12:07 صباحًا / 15 أبريل، 2026
آخر الاخبار

” نوكري الغريب ” بقلم : مجيدة محمدي

نوكري الغريب

” نوكري الغريب ” بقلم : مجيدة محمدي

كانت تقفُ أمام بيته، كشاهدةٍ لا تموت، جذعُها ملتفٌّ كأصابعَ هرِمةٍ تحفظُ سرًّا، وأغصانُها تُحاورُ السماءَ دون أن تنتظرَ جوابًا. لم يكن كنعان يراها شجرةً فحسب ، بل ذاكرةً تتخلل التراب،
كان يمسحُ على جذعها بزيتها كما يُمسحُ على كتفِ صديقٍ قديم، ويسقيها كأنّه يسقي ما تبقّى منه. وحين تهبُّ الريح، كان يبتسمُ، كأنّه يسمعُها تُحدّثه:
“أنا هنا… فلا تخف.”

في المساءِ الأول الذي ظهر فيه، لم يُلقِ “نوكري الغريب” تحيّةً.
وقفَ عند تخوم الحقل، كظلٍّ لا ينتمي إلى ضوء أو إلى عتمة. كان يحملُ فأسًا، و يحدق في الفراغ ، كأن لا شيء يملأ محيط رؤيته …

قال له أحدُ الجيران همسًا ،
“ذاك حطّابٌ غريب… يختارُ ما يستحقّ أن يبقى.”
لم يفهم كنعان العبارة، أو لعلّه استغربها .

بدأت المؤامرةُ في ظلمة حالكة ،
في ليلةٍ بلا قمر، تسلّل نوكري إلى الحقل، وجلس بعيدًا عن الزيتونة، يُراقبها. لم يلمسها. لم يقترب منها. فقط كان يُحدّقُ فيها طويلًا، كأنّه يدرسُ شيئًا أعمق من الجذور.
وفي اليوم التالي، وجد كنعان آثارَ أقدامٍ حولها.
لم يغضب.
لم يخَف.
بل انحنى وهمسَ للزيتونة:
“هل أيقظكِ أحدٌ غيري؟”
هزّت أوراقُها، أو هكذا خُيّل له.
تكرّرت الزيارات.
في كلّ ليلة، كان نوكري يأتي، يقتربُ خطوةً إضافية ، يتحسس التربة ، و يراقب اتجاهات الريح …

وذات مساء، حين التقيا وجهًا لوجه، لم يكن بينهما سوى صمتٍ كثيف.
قال نوكري أخيرًا:
“لماذا هذه الشجرة؟”
أجاب كنعان، دون أن ينظر إليه:
“لأنّها ابنة الأرض.”
ابتسم نوكري ابتسامةً باردة:
“الأرضُ لمن يريد أن يزرع و يفلح و يحفر الابار و السواقي ، و يجني الثمار…
الارض لابن الارض ، يا غريب … قال كنعان

بدأت القريةُ تتغيّر.
الأرضُ من حول الزيتونة جفّت، رغم أنّ كنعان لم يتوقّف عن سقيها. الطيورُ قلّت. حتى الظلُّ صار أقصر، كأنّ الشمسَ لم تعد تثقُ بما تُنير.
وفي إحدى الليالي، سمع كنعان صوتًا… لم يكن صوت فأسٍ، بل صوتَ شيءٍ يُقتلع من الداخل.
ركض إلى الخارج.
رأى “نوكري الغريب” واقفًا، والفأس مغروسةً في الأرض، لا في الشجرة.
صرخ كنعان:
” أتضربها؟!”
نظر إليه نوكري بعينين مرهقتين:
“لأنّها ليست شجرة.”
اقترب كنعان، واحتضن جذعها:
“بل هي كلُّ ما تبقّى.”
قال نوكري بصوتٍ خافت:
“لهذا جئت.”
في الليلة الأخيرة، لم تهبّ الريح.
كان الصمتُ ثقيلًا كحقيقةٍ ساخنة .
جلس كنعان عند جذع الزيتونة، يحدّثها كعادته. لم ينتبه لخطوات نوكري خلفه.
قال الحطّاب:
“إذا لم تُقتلع، ستُقتلع أنت.”
ابتسم كنعان:
“ومن قال إنّي لستُ جذعًا آخر؟”
رفع نوكري فأسه.
تردّد.
خفضها.
رفعها من جديد.
وفي اللحظة التي سقطت فيها الفأس…تغير العالم…

في الصباح، اجتمع أهل القرية.
كانت الزيتونةُ ما تزالُ واقفة.
لكنّ كنعان لم يكن هناك.
ولا نوكري.
ولا الفأس.
فقط… كان هناك شقٌّ صغيرٌ في الجذع، كأنّ شيئًا دخل ولم يخرج.
ومنذ ذلك اليوم، حين تهبُّ الريح، يسمعُ العابرون صوت عميق…يقول: “أنا هنا…”
قال شيخٌ عجوزٌ وهو يمرّ من هناك:
“بعضُ الأشجار لا تُقتلع… لأنّها ليست في الأرض، بل فينا.”
لكنّ أحدًا لم يفهم….
إلّا الزيتونة .

  • – نوكري : اي الغريب في اللغة العبرية

شاهد أيضاً

4 شهداء بقصف للاحتلال على مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة

شفا – استشهد 4 مواطنين، وأصيب آخرون، مساء اليوم الثلاثاء، في قصف لطيران الاحتلال الإسرائيلي …