقافة يومية، تبدأ من احترام الرأي المختلف، ولا تنتهي عند مساءلة المسؤول.
الانتخابات، في جوهرها، ليست وعداً بالجنة، لكنها فرصة للاقتراب منها خطوة. خطوة صغيرة، نعم، لكنها في وطنٍ مثقلٍ بالخيبات، قد تكون الفرق بين اليأس الذي يستقرّ، والأمل الذي يرفض أن يموت.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً في الهواء، كرايةٍ لا تهدأ:
هل نُحسن استخدام هذه الفرصة، أم نتركها تمرّ كغيرها، ونعود لنكتب الحكاية ذاتها، ولكن بأسماء جديدة؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.